السبت ٢٥ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم سليمان عبد الدايم

حين تصبح الحقيقة ضحية بين الخبر والرواية

لم يكن الوصول إلى الحقيقة يومًا مهمة سهلة، لكنها ربما لم تكن في أي عصر أكثر تعقيدًا مما هي عليه اليوم. ففي زمن تتدفق فيه الأخبار بلا انقطاع، وتنتقل المعلومات عبر العالم في ثوانٍ معدودة، كان يُفترض أن يصبح الإنسان أكثر معرفة بما يجري حوله. غير أن المفارقة التي تستحق التأمل هي أن وفرة المعلومات لم تجعل الحقيقة أكثر وضوحًا، بل جعلت الوصول إليها أكثر صعوبة. فما بين آلاف الروايات، وعناوين الأخبار المتسارعة، والتعليقات، والتحليلات، يجد الإنسان نفسه أمام سؤال لم يكن يطرحه كثيرًا من قبل: ماذا حدث فعلًا؟

لقد كان الخبر، في صورته التقليدية، محاولة لنقل الواقع كما هو، أما اليوم، فكثيرًا ما أصبح الواقع نفسه مادةً للتأويل وإعادة الصياغة. فكل طرف يروي الحادثة من زاويته، ويختار من التفاصيل ما يدعم روايته، ويغفل ما قد يضعف موقفه. وهكذا، لا يعود الخلاف حول تفسير الحقيقة فقط، بل حول وجودها من الأساس.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تقوم دائمًا على الكذب الصريح، بل على أنصاف الحقائق. فالمعلومة قد تكون صحيحة، لكنها تُنتزع من سياقها، أو تُعرض بصورة توحي بما لم يحدث، أو يُسلَّط الضوء على جزء منها ويُترك الجزء الآخر في الظل. وعندئذ، لا يكون الإنسان أمام حقيقة كاملة، ولا أمام كذبة كاملة، بل أمام صورة ناقصة يصعب عليه أن يميز حدودها.
وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الأزمة. فلم يعد الخبر ينتظر التحقق قبل أن ينتشر، بل أصبح الانتشار هو الذي يسبق التحقق. وما إن تقع حادثة ما، حتى تتزاحم حولها التحليلات، والتفسيرات، والاتهامات، قبل أن تتضح الوقائع. وفي كثير من الأحيان، يكون الرأي قد استقر في أذهان الناس قبل أن تظهر الحقيقة، فيصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة من وقوعه.

ومن المفارقات اللافتة أن الإنسان لا يبحث دائمًا عن الحقيقة، بل يبحث أحيانًا عما يطمئنه. فهو يميل بطبيعته إلى تصديق ما يتفق مع قناعاته، ويرفض بسهولة ما يناقضها، حتى لو كان مدعومًا بالأدلة. وهكذا، تتحول الحقيقة من قيمة يُسعى إليها، إلى طرف في معركة الانتماءات، فيصبح السؤال: "من قال؟" أهم من السؤال: "هل ما قاله صحيح؟"

ولا تقتصر المشكلة على الأفراد، بل تمتد إلى المجتمعات بأكملها. فعندما تضيع الحدود بين الحقيقة والرواية، يصبح الحوار أكثر صعوبة، ويزداد الاستقطاب، وتضعف الثقة في المؤسسات، بل وفي الناس بعضهم ببعض. وعندها، لا يكون الضحية شخصًا بعينه، وإنما يصبح الوعي الجمعي نفسه هو الضحية.

غير أن الحقيقة لا تضيع لأنها ضعيفة، بل لأنها تحتاج إلى الصبر. فهي لا تظهر دائمًا بالسرعة التي تنتشر بها الشائعة، ولا تملك الجاذبية نفسها التي يملكها الخبر المثير. ولهذا، فإن البحث عنها يتطلب من الإنسان أن يقاوم رغبته في إصدار الأحكام السريعة، وأن يمنح الوقائع الوقت الكافي لتتكشف، وأن يميز بين ما يعرفه بالفعل، وما يظنه، وما يريد أن يصدقه.

ولعل الحضارات لم تتقدم إلا عندما جعلت الحقيقة قيمة تعلو على الأهواء. فالعلم لم يقم على الرغبات، والقضاء لم يقم على الانطباعات، والتاريخ لم يكتبه من اكتفوا بالرواية الأولى التي سمعوها. وكلما احترمت المجتمعات الدليل أكثر من الضجيج، اقتربت من العدالة، وابتعدت عن الفوضى.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في كثرة الأخبار الكاذبة وحدها، بل في أن يفقد الإنسان إيمانه بإمكانية الوصول إلى الحقيقة أصلًا. فعندما يقتنع بأن كل شيء نسبي، وأن كل رواية تعادل الأخرى، وأن الحقيقة مجرد وجهة نظر، يصبح الباب مفتوحًا أمام التلاعب بالعقول، لأن الناس لن يعودوا يبحثون عما هو صحيح، بل عما يناسبهم.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل أصبحت الحقيقة أقل وجودًا في عصرنا، أم أننا أصبحنا أقل صبرًا في البحث عنها؟ فربما لم تكن المشكلة أن الحقيقة اختفت، بل أن الضجيج أصبح أعلى من صوتها، وأن الإنسان، في زحام الروايات، نسي أن الحقيقة لا تحتاج إلى من يصرخ باسمها، بل إلى من يملك الشجاعة ليبحث عنها، حتى لو خالفت ما كان يتمنى أن يكون صحيحًا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى