حوار مع الشّاعر السّوريّ خلف إبراهيم
موجز السّيرة الذّاتيّة:
خلف إبراهيم
مواليد الرّقّة
لديه ديوان بعنوان (ولادة في المنفى)
صادر عن دار السّرد في العراق
وديوان آخر قيد الطّباعة.
السؤال الاول: ولدتَ كما تقولُ" على كتف الفرات"، فماذا تعني لك هذه الولادة في محافظة الرَّقَّة؟
– ولدتُ في قريةٍ من قرى الرقة، هناك حيث يكتب الغبار سيرة الضوء، وحيث تختبئ الطفولة في جيوب الريح. قريةٌ لا تحدّها الحكايات بل تفيض منها، كأنها قلبٌ مفتوح على اتساع الذاكرة و الرقة فلي معها صلةُ طفلٍ بوالديه برّها واجب، ونسيانها عقوق.
هناك حيث يكتب الغبار سيرة الضوء، وحيث تختبئ الطفولة في جيوب الريح. قرية لا تحدها الحكايات بل تفيض منها، كأنها قلب مفتوح على اتساع الذاكرة.
توقفت عن دراستي عند الصف الثالث الإعدادي، لا لأن الحلم انكسر، بل لأن الحياة وضعت ثقلها على كتفي مبكرا؛ أغلقت دفتري لكنني أبقيت نافذة الروح مفتوحة أتعلم منها ما لا تكتبه المدارس.
والرقة فهي دمي حين يجف وصوتي حين يصمت؛ هي الأم التي لا تغيب وإن غبت عنها. برها صلاة ونسيانها خطيئة.
وحين ضاقت الجهات حملتني المنافي كغصن اقتلعته ريح بعيدة
السؤال الثاني: كيف كانت طفولتك، وماذا تحدّثنا عن قريتك، وأبرز ملامحها التّاريخيّة، والجغرافيّة، والخدَميّة؟
– كانت طفولتي شقيّةً على كتف النهر، ومنذ نعومة أظفاري كنتُ ألاحق كلَّ كتابٍ تقع عليه يدي، كأن القراءة غريزة. كانت الحياة يومها بطعم الحليب الشائِط ونكهة الخبز المحترق؛ قاسيةً لكنها عزيزة.
أمّي امرأة عاملة، ربّتني وإخوتي بأرقى ما يكون من الخلق والتربية، ولا تزال. وكنتُ مولعًا بألعاب الطفولة القديمة، بالسباحة، وبالنزهات التي كانت تفتح للعمر نافذة فرح.
السؤال الثالث: هل كانَ ابنُ الرَّقَّة يحلمُ بزيارةِ دمشقَ، وكيف كانت الزّيارة الأولى لها، هل من مقارنات أعملَها العقل ما بينَها، وبين الرّقّة؟
– ان دمشق، كانت الحلم البعيد الذي يُرى ولا يُنال، بحكم البعد الجغرافي، كأن السفر إليها سفرٌ إلى دولةٍ أخرى. كنا نكتفي برؤيتها على التلفاز، خصوصًا في أيام الجمعة والأعياد، حتى صارت تعيش في القلب قبل أن تُرى بالعين، ياسمينًا على شرفة الطموحات.
السؤال الرابع: لماذا كان السّفر إلى الأردنّ، وكيف كانت أولى أيّام الغربة بعيدًا عن حضن سورية؟
– كان السفر إلى الأردنّ ثورةً صامتةً على الفقر والعوز، سعيًا لتحسين وضع العائلة، رغم رفض أمي وأبي—رحمه الله—وخوفهما عليّ لصِغر سني، إذ لم أتجاوز السادسة عشرة.
ثم نضج في داخلي قرارُ الرحيل، فمضيتُ إلى دمشق مع خالي، وعملتُ في الباطون والبلاط، أجمع ثمن الطريق إلى غربةٍ كنت أظنّها نجاة. وحين بلغتُ الحدود الأردنية، تبدّل في داخلي كلّ شيء؛ كأنّ البلاد صارت خلفي أكثر حضورًا من أمامي، وغدا الهواء والناس والطبيعة غرباء دفعةً واحدة، وأدركتُ مرارةَ مغادرة الوطن لأول مرة.
السؤال الخامس: ماذا عن المحطّة الثّانية في حياتك(لبنان)؟
ماذا تحدّثنا عن عملك الآن، وإبداعك هناك، هل أفدتَ من تجارب أدبيّة لبنانيّة؟
– في لبنان أعمل في صيدلية؛ عملٌ غير شاقّ، يهبني راحةً ومعاملةً طيّبة.
أما تجربتي الأدبية، فلي منها القراءة وحضور الندوات في بعض المراكز.
ولبنان يعني لي الكثير؛ برقيِّ أهله، واتساع حضوره الأدبي والفني. أُحبّ كثيرًا من أدبائه وشعرائه الذين شكّلوا نبراسًا في ذائقتي، ومنهم: جبران خليل جبران، ووديع سعادة، وسعيد عقل، والقائمة تطول.
كما أعشق في فنه السيدة فيروز، بصوتها الذي يوقظ الصباح في داخلي، ومارسيل خليفة، وزياد الرحباني، وكلّ بيتٍ من بيوت الرحابنة؛ لهم جميعًا في قلبي مقامٌ رفيع، وحضورٌ لا يُنسى.
السؤال السادس: ديوانك(ولادة في المنفى) ما نوع الشّعر، وما مضامين قصائده؟ من كتبَ عنه نقديًّا؟
– وبصدقٍ مؤلم، فإن ديواني \ولادة في المنفى\ لم يُبصر النور كما ينبغي، ولم ينل حظّه من الاهتمام
حتى إنني لم أظفر بنسخةٍ منه، إذ حالت الحربُ والاضطرابات السياسية دون ذلك. يضمّ الديوان قصائدَ نثرٍ وخواطر وومضات، تدور حول الحب، وفلسطين، وسوريا، وعذابات الإنسان السوري تحت وطأة نظامٍ طاغٍ وقمعي.
السؤال السابع: ما الّذي يميّز قصيدة النّثر برأيك عن القصيدة العموديّة، ولمَ لا يتقبّل البعض الحداثة؟
– ما يميّز قصيدةَ النثر، في نظري، أنّها تُراهن على حرّيّة المعنى قبل انتظام الوزن؛ تُصغي إلى إيقاع الداخل لا إلى قيود البحر، وتفتح للغة أفقًا أوسع للتجريب والدهشة.
أمّا القصيدة العمودية، فعلى جلالها، أشعر فيها بشيءٍ من التضييق على اندفاعي، كأنّ الوزن يسبقني إلى المعنى.
ولعلّ بعضهم لم يتقبّل الحداثة، لأنها كسرت الألفة، وخلخلت ما اعتادته الذائقة من نظامٍ راسخ. أما أنا، فأميل إلى الشعر المعاصر وقصيدة النثر، حيث أجد نفسي أكثر حرّيّة، وأقرب إلى الصوت الذي يشبهني.
السؤال الثامن; تقول:
"أيّها الموت
وأنت تمشي في ظلّ الحرب
لا تتركِ الأطفال على الأرض
اجمَعهم كنجومٍ سقطت من يد السّماء"
هل نستطيع بالشّعر أن نعيد للحياة وجوهَ الأطفال حينَ تأخذهم منّا الحرب؟
– نستطيع بالشعر أن نحفظ وجوههم من الغياب، أن نمنحهم حياةً في الذاكرة لا تطالها الحرب، لكننا لا نملك أن نعيدهم إلى الأرض. الشعر يُخلّدهم… لا يُنقذهم.
السؤال التاسع: ماذا كتبتَ لأطفال غزّة؟
– #غزة #تودعكم
اطمئنوا يا بني يعرب
من صغيركم حتى عجوزكم،
غزة تلفظ أنفاسها الأخيرة.
غزة تودعكم، وتشكركم
على حسن المتابعة
لرقصها الحزين
على أطلال هوانكم.
تشكركم
على تصفيقكم الحار
للنازية
التي اجتثت كل شرايين الحياة
من قلبها.
شكراً يا عرب.
خلف ابراهيم
صرخة من عمق السكون\
زملّي خطوط يدي من نسيج حرف اسمكِ العذب
أوقدي مدفأة عينيك بحطب طموحاتي الندي
قلّبي جثث ظنوني ببنان لهفتك
لا مناص للنجاة من دون حب
ولا لتلك الكسور أن تجبر دون جمعها
بصَرخة مدوية تخرج من أعماق عينيك الثائرة
لا تتركيني كخاتم أبي المدبب الذي قال لنا سأعود
ونحن للآن ننتظر تحت ظل ملاءة أمي
لا تتركيني مثل قمصاني المشنوقة في الخزانة
مثل الزهور الاصطناعية من دون رئة
مثل غزة التي عاشت تعلّم الموت كيف يموت
وتعلم الحياة كيف تصحو من بين الركام
لا تتركيني مثل هذا العالم الذي يتغنى بالقوة
وهو قد مات مذ مات محمداً
أنا يا سيدة الأدب حرف علة لا زال يجر السكون
ليضم الحب على أدراج المجاز
زمليني.
أخشَى أن يبقى السكون حبيس أدراج المجاز للأبد.
خلف إبراهيم
السؤال العاشر: ماذا تقول للكاتب أو الشّاعر المتناسي هموم الآخرين، المتعالي على جراح المنكوبين؟
– أقول ليس أدبًا ما يعلو على وجع الناس، ولا شعرًا ما يمرّ على الجراح كأنه لا يراها. فالكلمة التي لا تنحاز للمكسورين،
ترفٌ بارد… لا حياة فيه.
السؤال الحادي عشر: حدّثنا عن جديدك: نوعه الأدبيّ، عنوانه، مضمونه، توقيت ومكان صدوره.
– جديدي ديوانٌ يتكئ على الومضة النثرية وقصيدة النثر، يقطف من الحبّ، والغزل، ووجدان البلاد ما يتيسّر من الدهشة.
ومن المنتظر إن شاء الله أن يرى النور في دمشق، تحت عنوان: «قبلةٌ واحتمالٌ مكسور»، مع أواخر هذا العام؛ كأنه محاولةٌ لرتق ما تكسّر من المعنى في جهة الضوء.
وفي الختام، أتقدّم بخالص الشكر والتقدير لموقع ديوان العرب الممتد على أرجاء العالم، هذا الصرح الأدبي والثقافي والاجتماعي المتميّز الذي يجمع الكلمة ويصون أثرها ويمنح الإبداع فضاءه الأرحب. والشكر موصولٌ للأديبة الشاعرة والإعلامية الأستاذة ميادة سليمان على هذا الحوار الراقي، الذي أنصت للروح قبل أن يسأل، وفتح للكلمة نوافذ الضوء.

مشاركة منتدى
١٩ نيسان (أبريل), ١٤:٣٥
كلُّ الشكرِ والتقديرِ للأديبةِ الشاعرةِ الإعلاميةِ الأستاذةِ ميادة على هذا الحوارِ الراقي ونشرِه،
كما أتقدّمُ بوافرِ الامتنانِ لكلِّ القائمينَ عليه، تقديرًا لجهودِهم القيّمةِ في إظهاره بهذا المستوى اللائق.