الثلاثاء ٢٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

الانسلاخ الطبقي واللف والدوران النظري

الانسلاخ الطبقي واللف والدوران النظري: مأزق المثقف في قراءة الطبقة الوسطى

تكشف المقارنة بين كتابات أحمد زايد عن الطبقة الوسطى في عامي 2024 و2026 عن مشكلة تتجاوز الخلاف حول تعريف هذه الطبقة، وتتجاوز الحديث أيضا عن طبيعة أزمتها. المشكلة تتعلق بموقع الكاتب نفسه، وبالمسافة التي تفصله عن العالم الذي يكتب عنه، ثم بما يحدث حين تعوض هذه المسافة بكثرة المفاهيم والتأملات. من هنا تصبح هذه النوعية من الكتابات نموذجا لمأزق أوسع في الكتابة الاجتماعية. وهو مأزق المثقف الذي يتحرك اجتماعيا ومؤسسيا إلى موقع جديد، لكنه يواصل الحديث عن عالمه السابق كما لو كان لا يزال يعيش داخله. هنا يمكن الحديث عن انسلاخ طبقي معرفي، ليس بمعنى إنكار الأصل الاجتماعي، بل بمعنى تغير زاوية الرؤية مع استمرار لغة الانتماء القديم.

في مقالات 2024 يظل ضمير نحن حاضرا بقوة. الكاتب يضع نفسه داخل الطبقة الوسطى، يحاول تعريفها، يرسم حدودها، ويتحدث عن ثقافتها وحراكها. لكن المشكلة تبدأ من التعريف ذاته، فهو يتسع ليجمع الموظفين والمهنيين وأصحاب المشروعات الصغيرة، ثم يضم التجار والمنتجين. وبعد ذلك يصل إلى كبار التجار وكبار المنتجين وملاك الثروات. بل يحتفظ داخل الطبقة بمن تجاوزوها اقتصاديا، والحجة أنهم غادروها ماديا ولم يغادروها ثقافيا.

هنا يبدأ الاضطراب. إذا كان الصعود الاقتصادي الكبير لا يغير الموقع الطبقي، فما القيمة التفسيرية للمفهوم؟ وإذا اجتمع الموظف الذي تتآكل قدرته الشرائية مع صاحب الثروة الكبيرة تحت الاسم نفسه، فكيف يمكن التعامل معهما باعتبارهما جزءا من واقع اجتماعي واحد؟ هذا الاتساع يسمح بأخذ ممارسات الشرائح العليا ثم توزيعها على الجميع. تصبح العقارات والنفوذ والعلاقات والمناصب والوجاهة علامات على الطبقة الوسطى كلها. بينما قد تكون في الحقيقة ممارسات لفئات محددة داخلها أو فوقها.

هنا يفيد بورديو. فهو لا يختزل الموقع الاجتماعي في الدخل، لكنه لا يحوله أيضا إلى هوية ثقافية خالدة. الموقع تحدده رؤوس الأموال الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والرمزية. ويتغير مع تغير الحقول التي يتحرك فيها الفرد. من يصعد إلى مواقع أعلى في السلطة والمكانة والمؤسسات لا يبقى في موقعه القديم لمجرد احتفاظه بذكريات عنه. وحتى الهابيتوس لا يبقى ثابتا، فهو يتكيف مع الخبرات الجديدة. ولهذا فإن الانسلاخ الطبقي لا يعني نسيان الماضي. بل يعني أن الماضي قد يبقى في الذاكرة بينما تتغير شروط الحاضر، ومعها تتغير طريقة رؤية المجتمع.

المشكلة ليست في الحراك الاجتماعي نفسه، فالحراك ليس تهمة. المشكلة في عدم إدخاله ضمن شروط إنتاج المعرفة. قد يستمر المثقف في استخدام كلمة نحن، بينما تكون دوائر حياته قد تغيرت، وكذلك علاقاته ومصادر خبرته ومستوى الأمان الذي يعيشه. عندئذ تصبح بعض الصور أكثر حضورا أمامه، مثل الاستهلاك الاستعراضي، العقارات، المجتمعات المغلقة، النوادي، المطاعم مرتفعة الكلفة، شبكات النفوذ، الألقاب، التكريمات، والمباهاة الاجتماعية.

هذه ظواهر موجودة، لكنها لا تمثل وحدها واقع الطبقة الوسطى. فهناك ملايين الموظفين والمدرسين والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وأصحاب الأعمال الصغيرة. هؤلاء يعيشون واقعا آخر، يتمثل في تراجع القوة الشرائية، ارتفاع تكاليف السكن، ضغوط التعليم والعلاج، الخوف من فقدان المكانة، والمحاولة المستمرة لتجنب الهبوط الاجتماعي. لكن هذا العالم يبدو أقل حضورا في الكتابة من عالم الشرائح الأكثر ظهورا.

وهنا تصبح المقارنة مع 2026 أكثر دلالة. في 2024 كان التركيز على التراكم والطموح والنفوذ والحراك. أما في 2026 فتزداد لغة الأزمة، ويبرز الحديث عن التفكك، التباعد الاجتماعي، الاستهلاك الفاخر، المجتمعات المسورة، الاستعلاء الاجتماعي، والاستعراض عبر وسائل التواصل. يبدو التحليل أكثر تعقيدا، لكنه يظل محكوما بالمشكلة نفسها، وهي تحويل مظاهر تخص فئات محددة إلى علامات على أزمة مجتمع أوسع. كلما ارتفعت وتيرة الحديث عن أزمة الطبقة الوسطى، تراجع حضور بعض المؤشرات الأكثر صلة بهذه الأزمة، مثل الأجور الحقيقية، الديون، المدخرات، تكلفة التعليم، تكلفة الصحة، السكن، فرص العمل، العمل الإضافي، والحراك بين الأجيال. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل هي من صلب أي تحليل جاد لموقع اجتماعي يتعرض للضغط.

هنا تساعدنا سوسيولوجيا المعرفة عند كارل مانهايم. فالموقع الاجتماعي لا يجعل صاحبه مخطئا بالضرورة، لكنه يؤثر في مجال رؤيته. بعض الوقائع تصبح قريبة جدا، وبعضها يبتعد. لذلك لا يكفي أن نسأل هل يوجد الاستهلاك الاستعراضي، أو هل توجد المجتمعات المغلقة، أو هل توجد المباهاة الاجتماعية. هذه أمور موجودة، لكن السؤال هو لماذا تصبح هذه الظواهر مدخلا رئيسيا لفهم أزمة ملايين البشر. ولماذا تبدو علامات الثراء أكثر وضوحا من عمليات الإفقار. ولماذا يظهر السلوك أكثر من الشروط التي تنتجه.

لكن المأزق الأكبر يظهر في اللف والدوران النظري. وهذه ليست مجرد مشكلة أسلوبية، بل مشكلة في طريقة إنتاج التفسير. فالكتابة لا تعاني نقصا في المفاهيم، بل ربما تعاني من كثرتها. مرة تكون المشكلة اقتصادية، ثم تصبح ثقافية، ثم أخلاقية، ثم تاريخية، ثم تظهر العولمة، ثم الليبرالية، ثم تعود المسؤولية إلى الأفراد. وبعد ذلك تظهر الهوية، ثم التماسك، ثم وسائل التواصل. كل هذه العوامل قد تكون مهمة، لكن جمعها لا يصنع نظرية. النظرية تحتاج إلى علاقة واضحة بين عناصرها. وتحتاج إلى تحديد السبب والنتيجة. وما الذي يتوسط بينهما. وما الذي يمكن اختباره. أما الانتقال من تفسير إلى آخر كلما تعثر التفسير السابق، فهذا يمنح النص مرونة كبيرة، لكنه لا يمنحه بالضرورة قوة تفسيرية.

يتضح ذلك في استخدام مفهوم التراكم البدائي في 2024. المفهوم له دلالة تاريخية محددة، لكنه يتحول هنا إلى وصف واسع لاقتناء العقارات، السعي إلى المناصب، بناء العلاقات، والبحث عن النفوذ. بهذا الاتساع يفقد المفهوم حدوده، ويصبح صالحا لوصف كل رغبة تقريبا في الصعود الاجتماعي. عندها لا يضيء المفهوم الواقع، بل يعاد تشكيل الواقع لكي يناسب المفهوم. وهنا يظهر اللف والدوران بوضوح. يبدأ الكاتب بمفهوم كبير، ثم يبحث له عن شواهد في الحياة اليومية. وبعد ذلك تستخدم هذه الشواهد لإثبات صحة المفهوم نفسه. النتيجة تكون موجودة داخل المقدمة، ويصبح التحليل دائريا. لا يختبر الفرضية، بل يعيد إنتاجها.

في 2026 يحدث تطور نسبي. يظهر اعتراف أكبر بأن الأزمة ليست أخلاقية فقط، بل لها أبعاد بنائية وتاريخية وثقافية، وتدخل الدولة والسوق وتفاوت الدخول وأساليب الحياة في الصورة. لكن المشكلة القديمة لا تختفي. بعد استدعاء البنية تعود المسؤولية إلى الأفراد. وبعد استدعاء التاريخ نعود إلى الاختيارات الشخصية. وبعد الحديث عن الاقتصاد تظهر الأخلاق من جديد. هنا لا تتكامل مستويات التحليل، بل تتبادل الأدوار. حين تضيق الحجة بالبنية يستدعى الفاعل. وحين يصبح لوم الفاعل غير كاف يستدعى التاريخ. وحين يبدو التاريخ بعيدا تستدعى الثقافة. وهكذا تظل الحجة في حركة دائمة، لكنها لا تصل دائما إلى تفسير يمكن ضبطه أو اختباره.

لهذا يفيد جيدنز وبورديو. العلاقة بين الفاعل والبنية لا تحل بالتنقل بينهما، بل بفهم الطريقة التي تنتج بها البنى الممارسات. والطريقة التي يعيد بها الأفراد إنتاج هذه البنى أو تغييرها. أما تحميل الظروف المسؤولية مرة، وتحميل الأفراد المسؤولية مرة أخرى، من دون شرح الآليات التي تربط الطرفين، فهذا يخلق حركة نظرية أكثر مما يخلق تفسيرا. ومن هنا يصبح اللف والدوران النظري خطرا معرفيا. وليس مجرد ضعف في الأسلوب. فهو يمنح القارئ شعورا بأنه فهم الواقع، بينما قد يكون الواقع قد ازداد غموضا. كثرة المصطلحات تصنع مظهر العمق، لكنها قد تخفي ضعف البرهان. وقد تخفي أيضا غياب البيانات، وتسمح بالانتقال السريع من ملاحظة صغيرة إلى استنتاج كبير. بهذا المعنى يمكن لبعض الكتابات الفكرية أن تضلل الواقع أكثر مما تفسره. ليس لأنها تختلق الوقائع، وليس لأن هناك نية للتضليل، بل لأنها تنتقي بعض الوقائع، ثم تمنحها وزنا أكبر من حجمها، ثم تربطها بمفاهيم ثقيلة. وفي الوقت نفسه تترك وقائع أخرى في الظل. النتيجة هي واقع تمت تصفيته من خلال موقع المثقف، ثم أعيد تقديمه باعتباره الواقع كله.

هنا تصبح الانعكاسية عند ألفين جولدنر ضرورية. عالم الاجتماع لا يدرس المجتمع فقط، بل يجب أن يضع موقعه هو أيضا موضع السؤال. موقعه المؤسسي، شبكاته، علاقاته، درجة قربه من دوائر السلطة والمكانة، ومستوى الأمان الذي يتمتع به. هذه ليست أمورا شخصية خارج المعرفة، بل تدخل في تكوين ما يراه وما لا يراه. إذا تغيرت هذه الشروط ولم تدخل في الوعي المنهجي، تتحول المسافة الاجتماعية إلى مسافة معرفية. وهنا يقع جوهر الانسلاخ الطبقي. ليس المقصود أن المثقف خان أصله، فهذا حكم أخلاقي بسيط. المقصود أن موقعه الجديد قد يعيد تشكيل حساسيته الاجتماعية، فيصبح الاستعراض أكثر وضوحا من القلق. وتصبح المكانة أكثر حضورا من الهشاشة. ويصبح الثراء المرئي أكثر حضورا من الانحدار الصامت.

لهذا تكشف المقارنة بين 2024 و2026 عن استمرارية أعمق من الاختلاف الظاهر. في 2024 يجري التعميم من خلال التراكم والحراك والنفوذ، وفي 2026 يجري من خلال الأزمة والتفكك والاستهلاك والتباعد الاجتماعي. تغيرت اللغة، وازدادت الإشارات إلى التاريخ والبنية، لكن بقي الميل إلى تحويل الملاحظة الجزئية إلى حكم كلي. وبقيت النظرية تتحرك بحرية أكبر مما يسمح به البرهان. المشكلة إذن ليست في غياب النظرية، بل ربما فرط النظرية مع ضعف الاختبار. وعندما تنفصل المفاهيم عن البيانات والمقارنة والقياس، يمكن أن تتحول من أدوات للكشف إلى أدوات للحجب. يخرج القارئ محملا بمفاهيم كثيرة، مثل البنية، الهوية، الهابيتوس، التفكك، التراكم، والحراك. لكنه لا يعرف بدقة من صعد ومن هبط. وكيف تغير الدخل الحقيقي. وما الذي حدث للتعليم والعمل والسكن. وما وزن الدولة والسوق في كل ذلك.

لهذا يجب أن يسبق أي حديث جديد عن أزمة الطبقة الوسطى عدد من الأسئلة البسيطة. أي واقع نتحدث عنه؟ ومن أي موقع نراه؟ وما الأدلة التي تجعل ما نراه ممثلا له؟ من دون هذه الأسئلة يتحول الانسلاخ الطبقي إلى عمى جزئي. كما يتحول اللف والدوران النظري إلى وسيلة لاستمرار هذا العمى. وعندها لا تكون المشكلة فقط أن المثقف ابتعد عن الواقع، بل إن اللغة النظرية نفسها قد تساعده على إخفاء مقدار هذا الابتعاد. فيبدو النص أكثر عمقا، بينما يصبح الواقع داخله أقل وضوحا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى