الأحد ٢٥ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم آدم عربي

الإنسان قيمة تربوية!

الإنسان لا يولد ضعيفاً بطبيعته، وإنما تفرض عليه الضعف الظروف القاسية التي يجد نفسه محاصَراً بها دون اختيار أو رغبة منه. فالأوضاع المعيشية السيئة المعدمة هي التي تُنتج إنساناً مهزوما، وتمنح الأقوياء سلطة عليه، مع أن تغيير هذه الظروف، أو التخفيف من قسوتها، ليس أمراً مستحيلاً أو خارجاً عن القدرة الإنسانية ، فلا شئ مستحيل.

المستضعفون يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة، وغالباً ما يستخدمون وسائل قد تؤدي إلى التفريط في جوهر إنسانيتهم. فمن يضطر للتخلي عن القيم الأساسية كي يعيش، يفقد آدميته قبل أي شيء آخر. ومن الوهم الاعتقاد بإمكانية ازدهار أخلاقي أو إنساني في مجتمع يعمّه الفقر بكل ما يحمله من آفات وانحرافات وشرور.

أمام هؤلاء البشر، لا نملك سوى التعاطف والدعاء لهم. غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في فئة أخرى داخل مجتمعاتنا تتمظر في أناس يشبهون المستضعفين في سلوكهم وأخلاقهم، لا بسبب ظروف قاهرة وشر الفقر، بل رغم امتلاكهم لشروط حياة أفضل تتيح لهم العيش بكرامة، وبإحساس بالقوة والعزة الإنسانية.

هؤلاء الذين يتصرفون بعقلية العبيد، دون أن يكونوا عبيدا في واقعهم المعيشي، لا يستحقون الشفقة ولا التعاطف منا ، بل يستحقون النقد والازدراء. فهم غالباً ما يُوصفون بضعف النفس، وتتحكم فيهم ثقافة قائمة على مبادئ أنانية من قبيل" لا خلاص إلا الفردي"، فلا تسعَ لنجاة غيرك؛ تقرب من صاحب السلطة ولو على حساب رفاقك؛ نافق الأقوياء فقد تصبح واحداً منهم.

وتُقدَّم هذه القيم المنحطة في مجتمعاتنا على أنها حِكَم واقعية، لا يرفضها إلا من وُصم بالغباء أو بانعدام الطموح، وكأن الطموح لا يتحقق إلا بالتسلق على حساب الآخرين.

ويصدق هنا قول المتنبي:

وتصغر في عين العظيم العظائم
وتعظم في عين الصغير الصغائر.

فالعظمة أو الصغارة في الإنسان ليست مسألة ظرفية، بل هي نتاج تربوي في المقام الأول. فبحسب التربية التي يتلقاها الفرد تتشكل نظرته للعالم، وطريقة تعامله مع التحولات المستمرة في بيئته.

والتربية ، في أحد معانيها الجوهرية ، هي التجربة حين تتحول إلى وعي ودروس. فلا قيمة لتجربة لا تُثمر فهما جديداً أو نضجاً فكرياً . ومن يعيد خوض التجربة نفسها دون أن يتعلم منها، إنما يعاني ضعفا في الوعي لا في الظروف.

وتتجلى القيمة التربوية للإنسان في طريقة مواجهته لمشكلات الحياة، وفي كيفية تقييمه للأحداث والحكم عليها.
فمشكلة صغيرة قد تحطم شخصا، في حين أن أزمة كبرى قد تزيد آخر صلابة وقوة.

غير أن الإنسان في مجتمعاتنا غالباً ما يتلقى تربية تضعف قدرته على التكيف مع التغيرات الاجتماعية، وتحرمه من فهم عميق لحقائق الحياة. فيبدو عاجزاً أمام أبسط المشكلات، مستسلما، سلبياً في التفكير والشعور والفعل، وكأن الحياة تُحل بالدعاء وحده أو بالهروب والقدرية التي تنتقص من قيمة الذات ودورها.

ويكتشف الإنسان حقيقة بنيته التربوية عندما يُلقى فجأة في بيئة جديدة، تفتقر إلى شبكات الدعم التي اعتاد عليها. عندها، فقط، يرى نفسه على حقيقتها، ويمتحن تصوره القديم عن ذاته، بما يحمله من أوهام أو حقائق. فقد يتوهم شخص ما أنه عظيم الشأن، وينتظر من الآخرين أن يعاملوه كذلك، لكنه لا يتحرر من هذا الوهم إلا حين تصطدم صورته الذاتية بالواقع، ويتعلم من التجربة بدل الهروب منها.

إن الحياة، في جوهرها، تُعاش من خلال وجهة نظر فلسفية . فكل تصرف إنساني يعكس تصوراً فكرياً عن العالم، سواء أدرك الإنسان ذلك أم لم يدركه. حين يشتعل حريق في منزل ما، قد يسارع صاحبه لإطفائه، أو يكتفي بالدعاء، أو يجمع بين الفعل والدعاء. كل اختيار من هذه الخيارات يكشف عن موقف فلسفي ضمني تجاه الحياة والمسؤولية.

ولهذا، فالإنسان فيلسوف بطريقته، يحمل فلسفة ما في كل سلوك يصدر عنه.

وقد رأينا أناساً يضخمون مشكلات تافهة حتى تبدو كوارث، كما رأينا آخرين يواجهون المصائب الكبرى برباطة جأش واستخفاف واعٍ. ويؤكد علماء النفس أن الانشغال بالأسئلة الوجودية الكبرى يقلل من حدة القلق اليومي، فالتأمل في الكون والحياة والمصير يمنح الإنسان توازناً نفسيا، ويجعله أكثر قدرة على تحمّل ضغوط العيش.

ولو أن التربية التي تلقاها الإنسان حالت دون انشغال الإنسان بالتوافه من الأمور، ومنعته من التلذذ بتتبع أخبار الناس وحياتهم الخاصة، لارتقى وعيه، وازداد انسجامه مع منطق الحياة. فقل لي ما يشغلك، أقل لك من أنت. والناس، من حيث مستوى وعيهم، ينقسمون إلى ثلاث فئات:

فئة منشغلة بالحديث عن الأشخاص
وفئة تتحدث عن الأشياء
وفئة أرقى تتناول المبادئ والأفكار

وفي مجتمعاتنا، تسود الفئة الأولى، نتيجة تربية مشوهة جعلت التطفل على خصوصيات الآخرين مصدراً للمتعة والمعنى، وفي هذا الأفق الفكري الضيق تتحدد أفراحهم وأحزانهم.

لقد زرعت فينا التربية السائدة ضعفا إنسانياً وفكرياً وأخلاقيا وحضاريا، بل وسياسياً . فأصبحنا نعيش انفصاما بين الواقع وفهمنا له، كأننا كائنات وهمية أُلقي بها في صراع الحياة دون أدوات حقيقية للبقاء، فكان السقوط سريعا، والخسارة سهلة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى