حواري مع الكاتبة السّوريّة إيمان الدّرع
* موجز السّيرة الذّاتيّة:
إجازة في اللغة العربيّة.
دُعيت من قبل المراكز الثّقافيّة إلى مصر، والجزائر للمشاركة في افتتاح معرض الكتاب، ومشاركة الفعاليات، والأنشطة والتّوقيع لعامي: و2018 و 2017.
شاركَت كتبها في عدّة معارض:
الشّارقة، أبو ظبي، المدينة المنورة، الرّياض، بغداد . السّليمانيّة، الدوحة، القاهرة، الفيوم، مطروح، سلطنة عمان، الجزائر، جامعة بوعريريج، العلمة، إسطنبول.
لديها عدّة مؤلّفات روائيّة، وقصصيّة.
س١ ـــ عملتِ في المجال الإداريّ التّربويّ لمدّة ثلاثين عامًا، ما هي أجمل ذكرياتك عن تلك المرحلة من حياتك؟
ج١ — كانت هي الفترة الأجمل، رغم حمل رسالةٍ تربويّةٍ ثقيلةٍ بمهامها، عبر زمنٍ ممتدٍّ؟ طيلة هذه الأعوام.
..مضت بسعادةٍ وأنا أحقّق فيها إنجازًا تلو الآخر، بهمّةٍ لاتعرف الإحباط، ولا المستحيل.
وقد كبر فيها الحلم كشجرةٍ بدأت شتلةً مورقةً، وصارت جذرًا راسخًا في الأرض، لها فروعٌ ضاربةٌ في العلوّ والعطاء.
كانت مدرسةً إعداديةً صغيرةً، فصارت أربعًا:
إعدادي،ثانويّ بفرعيه: العلميّ، والأدبيّ، التجاريّ، والفنيّ النسويّ.
في كل زاويةٍ لي فيها ذكرى، وفي كلّ محطّةٍ صورٌ تتحرّك أمام ناظري، وتسكن فؤادي.
تفاصيلُ عشتها بين الطالبات وذويهن، بين الزملاء التربويين، والزميلات، وبين المشرفين ودوائرهم .. وبين أهل بلدة قدسيا التي أتيتها من دمشق طفلةً، فصرت منها، تغذّيني شرايينها بفيضٍ من الحبّ، مازلت أجني حصاده حتى اللحظة، عقب استقالتي عن العمل، بعد أداء رسالتي كما يتوجّب.
لقد جعلت منها مملكة الحب، والعلم، وهذا أجمل ماجنيته في حياتي .
س٢ _ هل ترين أنّ الكاتبة الأنثى، تكتب بحرّيّة في مجتمعاتنا الشّرقيّة؟
ج٢ -لاياعزيزتي ..مازالت هناك قيودٌ تكبّل خطوات الكاتبة الأنثى، فهي تبتلع نصف الحروف، خشية تفسيرات خاطئة أحيانًا، يطلقها القرّاء على ماتسرده: بين السطور.
إذ يخلطون بين الحدث، وبين شخصيتها، وتجاربها، ويسقطون عليها أحكامهم المغلوطة.
وإن أرادت أن تحكي سيرتها الذاتية، أو مذكراتها الشخصية، تتوارى تحت ألف قناعٍ، خشية اهتزاز نظرة القرّاء لها.
مازالت مجتمعاتنا الشرقيّة سيفًا مسلّطًا على قلم الكاتبة، وتحتاج إلى براعةٍ فائقةٍ في التعبير عن أفكارها، لتقدّمها بطريقةٍ تليق بالموروث وتبعاته.
_ س٣ كيفَ خدمتِ قضايا المرأة، ودعمت مسيرتها من خلال إبداعاتك؟.
ج٣ -منذ بداياتي ومن خلال تنشئة أسرتي: أبي الكاتب الأزهريّ المعروف : محمد خير الدرع ، أمي: لمياء حلبي شاعرة قاسيون ، إخوتي الذين حصلوا على أعلى المراتب العلمية.
كنت أحمل روح المثابرة، والإرادة
رغم زواجي بسنٍّ صغيرةٍ بعد الإعدادية، تابعت الدراسة بشكل حرّ، رغم وجود الأولاد، والكثير من العقبات، حتى حصلت على الشهادة الثانويّة، ثم الجامعيّة.
وقد قمت بمهام التعليم في كبرى ثانويّات حلب في بدايات العمر.
هذه الروح كنت أزرعها في طالباتي، بأن لاشيء مستحيل، وألاّ تكون المرأة نمطيّةً، تستسلم لواقعها، مهما كان محبطًا، ومعاكسًا، وأن يكون لديها روح التحدّي، والإصرار، وإثبات الذات.
وقد انعكس ذلك في كتاباتي، وفي المواضيع التي أبحر فيها برواياتي، وقصصي القصيرة، يجب أن أحكي عن الروح الإيجابيّة للمرأة.
وإن أشرت إلى روح سلبيّة في بعض الشخصيات المتداولة، فهي لدعوتها للتغلب على القهر، والتهميش، والاستكانة .
س٤ ــ تكتبين القصّة القصيرة، والمقال، والدّراما، والرّواية، برأيك هل التّنوّع أفضل من أن يختصّ الكاتب بجنس أدبيّ واحد؟
ج٤ -أستاذة ميادة: الكتابة بستانٌ متنوّع الأزهار، لكلّ زهرة رحيقها.
فلك ماشئت من القطاف.
عندما يتمكّن الكاتب من أدواته، يستطيع التعبير بسلاسةٍ عن أفكاره، تحت أي مسمى من الأجناس الأدبيّة.
والرواية برأيي: هي الوعاء الكبير الذي يستوعب كلّ ذلك، فبها يكمن المجال الإبداعيّ الشامل الذي يتيح لمخيّلة الكاتب أن تتحرّك بين السطور بحريّة، وتلقائيّةٍ.
س٥ _ كيف ترين الأنشطة الثّقافيّة في سورية؟
لا أقصد الكمّ، فهو كثير، أقصد المضمون.
ج ٥- الأنشطة الثقافية اليوم تعيش مرحلةً جديدةً، بعد مخاضٍ عسيرٍ، مرّتْ به سوريا الحبيبة.
تشقّ طريقها وسط هذه الأنفاس الجديدة، المتشوّقة لمناخٍ إيجابيٍّ، وثقةٍ مطلقةٍ في طرح الأفكار بكل جرأةٍ، وثباتٍ،
دون شلليّةٍ، ومحسوبيّات.
عندما يكون الكاتب حرًّا في التعبير عن فكره، متسلّحًا بقلمه المسؤول، يقدّم أفضل مالديه.
الأنشطة اليوم تدور في هذا المنحى الجديد.
قد تتعثّر،وقد تخطئ، وتصيب، ولكنها موجودةٌ، وتبحث عن مكان لائقٍ تحت الشمس.
كتّابُنا ثقاةٌ، ولهم مكانتهم، وقد زادتْهم تجاربُ الحرب القاسية نضجًا وعمقًا ودربةً .
س٦ _ لديكِ ستّ مجموعات قصصيّة، كيف ترين اختلاف أسلوبك في أوّل مجموعة قصصيّة نشرتِها عن آخر
مجموعة صدرت لك؟
ج٦-طبعًا كلّما أبحر الكاتب في مضمار الكتابة، تمرّس أكثر في فنونها، وسبر أغوارها، وعبّر بعمقٍ عن أفكاره، وأهدافه منها.
متوجّهًا نحو رسالته الأدبية، بأناةٍ، وثباتٍ.
تجاربه، وخبراته التراكميّة، تبدو جليّةً في فوارقها، بين البدايات، ومابعدها.
هذا من جهة الأسلوب، أما بالنسبة للمواضيع المطروحة في المجموعات القصصية الثلاث الأولى :( إني آسفة)، (آه لو تشرق الشمس)،(لابدّ أن أعيش):
كانت تتحدّث عن القضايا العامة للمجتمع : عن الفقر، والمحسوبيّات، والتهميش، عن الغدر عن الحبّ، عن الأمل، والقهر، ولذة الانتصار.
أما في المجموعات الثلاث الثانية: (البحر في لامبيدوزا)، ( عيون المها)، (عبورٌ في ذاكرة وطن).
فقد كان الخطّ الرئيس فيها يتمحور: حول الحرب التي أصابت شريان الحياة في بلدي، و أنزفته حد التعب، والإنهاك، قبل أن يبدأ في استعادة أنفاسه بعد السقوط.
تحدّثت عن الإنسان، ومواجعه فيها، بكل بقعةٍ من بلادي التي لاتعرف التفريق، والتأطير.
لقد وثّقت تلك الحرب بمدامعي وبحرقة أناملي.
س٧ _ لديكِ ثلاثيّة روائيّة عنوانها( قمر على ضفاف النّيل)، لماذا آثرتِ أن تكون(ثلاثيّة)، وما عناوين أجزائها، ومضمونها باختصار؟
ج ٧-في هذه الثلاثيّة الروائيّة رصدتُ التاريخ السوريّ من خلال مفاصله الهامة، في الفترة الممتدّة: منذ الخمسينات، وصولًا إلى فترة الحرب الشرسة القاسيّة التي عاشها السوريّون قاطبةً.
في الجزء الأول: (لاتذهب بدوني) ومن خلال تطوّر شخصية بطلة الرواية التي تحمّلتْ من الظروف مالايحتمله بشرٌ، فكان لابدّ أن تنتفض على الواقع، وترفض الظلم، لتحقّق حلمها أخيرًا.
وفيها بدايات الحرب، وتبعاتها، وماسبّبتْه من مواجعَ في قلوب البشر.
في الجزء الثاني: (رواية الفرنكة) توسّعْتُ أكثرَ في فتح عدسة المشهد حتى أقصاه، لتناول الواقع بعمقٍ كاشفٍ لارتدادات ظروف تيك الحرب من الجانب الإنسانيّ،من خلال نزلٍ في الشام القديمة، تمتلكه سيدةٌ تدير ذاك الفندق بحكمةٍ بين النزلاء الكثر من المحافظات السوريّة على تنوّعها، واختلاف أمزجة أصحابها.
وفي هذا النزل، يكون التنافر في البدايات جليًّا، ليتحول مع الوقت إلى ألفةٍ، ومحبةٍ، وتعاضدٍ.
حيث تتوحّد الدموع، لتشير إلى نظافة قلب السوريّ في النهاية.
في الجزء الثالث: (حي الطوافرة ):
لم أكتفِ بما أتيت به في الروايتين السابقتين في تجسيد الداء، والألم.
هنا حاولت التماس الحلول بمعالجة مرّ الواقع، لأحوّله إلى إرادةٍ، وتصميمٍ على الوقوف في وجه الظروف، بثقةٍ،وثباتٍ، ومصالحةٍ مع الذات، ومع الآخر، ومع الأم التي كانت في الرواية ترمز إلى الوطن، والبدء بحياة أفضل من جديدٍ
س٨ _ شاركتِ بمسابقة فيلم روائيّ قصير عنوانه( عين الذّئب)، وقد رُشِّحَ إلى القائمة القصيرة.
ما هي طموحاتك في مجال الدّراما السّوريّة، وهل ترين أنّ العمل الدّراميّ الجيّد، يأخذ حقّه من قِبل شركات الإنتاج، أم هناك محسوبيات؟
ج٨ -نعم شاركت بمسابقة أفضل فيلمٍ روائيٍّ في المسابقة التي أقامتها مؤسسة سوريانا الإنتاجيّة، الإعلاميّة بسيناريو نصٍّ بعنوان: ( عين الذئب ) وسط مشاركة أسماء كبيرة متخصّصة في هذا المجال.
الجميل في الأمر، ترشيحها إلى القائمة القصيرة.
في الحقيقة، كتاباتي القصصيّة، والروائيّة، مؤهّلة دائما لتحويلها إلى دراما، بمجرّد تفريغ شخوصها وحواراتهم على الورق.
لأنهم عندي أبطالٌ تتحرّك من لحمٍ، ودمٍ تشابهنا،تحيط بنا، تمثّلنا.
رواية الفرنكة، اختارها مخرجٌ سوريٌ كبيرٌ له العديد من الأعمال الدراميّة الضاربة.
تناقشنا طويلًا في أفكارها، ومجريات أحداثها.
ولكنّي توقّفت عند بعض النقاط التي طُلِب إليّ تغييرها، أو تعديلها ضمن السياق، وذلك عكس قناعاتي، لأنها إذّاك ستأخذ منحًى لم أكن أقصده بالمطلق، ولكنها في الوقت ذاته تشكّل خطوطًا دراميّةً لها ضرورتها عند المخرج للتسويق.
ومازال الموضوع بين أخذٍ، وردٍّ.
طبعًا الدراما لها صنعتها لتنجح وتنافس بقوّةٍ
ضمن هذا الصراع المحموم في العرض ضمن المواسم.
إضافة للمحسوبيّات، وتلميع الأسماء، هناك عنصر التنازلات أحيانًا في خطوط العمل، من قبل الكاتب، ولا خيار له في ذلك.
س٩_ تقولين: "أقيمت لي عدة ندوات تربوية هادفة في المراكز الثقافية، تخدم الجيل وتقدّم الإرشاد".
هل برأيك العدد القليل لمَن يحضرون النّدوات، هو شيء محفّز ليشارك الأدباء فيها؟
وما هي مقترحاتك لتشجيع النّاس على حضور النّشاطات الأدبيّة؟
ج٩- من حسن طالعي بأن تكون أمسياتي ومحاضراتي ضمن وجوه كثيرةٍ أعرفها، وتعرفني نتيجة خدمتي الطويلة في المجال الاجتماعيّ و التربويّ.. الحضور فيها جميلٌ، ومشجّع.
ولكن بشكل عامٍ، هناك عزوفٌ عن حضور تلك الأنشطة في المراكز الثقافيّة .
وهذا الأمر يحبط العديد من الأدباء الذين يحبّون التفاعل والتواصل مع الحضور، ويؤلمهم وجود ذاك العدد الكبير من المقاعد الفارغة.
أعتقد بأن للعامل الاقتصاديّ هذا الدور، لأن المواطن صارت لقمة العيش، وتصاريف الحياة القاسيّة تشغله بل وتؤرقه، وتعيقه عن الحضور.
س١٠ _ أين الكاتبة إيمان الدّرع من قضايا الشّعوب العربيّة المستعمرَة، وماذا كتبتِ عمّا يجري في غزّة؟
ج ١٠-طبعا أستاذة ميادة الكاتب الذي لايتفاعل مع قضايا أمته، بلده، وطنه العربي الكبير، ،فلسطين وجرحها الغائر غزّة،
من يمرّ على هذه الأحداث مرورًا سطحيًّا لاعمق فيه، يكون مقصّرًا في حقّ نفسه، وعروبته.
إذ كيف يسكت على مجازر يراها على مرأى الشاشات في العالم، ولايتحرك ضميره نحو شعبٍ يُباد، متمسّكٌ بأرضه.
كتبتُ الكثير من النصوص، والمقالات التي تستنكر مايحدث ومن ضمنها قصة بعنوان.: (عرس حمودة ):
تحكي عن قصفٍ همجيٍّ دكّ أحد بيوت المدنيين العزّل بكل من فيه.
تموت الأم،و أولادها، ومنهم ابنها الشاب (حمودة ) الذي كان يستعدّ للزفاف.
يذهب عقل الجدّة التي كفلتهم بعد موت ابنها.
لا تصدّق رحيلهم . وعند كل عشيّةٍ تزور الركام، تحادثهم، وترقص من أجل حفيدها حمودة، وكأنها تزفّه فعلًا .
وهذا مقتطف من النصّ الذي أختم به القصة:
يأخذ الجدّة الحماس، تهبّ لتقف وسطهم، تحمل عكّازها، تهزّها في الهواء، ترقص، أعظامها الناتئة تشتكي،لا تبالي، مازالت ترقص، تلهث، تتقطّع أنفاسها، تجرّها لتزغرد على وهنٍ، تطلق مواويلها، يأخذها عصفٌ من اللهاث، تجلس على حافة حجر الحوض.
ظلّان لشابين يافعين، يمرّان جانب البيت، خرجا للتوّ من الجامع بعد صلاة الفجر، يضربان كفّاً بكفٍّ: لا حول ولا قوّة إلا بالله، جُنّت العجوز، من يوم أن أُزهقتْ أرواح أحفادها، وأمهم على أيدٍ تتريّة النصل، مجنونة الحقد، أحالت شراشف أسرّتهم البيضاء، إلى بركان دمٍ يتفجّر لعناتٍ على البشريّة كلّها.
منذ هذا اليوم الأسود وهي تأتي في نفس التوقيت، تحاكيهم، تقبّل أطيافهم، تحتضن تردّد أنفاسهم، نعم جُنّت وذهب عقلها ــ أعانها الله ــ لم تستوعب بعدُما حصل لهم، ترفض تصديق ماجرى، إنها تراهم حقيقة، وتخمش مولولةً وجه كلّ من يقول لها: إنهم ماتوا.
سمع المزيد من رجال الضّيعة أصواتها المذعورة، فتوافدوا تباعاً.
كانت ما تزال بيأسٍ تستجدي حضورهم مردّدةً: ــــ قوموا..أفيقوا ، ردّوا عليّ، أينكم؟ أينكم ؟؟قومووووا..يا أهل الدار!!
بُحّ صوتها بانكسارٍ، وابتلعتْ الكثير من حروفٍ لم تعدْ مفهومةً..
ــ تعالي يا حاجة: هيّا معنا، ليسوا هنا ، تعالي ياخالة.
تتملّص من بين أيديهم: دعوني..اتركوني يا كفرة، لن أذهب معكم قبل أن أزفّ حمّودة، اليوم عرسه، وراحت تخبط العكّاز بالأرض يمنةً ويسرةً، وهي تميل بجسدها النحيل على وهنٍ:( شوبااااااش للعريس..حوّطتك بياسين...)
ثمّ راحت تلطم خدّيها، وتشقّ جيبها، تقرفص متكوّمة على بعضها كظلّ أسودَ هزيلٍ، أخذ يمتدّ ليغطّي كلّ المساحات، مطلقةً صرخةً، أدمتْ بزوغ الفجر،هزّت غضب الريح:
آااااااااااه يا اولاااااادي ......
