الخميس ٩ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم آدم عربي

في صناعة التاريخ!

في عبارة موجزة شديدة الكثافة، وضع هيجل حجر الأساس لفهم علمي للتاريخ، قاطعا الطريق على التفسيرات الأسطورية والأوهام التي سيطرت طويلا على قراءة أحداثه. ففي تلك العبارة الشهيرة، يقول إن كل الأحداث العظيمة والشخصيات الكبرى في التاريخ تظهر مرتين، إذا جاز التعبير. غير أن هذا التكرار، في نظره، لا يعني التطابق التام، بل يشير إلى تشابه في الشكل أو في ما يقاربه، لا في المحتوى الحقيقي، وهو ما ينسجم مع منهجه الجدلي بما يوافق "ثلاثيته الشهيرة"، الذي يرى الحركة التاريخية بوصفها سيرورة متكررة في الظاهر، متغيرة في العمق.

لكن ماركس، من جهته، لم ينشغل فقط بوصف تكرار التاريخ، بل طرح سؤالا أكثر جذرية: كيف يُصنع التاريخ؟ فالتاريخ عنده ليس معطى جاهزا، ولا نتاج قوى غيبية مفروضة سلفا، بل هو عملية صنع مستمرة يقوم بها البشر أنفسهم. هم الذين يصنعون تاريخهم بأيديهم، لكنهم لا يفعلون ذلك بحرية مطلقة أو وفق أهوائهم الخاصة، بل ضمن شروط موضوعية قائمة. فالتاريخ لا يُخلق من العدم، ولا يتحقق وفق مخطط قدري مكتوب خارج الإنسان، بل يتشكل داخل الواقع، ومن خلال تفاعل البشر معه.

حتى ما نسميه "الإرادة الحرة" لا يمكن فهمه خارج هذه الشروط؛ فالإنسان يختار، نعم، لكنه يختار ضمن الممكن والمتاح، وكأن اختياره نفسه محكوم ببنية أوسع، الأمر الذي يذكرنا برؤية نيتشه عن كون الاختيار جزءا من نظام لا يمكن الفكاك منه.وهنا تخطى ماركس التناقض الزائف والمصطنع بين "الموضوع" و"الذات" في صناعة التاريخ؛ فالبشر لا يصنعون تاريخهم في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف موروثة من الماضي، حيث تظل عقول الأحياء مثقلة بتركة الأجيال السابقة، التي تحاصر وعيهم وتؤثر في أفعالهم.

ومع ذلك، لا يتوقف البشر عن السعي إلى تغيير أنفسهم والعالم من حولهم، ومن هذا السعي الدائم، الفردي والجماعي، تبدأ عملية صنع التاريخ، إن هذا السعي هو ما يصنع التاريخ . غير أن هذه العملية لا تسير وفق نوايا صانعيها دائما؛ فـ"كيمياء التاريخ"، لعلها العبارة الأنسب، تكشف أن النتائج كثيرا ما تأتي مخالفة لما خطط له البشر أو رغبوا فيه. فقد تقود الأفعال إلى نتائج غير متوقعة، بل وقد تتناقض مع الأهداف الأصلية. ومع ذلك، فإن هذه النتائج، سواء اتفقت مع الإرادة البشرية أم خالفتها، تظل محكومة بضرورات الواقع الاجتماعي والتاريخي، فلا يمكن أن تنشأ نتائج خارج ما يسمح به هذا الواقع.

وفي لحظات التحول الكبرى، يحضر الماضي بقوة داخل الحاضر؛ فالأموات، ومعهم الأفكار والرموز التي ارتبطت بهم، يعودون إلى الواجهة، وكأن تأثيرهم لم ينتهي. وهنا يظهر تناقض لافت ؛ فالبشر، وهم يعملون على خلق الجديد، يميلون في الوقت نفسه إلى استدعاء القديم. وكأن الحدث الجديد يحتاج إلى أن يرتدي شكلا مألوفاً مستمدا من الماضي، يمنحه الهيبة والمعنى، رغم اختلاف مضمونه.

لكن هذا التناقض ليس غامضا إذا فهمنا وظيفته، فإذا عرف السبب بطل العجب؛ فاستحضار الماضي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لخدمة أهداف الحاضر. لذلك يستعير الناس أسماء الماضي وشعاراته ورموزه، ويباشرون عملهم وكأنهم يمثلون أدواراً على مسرح التاريخ؛ فالقائد الجديد قد يظهر بملامح قائد قديم، والحدث الراهن قد يُعرض في صورة حدث سابق، حيث يتداخل الخلق مع التمثيل في الفعل التاريخي.

ومع أن إضفاء طابع قديم على مضمون جديد يمنح الحدث قوة رمزية وجاذبية، إلا أنه لا يخلو من قدر من الوهم. فالدراسة الموضوعية للتاريخ تكشف كثيرا من التفسيرات التي لا تنسجم مع منطقه الواقعي، مما يدل على أن كل عصر لا ينتج حقائقه فحسب، بل أوهامه أيضا.

وفي خضم هذا المشهد، يغيب عن الأذهان أن "القيادة" ليست كياناً استثنائياً خارج الشروط، بل هي استجابة لحاجة موضوعية. فهي، كغيرها من الاختراعات، لا تظهر إلا حين تفرضها الضرورة. لذلك لا تكمن أهمية القائد في اسمه أو مكان ولادته، فهذه أمور عرضية، بل في الدور الذي يؤديه. قد يكون الاسم مصادفة، لكن وجود قائد بخصائص معينة يصبح ضرورة تفرضها الظروف.

بينما ننغمس في متابعة فصول هذه "المسرحية التاريخية" التي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة نغفل، أو نتغافل، عن حقيقة شديدة البساطة وهي أن "القيادة" ليست سوى نتاج تخلقه "الحاجة"، كما تُخلق سائر الاختراعات. فالإنسان، في مختلف مجالات حياته، لم يبتكر يوما، ولن يبتكر، شيئا لم تسبقه إليه حاجة مُلحة؛ إذ تظل هذه الحاجة تضغط على العقول والوجدان، وتعمل فيهما، حتى تُفضي، عبر أيدي البشر، إلى "الاختراع" الذي يحقق الإشباع ويُلبي الضرورة.

وليس في اسم القائد، مهما كان اسمه، ولا في مكان مولده، ما يتجاوز حدود المصادفة، بل هي المصادفة ذاتها؛ أما الضرورة الحقيقية، فتكمن في أن يكون، بحكم دوره ووظيفته، مماثلاً لغيره ممن يشغلون الموقع ذاته، من حيث البنية الاجتماعية والسمات التاريخية التي تفرضها اللحظة.

فالقائد لا يستمد وزنه من ذاته، بل من وزن مجتمعه وأمته؛ ولذلك فإن رئيسا مثل إيمانويل ماكرون يفقد معظم دلالته وقيمته إن نُقل، على سبيل المثال، ليتولى رئاسة جمهورية أرض الصومال، حيث تنتفي الشروط التي منحت موقعه معناه وأثره

وينطبق هذا المنطق أيضا على العقائد؛ فهي تزدهر حين تعبّر عن حاجات الناس وتلبيها، وتفقد قوتها عندما تتغير هذه الحاجات. فعندما تعجز عن التكيف مع الواقع المتحول، تدخل في صراع مع الحاجات الجديدة، وتبدأ بفقدان تأثيرها في وعي الناس ومشاعرهم، إلى أن تتلاشى تدريجيا وتفقد مبرر وجودها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى