حِواري مع المترجمة الإيرانيَّة معصومة التّميميّ
معصومة التَّميميّ: " ترجمة الأدب الفلسطيني إلى الفارسية يمكن أن يجد صدى لدى القراء"
بين ضفَّتي لغتَين، تسافر الحكاية، وتتنقل الرّواية، وتجد القصيدة مستقرًّا جديدًا يمنحها حياة أخرى. التّرجمة ليست مجرّد نقل للمفردات، بل هي هجرة واعية للرّوح، والثّقافة، والتّاريخ؛ ولا يقود هذه الهجرة إلّا من امتلك "الفكر التّرجميّ" بوصفه شغفًا، وانفتاحًا إنسانيًّا.
ضيفة حوارنا اليوم هي المترجمة والباحثة والنّاشرة الأهوازية معصومة التّميميّ، مديرة دار "أريام للنّشر والتّرجمة" في طهران والأهواز، والّتي نذرت قلمها، وفكرها ليكون جسرًا متينًا يربط بين ضفّتَي الأدبَين العربيّ، والفارسيّ.
• بين العربيَّة والفارسيّة، تنقّلتِ في ترجماتك بين لغتين تجمعهما روابط تاريخيّة، وثقافيّة عميقة. كيف ترَين دور المترجم اليوم في تقريب المسافات الثّقافيّة بين العالم العربيّ وإيران؟
أرى أن المترجم سفيرٌ للوعي والسلام؛ فعندما أبحر في اللغة العربية وأنقل نصوصها إلى الفارسية، لا أكتفي بعبور الكلمات من لغة إلى أخرى، بل أحاول أن أشقّ عبرها دروباً للتواصل، وأن أقرّب المسافات الثقافية بين الشعبين. فمن خلال ترجمة الأدب العربي إلى الفارسية، يمكن الإسهام في تصحيح الصور النمطية السائدة عن العرب في المجتمع الإيراني، وتقديم صورة أكثر عمقاً وإنصافاً عن ثقافتهم وتجاربهم الإنسانية. وفي الاتجاه الآخر، حين أترجم الأدب الفارسي إلى العربية، أفتح للقارئ العربي نافذة يطلّ منها على إيران من زاوية مختلفة، بعيداً عن الصورة التي قد ترسمها وسائل الإعلام؛ صورة تتشكل من خلال رؤية الكاتب المستقلة، ومن تفاصيل الحياة والإنسان والمجتمع، بكل ما تحمله من تنوع وتعقيد. أعتقد أن الترجمة، في الاتجاهين، لا تقرّب الأفكار والقلوب فحسب، بل تساعد أيضاً على بناء أحكام أكثر توازناً وإنصافاً تجاه الآخر؛ فكلما عرفنا الآخر من خلال أدبه وثقافته، تحررنا أكثر من الأحكام المسبقة، وأصبحت جسور التفاهم بيننا أكثر رسوخاً.
• ترجمتِ روايتَي "امرأة الظّلّ"، و"الحالم ببغداد"؛ الأدب العراقيّ يحمل خصوصيّة بيئيّة وتاريخيّة، وسياسيّة، كيف تعاملتِ مع المصطلحات والرّوح العراقيّة عند نقلها إلى القارئ الإيرانيّ عبر دار (آواي بيصدا)؟
الروح العراقية ليست غريبة عني، بل هي قريبة جداً من تكويني الثقافي والوجداني. فمدينتي الأهواز تقع في جنوب غربي إيران، بالقرب من الحدود العراقية، ونحن، عرب الأهواز، نشترك مع أشقائنا العراقيين في اللغة الأم، فضلاً عن كثير من الروابط الثقافية والاجتماعية. وقد نشأنا على متابعة القنوات العراقية، وتأثرنا ببرامجها ولهجاتها وثقافتها، ولا سيما أن حضور القنوات الفارسية في محيطنا الإعلامي كان هو الغالب.
كل ذلك جعل البيئة العراقية، بتفاصيلها الاجتماعية والتاريخية والسياسية، مألوفة لديّ إلى حد بعيد، وساعدني على التفاعل مع عوالم الروايتين وفهم ما وراء مفرداتهما وإشاراتهما الثقافية. لذلك لم تكن المسافة بيني وبين النص العراقي كبيرة، وهو ما سهّل عليّ نقل روحه إلى الفارسية، لا الاكتفاء بنقل كلماته ومصطلحاته. ومع ذلك، كنت حريصة على أن يصل هذا العالم إلى القارئ الإيراني بخصوصيته وملامحه المحلية، من دون أن يفقد نكهته العراقية أو يذوب في ثقافة اللغة المنقول إليها.
• تترجمين الرّواية، والشّعر، والمسرح (محاضرة ومسرحيّتان لعوض الزيدي)، والكتب الفكريّة.
أيّ من هذه الأجناس الأدبيّة تجدين أنّ الفارسيّة تستوعبه بسلاسة أكبر؟
لا أعتقد أن هناك جنساً أدبياً يستوعبه الفارسية بسلاسة أكبر من غيره؛ فلكل جنس أدبي خصوصيته، ولكل نص لغته وإيقاعه ومتطلباته. أما تنوّع اختياراتي بين الرواية والشعر والمسرح والكتب الفكرية، فيعود إلى طبيعة الطلبات والمشروعات التي تُعرض عليّ؛ فهناك من يبحث عن رواية، وآخر يهتم بالمسرح، وثالث يجد في الشعر ما يستحق نقله إلى القارئ الفارسي. ولعلّ من التجارب التي أسعدتني في هذا السياق ما حدث بعد إعلاني عن ترجمة مسرحية لعوض الزيدي؛ إذ تواصل معي مخرج مسرحي من طهران وطلب نسخة من الترجمة ليستلهم منها عملاً مسرحياً ينقل نصوصاً من لغات مختلفة إلى خشبة المسرح. وقد أسعدني ذلك، لأنه جعلني أرى أن الترجمة لا تتوقف عند حدود نقل النص إلى لغة أخرى، بل قد تفتح أمامه آفاقاً إبداعية جديدة، وتمنحه حياة في أشكال فنية مختلفة. وهذا ما أطمح إليه في ترجماتي عموماً.
• "دموع الرجال"، و"أجنحة الأدب"، عنوانان لهما بعد إنسانيّ، وشِعريّ عميق. ما هو المعيار الذي تعتمدينه في اختيار الكتب الّتي تترجمينها؟ هل هو ذوقك الشّخصيّ أم حاجة السّوق الثّقافيّ الإيرانيّ؟
أنا، بوصفِي قارئةً شغوفةً بالأدب ومنفتحةً على مختلف الأفكار والتجارب الإنسانية، لا أحصر قراءاتي ولا اختياراتي الترجمية في كاتب واحد أو بلد بعينه. أحب أن أقرأ لكتّاب من خلفيات ثقافية وتجارب أدبية متنوعة، وينعكس هذا التنوع على اختياراتي في الترجمة؛ فلا أتبع مشروعاً يقوم على ترجمة أعمال كاتب واحد كاملة، بقدر ما أبحث عن كتب أرى أنها تستحق أن تتجاوز حدود لغتها وثقافتها لتصل إلى قرّاء آخرين.
ومن هذا المنطلق، أعتقد أن كل كتاب ترجمته كان يستحق أن يُقرأ بلغة أخرى. فكتاب «دموع الرجال» للكاتب العُماني مبارك ناصر، مثلاً، يحمل هوية عُمانية واضحة، ويتيح للقارئ التعرّف على ملامح من البيئة والتجربة العُمانية، فيما يأتي كتاب «أجنحة الأدب» للكاتب السعودي عبدالله البطّيان ليسلّط الضوء على أقلام أدبية من منطقة الأحساء، ويعرّف القارئ الفارسي بتجارب وأصوات أدبية سعودية قد لا تكون معروفة له. أما ذوقي الشخصي وحاجة السوق الثقافية، فلا أراهما بالضرورة متعارضين؛ لكن نقطة البداية بالنسبة إليّ هي اقتناعي بقيمة الكتاب، وبأن لديه ما يضيفه إلى ثقافة أخرى. فليس المهم أن يكون الكتاب رائجاً فحسب، بل أن يكون جديراً بأن يجد طريقه إلى قارئ جديد.
– جلال الدّين الرّوميّ في كتابه" مرايا المثنويّ" يمثّل قمّة التّصوّف، والفلسفة الشّعريّة الفارسيّة.
كيف استطعتِ تفكيك الرّموز الصّوفية في كتابه، وإعادة صياغتها بالليونة، والعمق اللذين تقتضيهما اللغة العربيّة؟
الفارسية هي لغة تعليمنا وثقافتنا، فقد درسنا الأدب الفارسي في المدارس والجامعات، وتعرّفنا منذ سنوات الدراسة على عوالم التصوف ورموزه من خلال دواوين كبار الشعراء، أمثال حافظ الشيرازي وسعدي وجلال الدين الرومي، فضلاً عن القصص والحكايات الصوفية التي تشكّل جزءاً حاضراً في ذاكرتنا الثقافية والأدبية.
لذلك لم تكن الرموز الصوفية في «مرايا المثنوي» غريبة عني، بل كنت أتعامل معها انطلاقاً من رصيد معرفي وأدبي سابق. أما في نقلها إلى العربية، فقد اعتمدت على تخصصي الأكاديمي في الترجمة وخبرتي الأدبية، محاوِلةً ألا أكتفي بنقل دلالاتها الظاهرة، بل أنقل أيضاً أبعادها الرمزية والروحية، وأعيد صياغتها بما ينسجم مع طبيعة اللغة العربية وخصوصيتها التعبيرية، حتى تصل إلى القارئ العربي محتفظة بعمقها وجمالها، من دون أن تفقد روحها الصوفية.
الشّعر الفارسيّ ممتلئ بالاستعارات، والمجازات الخاصّة.
ما هي "الخسارة الإبداعيّة" الّتي يحاول المترجم تقليلها قدْر الإمكان عند نقل قصيدة فارسيّة إلى لغة الضّاد؟
أعتقد أن أكبر خسارة إبداعية قد يتعرض لها النص الشعري هي أن يفقد روحه في أثناء انتقاله من لغة إلى أخرى؛ فالحرفية قد تنقل المعنى الظاهر، لكنها كثيراً ما تُفقد القصيدة موسيقاها وصورها وطاقتها الإيحائية، في حين أن المبالغة في التصرف قد تُبعدها عن عالم الشاعر ورؤيته الخاصة. لذلك أحاول، بوصفـي مترجمة، أن أجد توازناً دقيقاً بين الأمانة للنص والحرية الإبداعية في إعادة صياغته؛ فلا أكتفي بنقل الكلمات والاستعارات، بل أسعى إلى إعادة خلقها في اللغة العربية، مع الحفاظ على روح الشاعر وعالمه التصويري وموسيقاه الشعرية الخاصة.
بالنسبة إليّ، ينبغي أن تبدو القصيدة المترجمة نصاً عربياً طبيعياً ومستقلاً، إلى حدّ يجعل قارئها يشعر بأنها كُتبت بالعربية منذ البداية، من دون أن تفقد هويتها الأصلية أو تنفصل عن تجربة الشاعر. وهذا، في نظري، هو جوهر الترجمة الشعرية: أن نكون أوفياء للنص، من دون أن نكون أسرى حروفه.
• الانتقال من الفارسيّة إلى اللهجة الخليجيّة المحكيّة بدلاً من الفصحى في السّيناريو يعدّ خطوة لافتة، وجريئة.
ما الّذي دفعك لاختيار اللهجة الخليجيّة تحديدًا؟
اختياري للهجة الخليجية جاء استجابةً لحاجة متزايدة لدى الإيرانيين إلى تعلّم اللهجات العربية، ولا سيما أولئك الذين يتوجهون إلى دول الخليج للعمل، حيث تشكّل اللهجة المحكية وسيلة أساسية للتواصل في الحياة اليومية وبيئات العمل، بخلاف الفصحى التي يقلّ استخدامها في هذه السياقات.
كما أن هناك اهتماماً من الممثلين والمخرجين الإيرانيين بالتواصل مع نظرائهم الخليجيين ومشاركة أعمالهم معهم. ومن هذا المنطلق، تواصلت معي المخرجة الإيرانية السيدة هستي محمايي، وطلبت مني ترجمة سيناريو إلى اللهجة الخليجية، وقد أنجزت العمل.
_ كتاب "تعليم اللهجة الخليجيّة لغير النّاطقين بالعربيّة"، الصّادر بالتّعاون مع دار (دولة علم)، يمثّل نقلة من الأدب إلى الجانب الأكاديميّ والتّعليميّ. ما الّذي دفعكِ لتوثيق اللهجة المحكيّة (الخليجية) في كتاب تعليميّ، وكيف ترَين الإقبال الأوروبيّ أو الأجنبيّ على تعلم اللهجات المحليّة مقارَنةً بالفصحى؟
جاءت فكرة تأليف الكتاب من واقع تجربتي في تدريس اللغة العربية بمعهد إيران للغات؛ إذ واجهت تحدياً يتمثّل في عدم وجود كتاب تعليمي متخصص في اللهجة الخليجية للناطقين بغير العربية. ومن هنا جاءت فكرة إعداد مادة تعليمية تسدّ هذه الفجوة وتساعد المتعلمين على اكتساب اللهجة بصورة منهجية، فعملت على تأليف الكتاب حتى أبصر النور بالتعاون مع دار «دولت علم». وقد لاقى الكتاب إقبالاً واسعاً، حتى نفدت نسخه خلال فترة وجيزة جداً، وهو ما أسعدني وأكد لي أهمية هذه الخطوة والحاجة إلى مثل هذا النوع من المؤلفات.
- إصدار كتابَي "ريم مشداخ"، و"الخضاري" باللغتين العربيّة والفارسيّة خطوة جميلة.
لماذا تمّ اختيار الثّنائيّة اللغويّة (العربيّة-الفارسيّة) لتوجيهها إلى فئة الفتيان؟
وما هي الرّسالة الثّقافية الّتي يحملها هذان الكتابان؟
جاءت فكرة إصدار الكتابين باللغتين العربية والفارسية من خلال تجربتي في توزيع الكتب القصصية العربية على الأطفال في القرى. فقد كنا نهدي الأطفال كتباً باللغة العربية، وكانت بعض الأمهات يطلبن منا توفير كتب بالفارسية أيضاً؛ لأن التعليم في المدارس الإيرانية يتم باللغة الفارسية، ويواجه كثير من الأطفال العرب صعوبات في دراستهم بسبب ذلك.
من هنا أدركت أهمية تقديم كتب تجمع اللغتين، بحيث يستمتع الطفل بالقراءة بلغته الأم، وفي الوقت نفسه يعزز قدرته على القراءة بالفارسية. كما أن الكتابين يعرّفان الأطفال ببيئتهم المحلية، ويعززان اهتمامهم بها وبما يحيط بهم.
- ما هي مشاريعك المستقبليَّة لعمل في التّرجمة يخدم القضيّة الفلسطينيّة، أو قضايا (أدب المقاومة) عمومًا؟
وبرأيك ما مدى تقبُّل القارئ الفارسي لأدب المقاومة اليوم فيما لو تمَّت التّرجمة؟
أعمل حالياً على ترجمة رواية «الأسير» للكاتب محمد دحو، وهي رواية مهداة إلى أسرى فلسطين وغزة، وإلى كل الأصوات المبحوحة التي لا تجد منبراً للتعبير عن معاناتها. وأطمح إلى أن تصل هذه الرواية إلى القارئ الفارسي، وأن تكون هناك أعمال أخرى تسهم في التعريف بالأدب الفلسطيني وأدب المقاومة عموماً.
أما بالنسبة إلى تقبّل القارئ الفارسي لهذا الأدب، فأعتقد أن هناك أرضية ثقافية وأدبية مناسبة لذلك؛ فأدب المقاومة يحتل مكانة خاصة في الأدب الفارسي، وقد برز بصورة واضحة خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وتناول تجارب الحرب والصمود والفقدان والتضحية، سواء في الرواية أو الشعر أو القصة أو أدب المذكرات. لذلك أرى أن ترجمة الأدب الفلسطيني إلى الفارسية يمكن أن تجد صدى لدى القراء، ولا سيما أن التجارب الإنسانية التي يتناولها، من معاناة الإنسان والتمسك بالأرض والذاكرة والكرامة، قادرة على الوصول إلى القارئ بعيداً عن اختلاف اللغة والجغرافيا.
