حين يتحول نجم صغير إلى موقف كبير
بين لامين يامال ومحمد صلاح ونجيب محفوظ وعلم فلسطين
في زمن صار فيه الصمت موقفا، لا تمر الإشارات الرمزية مرورا عابرا. لذلك لم تكن لقطة لامين يامال وهو يرفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات برشلونة بلقب الدوري الإسباني مجرد صورة من موكب رياضي، بل تحولت سريعا إلى حدث يتجاوز كرة القدم. اللاعب الشاب، الذي صعد إلى النجومية بسرعة هائلة، اختار في لحظة احتفال جماعي أن يحمل رمزا سياسيا وإنسانيا شديد الحساسية: علم فلسطين. حدث ذلك في موكب برشلونة المفتوح بعد التتويج بلقب الليجا، وسط حشود ضخمة في شوارع المدينة الكتالونية، وقد وثقت وكالات ووسائل إعلام دولية الواقعة بوصفها لفتة تضامنية لافتة.
أهمية ما فعله يامال لا تأتي فقط من العلم نفسه، بل من توقيت اللقطة ومكانها وصاحبها. فهو لم يرفع العلم في مساحة خاصة أو في منشور عابر محدود التأثير، بل في لحظة تتجه إليها الكاميرات، ويحتفل فيها ناد عالمي مثل برشلونة أمام مئات الآلاف من الجماهير. وبحسب تقارير صحفية، فقد جذب المشهد اهتماما واسعا، وفتح نقاشا حول حدود التعبير السياسي داخل الرياضة، خصوصا بعدما علق مدرب برشلونة هانزي فليك بأن يامال كبير بما يكفي لاتخاذ قراره، رغم أنه لا يفضل عادة مثل هذه الإشارات السياسية في كرة القدم.
بالنسبة لكثير من العرب والمسلمين، بدا المشهد كأنه كسر لعزلة الرمز الفلسطيني في الملاعب الأوروبية. فمنذ سنوات، تحول رفع علم فلسطين في بعض السياقات الرياضية والإعلامية إلى فعل محفوف بالهجوم والاتهام والضغط، بينما تُتاح مساحات واسعة لتبرير أو تلطيف السياسات الإسرائيلية، حتى عندما تتعلق المسألة بقتل المدنيين أو حصارهم أو تجويعهم. لذلك قرأ كثيرون فعل يامال باعتباره شجاعة أخلاقية قبل أن يكون موقفا سياسيا؛ شجاعة لاعب شاب يعرف أن صورته التجارية، وعلاقاته بالرعاة، ومستقبله داخل المنظومة الأوروبية، قد تتأثر بلقطة واحدة.
وهنا تحديدا تظهر قيمة الرمز. فالعلم الفلسطيني في هذا السياق ليس دعوة إلى كراهية أحد، ولا استهدافا لدين أو شعب، بل إشارة تضامن مع شعب يعيش تحت الاحتلال والحصار والحرب. الفارق مهم: نقد السياسات الإسرائيلية، ورفض التطرف القومي أو اليميني الذي يبرر سحق الفلسطينيين، ليس عداء لليهود ولا تحريضا على الإسرائيليين كأفراد. إنه موقف ضد الظلم، وضد محاولة جعل التعاطف مع الفلسطينيين جريمة أخلاقية أو مهنية.
لكن هذه اللقطة لا تستدعي المقارنة بين لاعبي كرة القدم فقط، بل تفتح بابا أوسع: ماذا تفعل الشهرة حين تصير قادرة على الكلام؟ ومتى تتحول الموهبة من إنجاز فردي إلى مسؤولية عامة؟ هنا يمكن أن نستدعي نجيب محفوظ، الروائي المصري الكبير، لا بوصفه نقيضا مباشرا للامين يامال، بل بوصفه نموذجا مختلفا تماما للموهبة حين تبلغ المجد ولا تختار دائما التعبير السياسي الصريح.
نجيب محفوظ لم يكن كاتبا بلا سياسة، فهذا تبسيط ظالم له. لقد كتب السياسة في الحارة، وفي البيت، وفي علاقة الفرد بالسلطة، وفي مصائر الطبقات، وفي الخوف والانتظار والقهر. لكنه لم يكن غالبا صاحب الإشارة السياسية المباشرة، ولا صاحب اللافتة الحادة، وبخاصة في المسألة الفلسطينية. كان محفوظ يرى نفسه كاتبا يفكر في السياسة ويكتب عنها من داخل الأدب لا من منصة الخطابة؛ وقد قال في مقابلة منشورة إنه لا يفكر في العمل السياسي كمنصب، بل يفكر في السياسة ويكتبها "ككاتب."
وهنا تظهر المفارقة: محفوظ، الذي منحته الموهبة خلودا أدبيا وشهرة عالمية بعد حصوله على نوبل للآداب عام 1988، ظل في كثير من القضايا الكبرى أقرب إلى الروائي المتأمل منه إلى المثقف الصدامي. كانت فلسطين حاضرة كقضية عربية وإنسانية في أفق جيله، لكنها لم تتحول عنده إلى رمز علني متكرر بالوضوح نفسه الذي نراه اليوم في صورة لاعب يرفع علما أمام العالم. تشير بعض الكتابات عن محفوظ، ومنها ما تناول صداقته مع الكاتب الإسرائيلي ساسون سوميخ، إلى أنهما لم يكونا يكثران من مناقشة السياسة أو المسألة الفلسطينية، وأن الأدب عند محفوظ كان أحيانا طريقا غير مباشر إلى الإنسان والسياسة.
بل إن موقف محفوظ من السلام مع إسرائيل واتفاقيات كامب ديفيد أدخله في جدل عربي واسع، وعرّضه لانتقادات ومقاطعات ثقافية من بعض الأوساط التي رأت في موقفه نوعا من القبول السياسي الملتبس. وقد ربطت مقالات نقدية بين الجدل حول محفوظ وبين موقفه من كامب ديفيد، كما نقلت عنه مجلة نيويوركر أنه بدأ يفكر في السلام بعد هزيمة 1967، وأنه كان ضد استمرار الحروب بوصفها تستنزف مصر والعرب.
هذا لا يجعل محفوظ أقل قيمة، ولا يجعل يامال أعظم منه أخلاقيا، لكنه يضعنا أمام سؤال شديد الحساسية: هل يكفي أن تكون الموهبة عظيمة لكي تعفى من لحظة الشهادة؟ وهل الشهرة ملك لصاحبها وحده، أم تصبح، في لحظات الدم والظلم، دينا أخلاقيا عليه؟ محفوظ اختار غالبا أن يترك رواياته تتكلم عنه، وأن يوزع السياسة داخل الشخصيات والمصائر والرموز. أما يامال فاختار لحظة واحدة، علنية، خاطفة، بلا رواية ولا بيان: علم فلسطين في يد لاعب شاب فوق حافلة احتفال.
من هنا تزداد لقطة يامال عمقا. فهي لا تقول إن كل موهوب يجب أن يتحول إلى خطيب سياسي، ولا إن كل فنان أو لاعب مطالب بأن يتكلم بالطريقة نفسها. لكنها تقول إن الشهرة حين تصمت طويلا أمام المأساة تصبح جزءا من المشهد، وحين تنطق، ولو بصورة، فإنها تكسر شيئا من الحصار الرمزي حول الضحية. في حالة محفوظ، كان الأدب هو المجال الذي يختبر فيه الأسئلة الكبرى بلا شعارات. وفي حالة يامال، كان الجسد نفسه، اليد نفسها، العلم نفسه، هو النص كله.
وتصبح المقارنة مع لاعبين آخرين، مثل محمد صلاح، ضرورية، ولكن بحذر وإنصاف. صلاح لم يكن غائبا تماما عن القضية؛ فقد دعا في أكتوبر 2023 إلى وقف "المجازر" في غزة والسماح الفوري بدخول المساعدات الإنسانية، كما تبرع لدعم المتضررين. وفي 2025 انتقد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بعدما نشر نعيا للاعب الفلسطيني سليمان العبيد من دون ذكر ظروف مقتله، متسائلا عن كيفية وسبب ومكان موته.
لكن الفرق بين صلاح ويامال لا يكمن في وجود الموقف من عدمه، بل في شكل الموقف وحدّته الرمزية. صلاح اختار خطابا إنسانيا عاما، محسوبا، يطالب بوقف القتل ودخول المساعدات. هذا موقف مهم، خصوصا من لاعب عربي مسلم يلعب في الدوري الإنجليزي وتحت ضغط جماهيري وإعلامي ضخم. أما يامال فاختار صورة مباشرة: علم فلسطين في قلب احتفال عالمي. لم يحتج إلى بيان طويل؛ اكتفى برمز يعرف الجميع معناه. ولهذا بدا موقفه، في نظر كثيرين، أكثر مباشرة وجرأة.
مع ذلك، لا ينبغي تحويل المقارنة إلى محاكمة لمحمد صلاح أو غيره. لكل لاعب حساباته وسياقه وناديه وسوقه الإعلامي وموقعه داخل صناعة رياضية شديدة الحساسية تجاه فلسطين. كما لا ينبغي تحويل نجيب محفوظ إلى مثال سلبي مبسط؛ فالرجل كتب عن العدل والقهر والسلطة والإنسان، لكنه لم يكن من طينة المثقف الذي يرفع اللافتة في الشارع. المسألة أعمق من الإدانة: إنها سؤال عن الأشكال المختلفة للضمير، وعن الفارق بين الضمير الذي يتخفى في العمل الفني، والضمير الذي يخرج في لحظة خاطفة إلى العلن.
ما فعله يامال يذكرنا بأن كرة القدم لم تكن يوما منفصلة تماما عن السياسة. الملاعب حملت دائما قضايا الشعوب: من مناهضة العنصرية إلى التضامن مع اللاجئين، ومن دعم أوكرانيا إلى حملات مكافحة الكراهية. فلماذا يصبح التضامن مع فلسطين وحده موضع ارتباك أو إدانة؟ السؤال هنا لا يتعلق بلاعب واحد، بل بازدواجية معايير أوسع: حين يكون الضحية فلسطينيا، تُطلب من الجميع لغة باردة، ومحايدة، ومجردة من الغضب.
لذلك احتفى العرب والمسلمون بلامين يامال ليس لأنه سجل هدفا، بل لأنه سجل موقفا. رفع العلم الفلسطيني في لحظة فرح، لا في مؤتمر سياسي، أعاد إلى الأذهان أن القضية الفلسطينية ليست ملفا هامشيا، ولا خبرا عابرا في نشرات الحرب، بل قضية حية في وجدان الملايين. وحين يحملها لاعب شاب في ناد بحجم برشلونة، فإنها تخرج مرة أخرى إلى الضوء، رغم كل محاولات التعتيم والتخويف.
ربما سيقول البعض إن اللاعب يجب أن يكتفي بكرة القدم، كما قيل كثيرا إن الروائي يجب أن يكتفي بالرواية، والشاعر بالشعر، والمغني بالغناء، والممثل بالتمثيل، وأستاذ الجامعة بالتدريس، ورجل الدين بالوعظ والإرشاد. لكن هذا الفصل نفسه يحتاج إلى مراجعة. فالفن لا يعيش خارج التاريخ، والرياضة لا تعيش خارج الجماهير، والجماهير لا تترك ضميرها خارج الملعب. وحين يكون العالم ممتلئا بالصور المؤلمة من غزة، يصبح رفع علم فلسطين أقل ما يمكن فعله، لكنه في الوقت نفسه قد يكون أكثر مما يجرؤ كثيرون عليه.
لعل السؤال الأخير ليس: لماذا رفع لامين يامال العلم؟ بل: لماذا بدا رفع العلم حدثا استثنائيا إلى هذا الحد؟ لماذا نندهش حين يفعل نجم صغير ما يفترض أن يكون طبيعيا: أن يرى المظلوم فينحاز إليه؟ ولماذا نطالب الموهبة دائما بأن تكون بريئة من السياسة، بينما لا نطالب السياسة أبدا بأن تكون بريئة من الظلم؟
لامين يامال لم يغير الواقع الفلسطيني بلقطة واحدة، لكنه كسر الصمت في مكان شديد الظهور. وهذا وحده يكفي ليجعل المشهد أكبر من احتفال برشلونة، وأكبر من لاعب شاب يلوح بعلم. لقد كان تذكيرا بأن الموهبة تمنح صاحبها شهرة، أما الموقف فيمنحه معنى. وبين محفوظ الذي ترك السياسة تتسرب في الحارة والرواية، ويامال الذي رفعها علما في الهواء، يبقى السؤال مفتوحا: هل تكفي العبقرية وحدها، أم أن لحظة الشجاعة هي التي تمنح العبقرية ضميرها الأخير؟
