الاثنين ١٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم آدم عربي

حين يصبح الفكر بضاعة!

في كتابه الشهير "رأس المال" حرص كارل ماركس، في أكثر من موضع ومكان، على إبراز الأثر الحاسم لهدف الربح في توجيه سلوك البشر. وقد ساق لذلك أمثلة دالة عن أرباب عمل وتجار ينتجون ويبيعون سلعا تتناقض كليا مع قناعاتهم الدينية أو الأخلاقية. فهذا تاجر يبيع السجائر رغم أنه لا يدخن، بل ويحارب التدخين في تربية أبنائه، وذاك يتاجر بسلع تحرّمها معتقداته الدينية.

هذا التناقض في السلوك لم يعد أمراً مستغرباً أو صادما؛ فاقتصاد السوق وفر من المبررات ما يكفي لإقناع رب العمل بأن "للضرورة أحكاماً"، وبأن الصراع بين قناعاته الشخصية وممارساته التجارية لا ينبغي أن يوقظ فيه شعور الذنب أو عدم الرضا. فالدافع "الصحيح " في منطق السوق هو ما يتيح له الثبات في سوق متقلّبة، وجني مزيد من الأرباح، وإلا التهمه منافسوه بلا رحمة.

ومع تمدد هذه الذهنية التجارية، لم تقتصر آثارها على عالم المال وحده، بل تسللت أيضاً إلى ميدان الفكر والثقافة. فظهر بين أهل القلم والفكر من يحاكي التاجر في سلوكه، فازداد عدد الكتّاب الذين ينتجون أفكاراً وآراء وكتبا ومقالات لا تعكس قناعاتهم الحقيقية، لكنها تلبي طلب السوق الفكري والسياسي، وتدر عليهم أرباحاً مادية، وشهرة إعلامية، وامتيازات مختلفة، من دون أن يمتلكوا الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بذلك.

ونحن نعرف، في المقابل، نماذج مضيئة من الكتّاب والمفكرين الكبار الذين كانوا يشرعون في البحث الجاد وفي أذهانهم فرضية يريدون إثباتها أو دحضها، فإذا بهم وبدافع النزاهة والحرص على الموضوعية ، يصلون إلى نتائج تخالف، بل وربما تناقض، ما انطلقوا منه. ومع ذلك، كانوا يتشبثون بتلك النتائج ويعلنون انحيازهم لها، وفاء للحقيقة لا للهوى.

غير أن هذا الصنف من أهل الفكر والقلم كاد يختفي بفعل الفساد والإفساد. وحل مكانه كاتب لا يكاد يمسك بالقلم حتى يستحضر في ذهنه شخصاً أو فئة بعينها، ويسأل نفسه: ماذا يجب أن أكتب كي أرضي هؤلاء؟ سؤاله الدائم أثناء الكتابة ليس: هل ما أكتبه صادق وصحيح؟ بل: هل سيُعجب هذا الكلام تلك الجهة أم يثير سخطها؟

فيبدأ بإلغاء عقله، ويضع قناعاته الذاتية جانبا، ثم يتقمص طريقة تفكير من يسعى لاسترضائهم، فيكتب معبراً عن أفكارهم ومواقفهم، لا عن أفكاره هو. فيغدو أشبه بآلة بلا لحم ولا دم، بلا إحساس أو ضمير.

لسنا ننكر على أحد حقه في الانتماء الفكري أو السياسي أو الشخصي إلى أي جهة يشاء، شرط أن يكون هذا الانتماء صادقاً ومتناغما مع قناعاته الحقيقية. أما أن يتحول الكاتب إلى سلعة أخلاقية رخيصة في السوق، ينتقل من انتماء إلى آخر بحسب الأجر الأعلى، فذلك ما نرفضه ونستنكره.

وفي مجتمعاتنا نعرف أنماطا بشرية تثير القشعريرة. أشخاص لا يملكون كفاءة حقيقية، فيعوضون عجزهم بالكذب والتلفيق، مؤكدين لرؤسائهم أن الجميع ، باستثنائهم ، أعداء وحسّاد، لا يحملون ولاء ولا إخلاصا. إذا جالسوا المسؤول بالغوا في مجاملته، وصوروه على أنه الأجمل والأكفأ والأعظم، ثم ما إن يغادروا مجلسه حتى ينقلبوا عليه تشويها وازدراء.

هذا النمط، المنتشر في مختلف درجات السلم الاجتماعي، لا يملك وسيلة لإثبات ذاته سوى إنكار كفاءات الآخرين، وإقناع "وليّ النعمة" بأنه الأداة الأنسب لتنفيذ رغباته وأهوائه. ولعل هذه الذهنية هي التي أفرزت ظاهرة "بواب العمارة" الذي يفرض على السكان أن يعاملوه كأنه مالكها الحقيقي.

إن هذا النمط من الشخصيات لا ينشأ من فراغ، بل تصنعه حاجات سطحية لدى أصحاب النفوذ في مجتمعات لم تدرك بعد أهمية بناء الإنسان في داخله، ولم تتجاوز التناقض بين ما تروج له الكتب المدرسية من أن الإنسان قيمة عليا، وبين ما تمارسه الحياة الواقعية من تحويله إلى سلعة، بل إلى أرخص السلع.

وحيثما يُستَرخص الإنسان، تُستَرخص الكلمة بالضرورة. فتتحول الكلمة في سوق الفكر والسياسة إلى بضاعة زهيدة، يبيعها أصحابها بأبخس الأثمان لكثرتهم وضعف الحاجة إليهم، ويشتريها الآخرون وكأنهم يتفضلون على بائعها صدقة. ثم، حين تعصف الأزمات بالمجتمع أو بالأمة، يُطرح السؤال بدهشة مصطنعة: أين هم أهل الفكر والقلم؟

ولعل الجواب الأكثر إيلاماً هو: بعدما اعتادوا قلة الغذاء، ماتوا جوعاً.

وما يؤكد ذلك أنك تجد لكل قارئ واحد أربعة أو خمسة كتّاب. بل لعل صحفنا كلها لو توقفت عن الصدور، وحلّت محلها صحيفة واحدة للإعلانات والوفيات وبعض الخدمات، لما شعر الناس بغيابها، ولاستمرت حياتهم اليومية كما لو أن شيئاً لم يتغير.

فالمشكلة ليست في الناس ولا في القرّاء، بل في صحافة أقامت بينها وبين المجتمع سورا صينيا من الاغتراب؛ فلا هي تفهم حاجاته، ولا هي قادرة على تلبيتها إن حاولت.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى