حواري مع الطّبيب الكاتب اللبنانيّ أشرف المسمار
أشرف المسمار: " كثيرًا ما تطغى شخصية الطبيب، وكثيرًا ما تعرَّضتُ للنقد في هذا المجال".
لمحة تعريفيّة بضيفنا:
(أشرف المسمار)، هو طبيب جرّاح عظام ومفاصل وروائيّ لبنانيّ، يمثّل نموذجًا فريدًا للكاتب الّذي ينجح في المزج بين صرامة المعرفة العلميّة واتّساع الخيال الأدبيّ.
_ ككاتبٍ من بلدٍ تعرّضَ، ويتعرّضُ دومًا لأبشع هجمات الاحتلال، وعاشَ ألمَ زعزعةِ الأمنِ، كيف عبّرَ قلمُك عمّا يجري في لبنان، وفلسطين، وبرأيك كيف للكلمة أن تقاوم الرّصاص؟
لا شك أنّ الكلمة أحد أهم مقومات المقاومة، لأنه للأسف في عصر الإعلام المنحاز الذي يصنع الحدث، ولا ينقله نقلا موضوعيا، لا بد من الكلمة التي تؤكد الحقوق وتبعث في النفوس العزيمة والأمل.
للأمانة لم أكتب في رواياتي الصادرة حتى الآن ما يتعلق بالقضايا الوطنية والقومية.
في روايتي الأخيرة مرّرتُ بعض الأمور المتعلقة بالعدوان الإسرائيلي على لبنان.
_ هل حضور "الطّبيب" في كتاباتك أكبر من حضور "الكاتب" في ممارستك الطّبّيّة؛ كيف يرى "الطّبيب الجرّاح" دواخل الشّخصيّات الإبداعيّة، وأيّها تغريه بالكتابة أكثر من غيرها؟
أظن نعم، حضور الطبيب واضح في كتاباتي، في الروايتين الأخيرتين كان موضوعهما قريبًا من الطب، التوحد في مختلف، والتحول الجنسي في ثالث ثلاثة.
إضافة للأسلوب الكتابي الذي لا يخلو أحيانا من عرض بعض الأفكار بشكل علمي.
_ الجراحة تتعامل مع الألم الجسديّ الملموس، بينما الرّواية تغوص في الألم النفسيّ، والوجوديّ؛ هل تجد في الكتابة نوعًا من المداواة أو الهروب من قسوة غرفة العمليّات؟
لا شك أن الكتابة هي أسلوب حياة، ووسيلة لمعالجة شخصية واجتماعية للكثير من الآلام النفسية والوجودية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هي وسيلة لتفريغ التوتر وضغوط الحياة التي تكبلنا في كثير من الأحيان.
_ كيف توفّق بين دقّة المعرفة العلميّة، وبين جموح الخيال الأدبيّ الّذي يتطلّب حرّيّةً وانعتاقًا من القيود؟
لا أخفيك أن ذلك ليس بالسهل، وكما ذكرت كثيرًا ما تطغى شخصية الطبيب، وكثيرًا ما تعرضتُ للنقد في هذا المجال.
لا أدعي أني أكتب نمطًا جديدًا من الرواية، ولكن أحرص على أن يخرج القارئ بمعلومة علمية إضافة للحكاية التي يقرأ فصولها.
_ لديك رواية بعنوان (مدى قبلة)، ناقشَت الحبَّ عبر المسافات الافتراضيّة، كيف ترى تطوّر العلاقات الإنسانيّة في زمن الإنترنت اليوم، وماذا أفادت التّرجمة الإنكليزيّة للرواية؟
أعتقد أن العلاقات الانسانية والاجتماعية حاليا في انحدار شديد في ظل العالم الافتراضي، وحتى انفعالاتنا العاطفية صارت تفرغ بتفاعل افتراضي.
أما فيما يتعلق بالترجمة، فكما كانت منذ الفترة الذهبية للترجمة إلى العربية، ولاحقا من العربية في عصر النهضة العربي. لا تزال الترجمة تؤتي أكلها.
_ في روايتك (سرير الغواية)، غصتَ في قضايا معقّدة كالخيانة ووضع المرأة، مستلهمًا أفكارًا من "علم نفس الإنسان المقهور"؛ إلى أيّ مدى تعتقد أن الأدب قادر على تفكيك هذه الضّغوط الاجتماعيّة والشّرقية، وتحرير الذّات؟
الأدب مؤثر في حياة الإنسان ولا سيّما المثقف. ولكن كثير من الأمور الأخرى تأثيرها ونتائجها بيّنة وفعالة أكثر من الأدب خاصة في ظل تراجع القراءة في مجتمعاتنا.
ومن ناحية شخصية الكثير مما يروج له على أنه تحرير ذات قد لا يكون كذلك فعلا. من وجهة نظري الشخصية تحارب الشرقية ويروج لتحرير الذات في سياق بعيد عن الحقيقة وجوهر الإنسان الإنسان.
_ روايتك (ثالث ثلاثة – شظايا الذات)، قدّمتَ عملًا جريئًا يربط بين المنظور الطّبّيّ والعلميّ وقضايا الهُويّة، والتّحوّل الجنسيّ؛ هل واجهتَ صعوبة في تقبّل المجتمع لطرحٍ كهذا في قالب روائيّ؟
لم أواجه صعوبة في تقبل الفكرة.
في لبنان أظن قد روّج لهذا الموضوع أكثر من الإضاءة عليه.
ربما حساسية الموضوع أعطى الرواية بعض الدفع والدعاية.
في الرواية حرصت على الكلمة الرزينة وإيصال المعلومة بشكل علمي في سياق روائي.
_ روايتك(مختلف)، هيَ أحدث أعمالك، تجاوزت التوعية المباشرة بمتلازمة داون وطيف التّوحّد، لتقدم الاختلاف كطاقة، ورؤية أخرى للعالم؛ لماذا اخترت هذه الفئة، وكيف ترى تفاعل الندوات الأدبيّة والفكريّة معها؟
في العقد الأخير ازدادت حالات التوحد كثيرا، وقد يتهم أسلوب الحياة الحالي والهاتف في ذلك. وربما ازداد تشخيصها والاهتمام بها.
من ناحية أخرى قربي من بعض حالات التوحد. ورغبتي في اختيار موضوع غير مطروق في الرواية العربية.
كل هذه الأسباب كانت ذات تأثير.
_ يتّسم أسلوبك بالحضور القويّ للمكان والبيئات المتعدّدة كروما ورومانيا؛ كيف أثّر سفرك على جغرافيّة الرّواية لديك؟
أحب السفر، وحظيت بفرصة التجوال في الكثير من البلدان والاطلاع على ثقافاتها.
وعندما كان المكان أحد أهم مقومات الرواية. كانت ذاكرة هذه الأمكنة حاضرة في رواياتي.
_ تتمحور شخصيّاتك حول "الإنسان في مواجهة المجتمع" وتحت ضغط القيود؛ هل تعتقد أنّ الإنسان العربيّ محكوم دائمًا بظروفه الاجتماعيّة، أم أنّ لأبطالك القدرة على الاختيار والتّمرّد؟
الإنسان ابن بيئته، وظروف مجتمعنا العربي منذ عقود لا تساعد الإنسان على الإبداع ورغم ذلك ولّد الكثير من المبدعين.
الظروف الاجتماعية عامل سلبي بشكل مؤكد.
وإذا قلنا أنه يحق للروائي ما لا يحق لغيره، يمكن لأبطال الرواية أن يتمردوا وفي تمردهم رسالة فعّالة للواقع.
_ كلمة أخيرة توجّهها للأطبّاء الشّباب الّذين يمتلكون شغفًا أدبيًّا، ولكنّهم لا يتجرّؤون على اقتحام هذا المجال؟
دعوتي ليست فقط للأطباء، بل لكل من يجد في نفسه بذرة أو شغف للإبداع أن يحفزه ويطوره و النجاح سيكون حليفه حتمًا.
ختامًا لك كل الشكر ولحضورك المميز وتأثيرك الثقافي والأدبي. معرفتك غنى أعتز به. ودمت بنشاط ونجاح وإبداع.

