حواري مع الكاتب والمترجم الفلسطيني هيثم جابر
* موجز السّيرة الذّاتيّة للضّيف:
– بكالوريوس صحافة وإعلام من جامعة النّجاح الوطنيّة عام ٢٠٠٠.
– بكالوريوس في التّاريخ من جامعة الأقصى عام ٢٠١٧.
كاتب وشاعر ومترجم.
مدرّس لغة عبريّة.
مؤسّس مركز الأمل لتعليم العبريّة.
خبير بالشّأن الإسرائيليّ.
_ قبل أن نبدأ الحديث عن معاناة الأسر، نذهب إلى حديقة الطّفولة، ماذا ستقطف لنا من زهور ذاكرتك، وأنتَ في الخمسين من عمرك؟
للأسف الشديد زهور طفولتي ليس بها الكثير من الزهور فأنا من عمر السادسة عشر من عمري، وأنا في السجن.
دخلت السجن لمدة سنتين ونصف، عام ١٩٩١ وخرجت بعد سنتين ونصف، ثم أعيد اعتقالي وحُكمت لمدة أربع سنوات ونصف وخرجت منها عام ١٩٩٩، ثم أصبحت مطاردا في العام ٢٠٠٠ حتى اعتقالي الاخير عام ٢٠٠٢، وحكمت ٢٨ سنة أمضيت منها ٢٣، أفرج عني في صفقة التبادل الأخيرة في العام ٢٠٢٥، لذلك طفولتي وشبابي كان معظمها داخل سجون الاحتلال.
_ أمضيتَ ثلاثين عامًا في سجون الاحتلال الإسرائيليّ، إلى أن تمّ الإفراج عنك حديثًا ضمن صفقة تبادل الأسرى، لتعود إلى قريتك في (سلفيت).
حدّثنا عن اللحظات الأولى لمعانقة شمس الحرّيّة.
الحرية لا تقدر بثمن في سنوات الحرب أصبحت السجون مقابر بكل ما تعني الكلمة من معنى الضرب ..القتل لأتفه الأسباب والتجويع الذي لا يزال يمارس حتى اللحظة لدرجة أننا ذات مرة أكلنا معجون الاسنان لأن له طعمًا حلو المذاق، لذلك طعم الحرية كان مختلفًا.
الكثير الكثير من اللحظات مرت في، حياتنا وحياة أهلنا دون أن نشاركهم لا أفراحهم، ولا أحزانهم لذلك الحرية كانت لا تقدر بثمن، أدركت معناها كيف أن الشعوب تدفع مقابلها دماء.
_ بالرّغم من قسوة السّنين، استطعتَ أن تحقّق إنجازاتٍ عديدةً، من بينها دراستك الجامعيّة داخل السّجن، وكتابة مؤلّفات أدبيّة أسهمت في توثيق معاناة الأسرى.
كيف كان يتمّ تأمين مستلزمات الكتابة لك؟
مستلزمات الكتابة كانت موجودة قبل الحرب كانت تتوفر الأقلام والأوراق وكانت الحياة كريمة نوعا ما.
حققنا ذلك عبر انتزاع حقوقنا من السجان عبر الإضرابات المفتوحة عن الطعام، لكن بعد الحرب كل شي اختلف تمّ مصادرة كل ما نملكه من أغراض بما في ذلك الأوراق والأقلام، وأصبحنا نخفي القلم كما كنا نخفي السلاح أيام المادة، والنضال ضد المحتل.
أذكر أنني عزلت على قصيدة كتبتها في الحرب تمَّ ضبطها في الزنزانة، كنت أحضرت ورقة من أسير أحضرها معه من محكمة الإداري، كانت برتوكول تمديد فترة سجنه، قبل الحرب كنا نكتب ونخرج ما نكتبه بالتهريب للخارج.
_ في عام 2015، كتبتَ أوّل رواية لك بعنوان (الأسير 1578)، وسردتَ فيها معاناتك في الأسر من لحظة اعتقالكَ حتّى ذلك العام.
ما هي أبرز اللحظات الموجعة الّتي عشتَها في الأسر؟
رواية الأسير ليست سيرة ذاتية، ولا تخصني وحدي، أردت من خلالها أن أكتب للناس خارج السجن كيف يعيش الأسير الفلسطيني من لحظة اعتقاله حتى الإفراج عنه، أردت من أبناء شعبنا أن يعرفوا من هم أبناؤهم الأسرى، وكيف يعيشون وكيف فرضوا على السجان احترامهم وكيف كان لهم دور في عملية النضال.
في الخارج رغم قسوة السجان.لحظات الوجع كثيرة لكن الفقد وكذلك الفرح، وانت لاتستطيع مشاركة عائلتك أفراحهم، وأحزانهم موجع جدا.
_ تغلّبتَ على صعوبة الحياة في الأسر، وكان أيضًا من بين ما كتبتَه ديوانُكَ (زفراتٌ في الحبِّ والحرب). ما نوع الشّعر الّذي تكتبه؟
وهل يتناول الدّيوان تجربتك في السّجن، أم يتحدّث عن الحرب بشكلٍ عامٍّ؟
أنا أكتب كل أنواع الشعر ولي ثلاثة دواوين شعرية كلها تحمل الاسم ذاته:
زفرات في الحب والحرب، ١+٢+٣ كلها تضم قصائد سياسية و قصائد غزلية.
أحمل جرح الوطن، وكذلك أكتب للحب الوجه الآخر للحرب من أجل الوطن.
تقول: "لقد كانت حياتنا في السّجون أشبه بالحيوانات"، وقلتَ لأحد الضّبّاط الإسرائيليّين مرّةً:
"كنّا نتمنّى أن تعاملونا مثلما تعاملون الحيوانات التي تربّونها في المنازل"!
ما الّذي جعلكَ تحتمل كلّ هذه المعاناة المريرة؟
هل هو الأمل بالحرّيّة، أم لأهدافٍ نويتَ تحقيقَها عند خروجك؟
قلت قبل الحرب كانت السجون شيء وبعد الحرب شيء آخر، كنا نموت في اليوم ألف مرة خلال أشهر الحرب، وكنت في نهاية كل يوم أصلي ركعتي شكر لله على أنه مضى اليوم دون أن نموت. الأمل بالحرية يجعلك تتحمل هذا الموت وهذا الرعب الذي تعيشه بشكل يومي لأنك تعلم أن هناك ضوء آخر النفق، والحمدلله كانت الحرية التي لم تكتمل ما دام هناك أسرى يموتون حتى اللحظة في السجون.
_ لديكَ مجموعة قصصيّة بعنوان (العرس الأبيض)، هل العرس هو التّحرير؟
وهل هذه القصص وطنيّة، أم اجتماعيّة؟
خياليّة أم واقعيّة؟
العرس الأبيض هي قصص حقيقية حدثت، ولا تزال تحدث في فلسطين، وقصة العرس الأبيض، هي قصة شاب فلسطيني كان يجهز ليوم زفافه نكل به الجنود على الحاجز في يوم كان الثلج يغطي شوارع المدينة التي يسكنها، فعاد لهم وطعنهم جميعًا، انتقم بكرامته وكرامة شعبه ليحكم مدة ١٥ عاما، تم يخرج ليجد خطيبته تركته وتزوجت غيره.
أحببت القصة وأبكتني لذلك سميت المجموعة باسمها.
الكاتب لايجوز أن ينسلخ عن قضايا شعبه يجب أن يكتب واقعه وآلام الناس وآمالهم، ووجعهم لذلك كل قصص العرس الأبيض حقيقية.
_ يقول أخوك في حديث لموقع (وفا):
"يحبّ أخي الشّعر منذ صغره، أحتفظُ بدفتر شعرٍ خاصٍّ به وهو بعمر 16 سنة...نتعلّم منه حبّ الشّعر... وحبّ الوطن".
كيف تنظر الآن إلى كتاباتك، عندما كنت في السّادسة عشرة، وهل تنوي طباعة تلك الكتابات؟
كتاباتي وأنا صغير كانت كتابة هواية دون معرفة أبجديات الشعر الأولى، كانت أقرب إلى النثر من الشعر رغم أنني لا أحب الوزن والقافية، التي تقيد الشاعر كوني أسير أمضى حياته في القيود، أطبع الشئ الجميل الذي يستحق النشر، والذي يمثل الوطن وجرح الوطن والى المرأة التي أحبها،كل امرأة حرة تصنع التاريخ.
_ كمدرّس للّغة العبريّة، ما هي الصّعوبات الّتي تواجهك، ومَن أكثر الفئات إقبالًا على تعلّم هذه اللغة؟
اللغة العبرية أتقنتها وأنا داخل السجن، وأكتب حتى الشعر فيها.
هناك مدارس تقوم بتدريسها لذلك أدرس في مدارس هنا في الضفة الغربية.
والعمال أيضا يرغبون بدراستها لأنهم يختلطون بأصحاب العمل في الداخل المحتل.
في ختام حوارنا، أترك لك مساحة صغيرة، لتقول ما يجول في خاطرك.
في الختام أشكركم على هذه المقابلة، وأشكر كل الإعلام الحر في الوطن العربي الذي يكون مرآة لهذه الأمة وآلامها، وآمالها، ويتناول القضايا العربية، والقومية الملحة وعلى رأسها فلسطين. الشكر الجزيل للأدباء والشعراء المبدعين في هذا الوطن العربي الجريح تحياتي إلى الأستاذة ميادة الرائعة والمبدعة، ولرئيس تحرير الموقع.
وشكراً لكم.
