خمسة وعشرون عاما على كتاب «الغضب والكبرياء»
خمسة وعشرون عاما على كتاب «الغضب والكبرياء» حين صارت العنصرية دفاعا عن الحضارة
قراءة في كتاب "الصحفية العنصرية" أوريانا فالاتشي"
Fallaci, Oriana. (2002). The rage and the pride. Rizzoli International Publications.
فالاتشي، أوريانا .(2002). الغضب والكبرياء. ريزولي إنترناشيونال للنشر.
من السهل، بعد نحو ربع قرن، أن يُقرأ كتاب أوريانا فالاتشي " الغضب والكبرياء" بوصفه واحدا من أكثر النصوص تعبيرا عن الصدمة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر. لكن اختزاله في انفعال شخصي لكاتبة شاهدت برجي التجارة العالميين يحترقان لا يفسر أثره الحقيقي. فالكتاب لم يكن مجرد صرخة غضب، بل ساهم في نقل خطاب شديد القسوة عن الإسلام والمسلمين والمهاجرين من الهامش إلى قلب المجال الثقافي والإعلامي الأوروبي. ظهرت مادته أولا في مقال طويل نشرته Corriere della Sera في 29 سبتمبر/أيلول 2001، ثم وسعته فالاتشي وصدر كتابا في ديسمبر من العام نفسه، قبل أن تظهر نسخته الإنجليزية عام 2002. وقد حقق نجاحا استثنائيا، فتجاوزت مبيعاته المليون نسخة في إيطاليا، وانتشر في بلدان عدة. وهو ما جعل أهميته التاريخية أكبر بكثير من قيمته الفكرية المحدودة.
المشكلة المركزية في الكتاب ليست نقد الإسلام أو التطرف الديني؛ فهذا نقد مشروع في ذاته. المشكلة هي الطريقة التي ينتقل بها النص من الفاعل المحدد إلى الجماعة الكلية. من القاعدة إلى الإسلام، ومن الإرهابي إلى المسلم، ومن بعض المهاجرين إلى الهجرة بوصفها ظاهرة واحدة، ومن حوادث جزئية إلى حكم على حضارة تمتد قرونا. وهنا يصبح الإسلام في خطاب فالاتشي جوهرا ثابتا لا يتغير بالتاريخ ولا يختلف باختلاف المجتمعات. المسلم في القاهرة أو جاكرتا أو داكار أو باريس يتحول إلى نموذج واحد تحكمه ماهية واحدة. وبهذا يغيب التاريخ والسياسة والطبقة والمذهب والتنوع الداخلي، ويحل محلها تصور حضاري مغلق.
تتضح هذه الآلية أكثر في حديثها عن الهجرة والخصوبة. فالمهاجر المسلم لا يظهر لديها بوصفه فردا له قصة وظروف اجتماعية وقانونية، بل يتحول إلى جزء من عملية غزو. حتى الأطفال والولادة يدخلون في هذا الخيال. فالخصوبة تصبح سلاحا، والهجرة احتلالا بطيئا، والمهاجر حاملا لمشروع حضاري يهدف إلى إحلال جماعة محل أخرى. وقد أصبحت هذه الأفكار لاحقا من عناصر سردية "أورابيا" (Eurabia)، التي تصور الهجرة والخصوبة المسلمة بوصفهما طريقا إلى أسلمة أوروبا وإزاحة هويتها الثقافية. أوروبا ضعيفة، المسلمون يتكاثرون، والهجرة ليست حركة بشرية مركبة بل عملية إحلال منظمة. لا تحتاج العنصرية هنا إلى حديث صريح عن الدم أو الجينات، لأن الثقافة نفسها تُعرقَن؛ أي تتحول الهوية الدينية إلى جوهر شبه موروث لا يترك لصاحبه مجالا حقيقيا للاختلاف.
وهنا تظهر مفارقة لافتة في سيرة فالاتشي نفسها. فهي لم تنحدر من تقاليد فاشية، بل افتخرت بتاريخ عائلتها في مقاومة موسوليني، واستحضرت باستمرار صورة المقاومين للفاشية والنازية. لذلك سيكون تبسيطا أن توصف ببساطة بأنها "فاشية". الأكثر دقة هو القول إن خطابها، رغم عدائه الصريح للفاشية، يعيد إنتاج بعض بنياتها التخيلية. جماعة مهددة، عدو داخلي وخارجي، نخب متخاذلة، حدود ينبغي الدفاع عنها، ديموجرافيا تتحول إلى ساحة حرب، ومجتمع يُعاد تصوره باعتباره جبهة. فالمشكلة ليست في انتماء حزبي إلى الفاشية، بل في تشابه بنية الخيال السياسي الذي ينتج "نحن" نقية في مواجهة "هم" موحدين وخطرين.
ومن هذه الزاوية يمكن وصف الكتاب بأنه شكل فقير معرفيا من الاستشراق. فالشرق عند فالاتشي ليس موضوعا للفهم بقدر ما هو موضوع جاهز للغضب. وهي تقارن عادة بين أفضل ما في الغرب وأسوأ ما في الإسلام. الغرب هو ليوناردو وشكسبير وفلورنسا والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما الإسلام هو طالبان وكابول والبرقع والتطرف. لكن هذه مقارنة غير عادلة من أساسها. لأن الغرب التاريخي يشمل أيضا الاستعمار والفاشية والنازية والعبودية والحروب الدينية. كما أن التاريخ الإسلامي يضم فلسفات وعلوما ومذاهب ودولا وصراعات وتحولات اجتماعية متعددة. الخطأ إذن ليس في نقد مجتمعات إسلامية، بل في اختيار وحدات مقارنة مصممة مسبقا لإثبات التفوق.
وتظهر المشكلة نفسها في حديثها عن المرأة. فالاتشي ليست مخطئة حين تنتقد الحجاب القسري أو الزواج المفروض أو التشريعات التمييزية أو بعض أنماط العنف ضد النساء في مجتمعات إسلامية. لكن معاناة المرأة تتحول لديها من قضية تحرير إلى برهان على دونية حضارة بأكملها. المرأة المسلمة لا تظهر كفاعلة قادرة على الاختلاف أو التمرد أو إعادة تفسير دينها ومجتمعها، بل كضحية ثابتة يحتاج الغرب إلى إنقاذها. وهكذا تتحول حقوق النساء من مبدأ عام إلى أداة لإثبات التفوق الحضاري. ويصبح النقد انتقائيا عندما يهتم بحقوق المرأة المسلمة ما دامت ضحية للإسلام، لكنه لا يمنح الاهتمام نفسه لحقوقها بوصفها مهاجرة أو مواطنة أو فردا كامل الحقوق داخل المجتمع الأوروبي.
وقد ساعد الجدل حول الكتاب في تضخيم حضوره. فالمقال الأول أثار موجة هائلة من الرسائل والنقاش، ثم أصبح الكتاب نفسه حدثا إعلاميا. أدانه صحفيون وكتاب ومنظمات مناهضة للعنصرية، لكن هذا لم يمنع نجاحه، بل ربما زاده. وهنا ظهرت إحدى آليات الخطاب الشعبوي أي بناء صورة "الحقيقة الممنوعة" التي لا يجرؤ أحد على قولها. وبهذه الطريقة يتحول الاعتراض نفسه إلى دليل على صحة الخطاب. فإذا اعترض الأكاديميون فهم جبناء، وإذا اعترض اليسار فهو أسير الصواب السياسي، وإذا احتج المسلمون قيل إنهم لا يحتملون النقد. يصبح الخطاب بذلك شبه محصن ضد التفنيد، لأن كل اعتراض عليه يُعاد تفسيره لمصلحته. وحتى الجدل القضائي في فرنسا لا يمكن استخدامه بوصفه شهادة براءة فكرية؛ فرفض المنع لا يعني أن محتوى الكتاب صحيح. كما أن الدفاع عن حرية نشره لا يمنع وصفه بأنه عنصري أو ضعيف معرفيا.
ولا يكفي أيضا تبرير الكتاب بأنه كُتب تحت تأثير صدمة 11 سبتمبر. فالصدمة قد تفسر النبرة، لكنها لا تبرر البناء النظري. فالاتشي نفسها تعاملت مع كتابها بوصفه تحذيرا سياسيا وأخلاقيا، لا انفجارا عاطفيا عابرا. ومن ثم يحق نقده وفقا لهذا الادعاء. والمشكلة أن الثقة الهائلة في أحكامه لا تقابلها أدوات إثبات مماثلة. فالكتاب يعتمد على أخبار وذكريات ومشاهد تلفزيونية وحكايات وتجارب جزئية، ثم يبني عليها حكما يمتد من القرن السابع إلى القرن الحادي والعشرين، ومن غرب أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. إنه تراكم للشواهد المنتقاة أكثر منه تحليلا مقارنا للحضارات.
مع ذلك، سيكون من الخطأ الرد على فالاتشي بإنكار كل ما رأت. فقد كان الإرهاب الجهادي خطرا حقيقيا. ووجدت بالفعل تيارات إسلامية معادية للديمقراطية والمساواة. كما واجهت أوروبا مشكلات اندماج وتطرف وانغلاق داخل بعض الجماعات. وأخطأ بعض اليسار الأوروبي أحيانا حين تعامل مع الجماعات المحافظة دينيا بوصفها ضحايا فقط، فحوّل الخوف من العنصرية إلى تردد في نقد أفكار رجعية. لكن صحة بعض الوقائع لا تجعل تفسير فالاتشي صحيحا. وجود الجهادية لا يعني أن الإسلام جهادي بطبيعته. ووجود مشكلات اندماج لا يجعل المهاجرين جيش احتلال. واضطهاد المرأة لا يثبت وجود حضارة واحدة ثابتة. المغالطة هي تحويل الوقائع الجزئية إلى ماهية كلية.
بعد خمسة وعشرين عاما، تبدو القيمة التاريخية للكتاب أوضح من قيمته الفكرية. فقد ساعد في جعل لغة كانت تُعد متطرفة أكثر قبولا في المجال العام؛ أوروبا المهددة، النخبة الخائنة، الغزو الديموجرافي، المهاجر غير القابل للاندماج، والإسلام بوصفه منظومة واحدة غير قابلة للإصلاح. لم تخترع فالاتشي هذه الأفكار، لكنها أسهمت في نقلها من الهامش إلى فضاء ثقافي وإعلامي واسع. ومهدت لخطاب سيصبح لاحقا جزءا مألوفا من خطاب قطاعات من اليمين الأوروبي الجديد. والخطورة هنا أن الإقصاء لم يعد يقدم نفسه بوصفه عداء للحرية، بل بوصفه دفاعا عنها.
لهذا يمكن القول إن الغضب والكبرياء كتاب قوي بلاغيا وفقير معرفيا. قوته في الصوت والإيقاع والقدرة على صناعة العدو. وضعفه في غياب الحس التاريخي الذي يسمح بفهم المجتمعات في تغيرها وتنوعها. والمفارقة أن فالاتشي تستدعي التاريخ باستمرار، لكنها تحرم الإسلام نفسه من التاريخ. الغرب قادر على التغير من الحروب الدينية إلى التنوير، ومن الفاشية إلى الديمقراطية. بينما يبقى المسلم عندها أسير صورة واحدة ثابتة. وربما لهذا لا ينبغي نسيان الكتاب، بل قراءته بوصفه مثالا على كيفية تحول خوف مشروع من الإرهاب إلى كراهية جماعية. وكيف يمكن للخبرة الصحفية أن تتحول إلى يقين حضاري حين تتخلى عن قواعد التحقق.
المشكلة الأساسية في الكتاب ليست أنه قاسٍ في نقد الإسلام. فالأديان والأيديولوجيات كلها قابلة للنقد. المشكلة أنه ينتقل من نقد الأفكار إلى تصنيف البشر. ومن مواجهة الأصولية إلى الاشتباه في المسلم نفسه. ومن الدفاع عن الحرية إلى ترتيب البشر في سلم حضاري. وبعد ربع قرن، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما الذي يفعله التطرف الإسلامي بالغرب، بل ما الذي يفعله الخوف من الإسلام بالغرب نفسه. فالمجتمع الذي يدافع عن الحرية والمساواة لا تُختبر قيمه حين يتعامل مع من يشبهه، بل حين يواجه من يختلف عنه. وإذا تحول المهاجر إلى غازٍ، والطفل إلى امتداد للغزو، والمجتمع المسلم كله إلى كتلة واحدة مشتبه بها، فإن الخطر على القيم الليبرالية لا يأتي من الخارج وحده؛ بل يبدأ أيضا من اللغة التي تُستخدم باسم الدفاع عنها.
