دورانٌ، حتی تتكسرُ الأنفاس
دورانٌ، حتی تتكسرُ الأنفاس
شعر: گولاله عثمان
ترجمة: مكرم رشيد الطالباني
أدورُ حول نفسي، الدنيا مشرقةٌ
والجميعُ على مرمى النواظرِ
وحدي لستُ في القلوبِ
لن أرى نفسي، أسبحُ في فلكي، أنتم من ترونني!
لكن لستُ في ناظريك
حين أدورُ في فلكي أبغي تحطيم الفراغ ما بيننا
كي نتشابك!
عندئذٍ، فراغٌ فيَّ، وأنتَ تقبعُ في فراغ.
أدورُ في فلكي، وأبدو أنني بلا هدفٍ !
يعرجُ عقلي بهذه الحروف الخمسة (ا ل هـ د ف)
كلّ همي أن يقلقَ أحدهم، لا يجوز أن تكونَ أنتَ،
أأأأأأأنت.
أدورُ في فلكي ولن أتوقفَ حتى أعثرَ على شيءٍ ما!
الأمر المزعج هو إن كلّ شيء واضح للعيان، حتى كلّ شيء.
لا زلتُ أدورُ، ولا زالَ عبقُ غُربةِ الإنسان
على سطح الأرضِ لمْ يُغادرني،
لا زلتُ نفسيَ لم أنقسم على لاشيءٍ
لا زلتُ أغارُ من جواربكَ! اغارُ
لكن!
لكن! لا أعرف! أي شيء أنتَ! أي شيء؟
برأسٍ فارغٍ أترددُّ جيئةً وذهاباً
لأصلَ إلى نهايتي
لقد حان الوقت الذي يجبُ أن أبادر للسؤالِ؟ منْ كنتُ أنا؟ من؟
لن ألتفتَ للوراء، لقد إزداد ترحالي
وفي هذه الأثناء صُقِلتُ
يتألّمُ بكائي تهتُ في الأرجاء
ولن يقرّ لي قرارٌ
إلاّ في أعماق ذاتي
أفتحُ النافذة، أستنشق نفساً عميقاً.. أنا مشتتٌ!
يبدو أنني أضعتُ أجزائي، هذا هو الخيط الأخير الذي يربطني بذاتي.
لا أهدأ في فراشي، لن أخلدَ للنوم.. أفكر فيما كنتَ تقوله:
"أنتِ لا تمنحينني العشق"... لا، هذا مُرهِق، لكنه يريحتي.
واقفٌ أنا، ولا أعرفُ كم مرة وقفتُ هكذا،
متسولٌ ينظر إلى خطوط يدي ويقول:
"لا يوجد شيء في الأفق"، وأنا أعلم أنه لا يعرف كيف يكذب!
أغرق في أعماقي حين يغيب الجميع؛
أولئك مَن لا يقرؤونني، وهو الذي لن يجدني..
قهوةٌ ما ترى دفء قلبي،
لكنها بردت... جمدت... بردت...
وأنا باردٌ وفاترٌ في هذه السطور.
سأكفّ عن إرسال الرسائل إليك كل يوم لأقول:
"مرحباً، أنا بخير حين أعلم أنك بخير!"
فما زال قلبي يفكرُ في ظهري، وعقلي يفكرُ في ظهري، وفكري يفكرُ في ظهري.. الذي حطّمتهُ أنت.
أسيرُ نحو الوراء..
أحياناً أظن أنني لستُ أنا، ولا يوجد أحد! وهذا بالضبط يقتلني ما لن أملكهُ!
وحتى عند وجوده، أُضيعُ شيئاً ما! لا أعرف ما هو؟
توقفتُ، وهناك شيء في داخلي لا يشتعلُ.
يقول الطبيب: "أنتٍ قلقة.. قلقة!"
منذ ذلك الحين، صارت لياليّ مائة ساعة..
دائرة الأرصاد الجوية أعلنت: " ستمطر غداً "،
لكنني، رغم ذلك، أقوم بكيّ قميصي..
والآن أشبهُ صورةً مُعلقةً رأساً على عقب
في منزلٍ تسوده الفوضى.
تائهٌ في الحديقة، غارقٌ في تأمل ألوانها،
أتساءل: كم هو مُرٌّ أن يغترب قلبي وسط هذا الصقيع،
هذا ليس جيداً إطلاقاً.
أمضي في طريقي، ومع ذلك لازلتُ واقفاً في مكاني،
تكدست الخطوات في ساقيَّ، ولم يعد هناك دربٌ يمتدّ.
أدركتُ متأخراً أن للوقوف أوجاعاً جمّة،
وأحياناً، يربكني هذا الهدوء الخالي من الألم..
هذه ليست أحجية، صدقني!
أنا لن أهدأ..
أخشى أن أنزلق من فوق صهوة هذا الإهمال، فأهوي
إلى مكانٍ غريب،
مكانٍ يكتظ بالجميع.. إلا أنا.
ظننتُ أنني ميتٌ منذ سنوات! لكنني ما زلت حياً في غربتك،
والمؤلم في الأمر أن "العودة" لا تكفي لتعويض كل هذا السفر،
ولِمَ عليها أن تكفي أصلاً؟
وبينما أنا أمضي، ألملمُ أيامي المكسورة في صفحات التقويم وأقول:
أخشى أن أنتهي، لأن كل نظرة منكِ تسرق جزءاً مني،
وكل جملةٍ تأخذ قطعة، وكل حربٍ منكَ تنهبُ نصفاً..
ومع ذلك، لن أنتهي!
أنا "كثيرٌ" جداً، وهذا هو وصفي.
أدورُ في مستطيلٍ، في قلبِ وعدٍ، في وسطِ مثلثٍ..
في منتصف شارعٍ، حول حفرةٍ، في مركز الوحدة،
حول المقبرة، فوق سطح منزلنا،
وفي ساحة المدرسة..
هذه هي دائرتي.
أنا هادئٌ قليلاً، ومُتعبٌ قليلاً أيضاً لـ (لكنٍ)!
ربما أفسدتُ كل شيء، وربما لا..
لا أدورُ لئلا أضيع في غابةِ لوحةٍ ما، أو في خيالِ سفرٍ،
أو في هروبٍ من حلمٍ.. ضائعٍ.. ضائعٍ..
حيثُ لمْ أُكتَشف بعدُ.
أدورُ في فراغات، وأقصُّ الزحام بالمقص،
أرمي نظراتِك، وليكنِ العمرُ هزيلاً..
الطرق كثيرةٌ جداً والمسيرُ قليلٌ..
أنا لا أدورُ حتى تعود وحدتي إلى مكانها!
يجب أن نصبح واحداً في أحدنا، فنحنُ في أحدنا اثنان.. اثنان.
أدورُ.. ولا أفقهُ شيئاً في الوقوف،
وفي الدوران لم أصل إلى شيء!
ما يتركني هو "أنا"، وما لا يبقى لستَ "أنت"!
الآن، أنا واقفٌ فيك، وأركضُ في نفسي،
مستلقٍ في صديقي، وواقفٌ في عيونِ الآخرين، وأمضي نحوهم..
كلهم مغلقون، فأعودُ، لكن لا طريق لي،
أريد أن أقف، لكن لا مكان لي!
لقد غدوتُ كتمثالٍ؛ لا الوقوفُ يعلمني شيئاً،
ولا أنسى الرحيل ..
أيُّ نوعٍ أنا؟ لستُ أدري.
شعر: گولاله عثمان،
ترجمة: مكرم رشيد الطالباني

