

حضور المسرح الأمازيغي في إقصائيات مسرح الشباب
تمهيــــد
نظمت مندوبية وزارة الشباب والرياضة في الناظور بالمغرب الأقصى أيام 28-29-30 ديسمبر 2007م تظاهرة مسرحية ثقافية ناجحة بالمركب الثقافي تحت شعار " مسرح الشباب أساس التربية على المواطنة والتضامن"، استعدادا لإقصائيات المهرجان الوطني الخامس لمسرح الشباب التي ستكون بمدينة الرباط في أواخر شهر مارس سنة 2008م. وتتخذ هذه الإقصائيات بعدا محليا وجهويا ووطنيا كل سنة قصد اختيار أحسن عرض سينوغرافي متكامل.
هذا، وقد عرضت ست مسرحيات مختلفة اللغات و المضامين والأشكال والمقاصد للتباري والمنافسة وهي: مسرحية" الكواليس"، ومسرحية" ثشومعات/ الشمعة"، ومسرحية" علي... واللصوص"، ومسرحية" يوميات مجانين"، ومسرحية" مملكة المشردين"، ومسرحية" كلام الناس".
وتتكون لجنة التحكيم التي سهرت على تقويم هذه العروض المسرحية من الدكتور جميل حمداوي والمخرجين المسرحيين: سعيد المرسي وفاروق أزنابط.
ومن المسرحيات التي قدمت باللغة الأمازيغية الريفية نذكر مسرحيتي:" ثشومعات/الشمعة" من إخراج عبد الواحد الزوكي، ومسرحية " يوميات مجانين" من إخراج محمد أغربي.
1/ مسرحية" ثشومعات/ الشمعة" (عبد الواحد الزوكي):
أول ما يلاحظ الناقد أثناء قراءة العرض المسرحي الأمازيغي المكتوب باللغة الريفية والمعنون بالشمعة " ثشومعات" أنها مسرحية تجريبية غنية بالنظريات المسرحية ودسمة بالتصورات الإخراجية الحديثة، بل يمكن القول بأن "تشومعات" هو العرض الأول في المهرجان الأكثر غنى بالنظريات الدرامية المعروفة في الساحة المسرحية العالمية بصفة عامة والعربية بصفة خاصة.
ويلاحظ من حيث المضمون أنها مسرحية مفتوحة دلاليا، فهي تتناول قضايا أمازيغية محلية وقضايا جهوية ووطنية وعربية قومية وقضايا إنسانية. ومن هنا، فالمسرحية تتناول قضية التشبث بالأرض والدفاع عن الهوية الأمازيغية، وتجسيد مآسي الإنسان الأمازيغي الذي يعاني من اليتم والتهميش والإقصاء.
وتستدعي المسرحية قيم السلام والخير والمحبة، وتستهجن القيم المضادة كالتطرف والكراهية والشر، وتنبذ التسلط والبطش والحيف والظلم، وتندد باللامبالاة وسياسة الإقصاء والتمييز، وترتضي المسرحية أن تكون الشمعة سبيلا لإنارة دروب اليتم والجهل والإقصاء من أجل حياة سعيدة بديلة.
وتستند المسرحية إلى مجموعة من التقنيات الإخراجية كاستعمال المسرح الأسود والمسرح الشرقي (توظيف التنين الصيني) وتشغيل الموروث الدرامي الأمازيغي المحلي الذي يتمثل في هلالارو ولعبة الحصان والفلكلور الريفي المعروف برقصاته الإيقاعية الموزونة وضرباته المشدودة بدقات الأرجل على الأرض، والعمل على إبراز حرف الزاي الأمازيغي الذي يتجسد في السيف المهند الذي استطاع به الممثل أن يقطع رأس التنين الذي يرمز إلى البطش والطغيان، كما استعمل المخرج بعض الفرجات الاحتفالية والصوفية الرمزية ذات البعد الديني والروحي كتوظيف طقوس العيدين من هيللة وحمدلة و تكبير وتسبيح ، واستخدام الموسيقا العالمية المؤثرة والكوليغرافيا السوداء المعبرة.
ومن ثم، فمسرحية " ثشومعات/ الشمعة" مسرحية تجريبية غنية بالتصورات الإخراجية ، وهي كذلك مسرحية حداثية تزاوج بين التأصيل المحلي والانفتاح على القضايا الإنسانية العالمية في ثوب مسرحي تراجيدي يتغنى بقيمة اليتم واللامبالاة والظلمة في مقابل النور و التعايش والتضامن والاعتراف بالآخر.
2/ مسرحية" يوميات مجانين" (محمد أغربي):
تصور المسرحية الأمازيغية المكتوبة باللغة الريفية ، التي أشرف عليها محمد أغربي المخرج الصاعد الذي نتمنى له من أعماق قلبنا كل النجاح والتوفيق في مسيرته الفنية ، مجموعة من المجانين الذين ثاروا على الواقع الموضوعي ليمارسوا داخل مستشفى الأمراض العقلية لغة اللاعقل وخطاب الاحتجاج ضد سلطة العقل التي يستغلها المتجبرون البرگماتيون لاستعباد الإنسان وتحويله إلى أرقام ضائعة وكيان بشري ضائع وكائن عابث.
ونحن على أمل كبير بأن هذا المخرج سيحقق كل ما يبتغيه من وراء حبه لعالم الفن والدراما مادام قد صاغ مسرحية اجتماعية أمازيغية مقبولة فنيا ونقديا يناقش فيها ثنائية العقل واللاعقل وصراع الإنسان مع منطق الاستلاب. وسيكون لمحمد أغربي إن شاء الله مستقبل زاهر في مجال الإخراج المسرحي، والدليل على ذلك مسرحيته الجديدة " يوميات مجانين" التي اجتهد فيها أيما اجتهاد على الرغم من نقص الإمكانيات المادية والمالية. فأبدع لنا عرضا اجتماعيا جديدا فيه نوع من التقنيات الفنية، وبذلك يتجاوز الأخطاء السابقة التي ارتكبها في مسرحيته الطفلية الأولى بسبب حداثة احتكاكه بالمسرح في مدينة الناظور التي تفتقد إلى معاهد التكوين المسرحي وقاعات العروض التي يتدرب فيها الممثلون، ويمكن لهم فيها أن يطلعوا على أحدث النظريات المسرحية تنظيرا وتطبيقا وتدريبا.
وهاهو المخرج محمد أغربي يعود مرة أخرى إلى الخشبة المسرحية بتحد وصبر وصمود ليقدم عملا شبابيا جيدا على الرغم من بعض الهفوات والملاحظات التي لاتحط من قيمة عرضه المسرحي ولا تنقص من اجتهادات هذا المخرج الصاعد. وأنا على يقين تام لو أتيح لهذا المخرج الشاب تكوين مسرحي في ورشة تدريبية أو معهد مسرحي سيكون مخرجا متميزا في المستقبل القريب إن شاء الله.
ومن جهة أخرى، تشخص مسرحية محمد أغربي حياة بعض المجانين في إحدى المستشفيات الخاصة بالأمراض العقلية، ويتعرض هؤلاء المجانين إلى الاستهزاء والسخرية من قبل الطبيب والممرضة معا. فمن هؤلاء المجانين من يدعي بأنه سليم الذهن والسريرة، وهناك من يدعي بأنه فنان موهوب من خلال الفرجات الدرامية التي يقدمها أصحابه المجانين داخل المستشفى في حضور الطبيب لتشخيص تناقضات الواقع البشري وتجسيد الصراع الجدلي المرير بين ثنائية الخير والشر و ثنائية الحب والكراهية، وهناك من يثبت بأنه شاعر متميز يملك ريشة سحرية في نقد الواقع والمدينة الملغومة بالأنانية وخدمة المصالح الشخصية .
ويلاحظ على هذه المسرحية أنها اجتماعية الطرح والمضمون، صيغت في قالب كلاسيكي يحترم الوحدات الأرسطية الثلاث، مع الانفتاح النسبي على تقنية المسرح داخل المسرح. لكن مايمكن ملاحظته هو أن العرض بقي أسير الشعارات والتقرير المباشر والسجال السياسي. ويحتاج الممثلون إلى تداريب إضافية وتكوين نظري وتطبيقي، وهناك نقص ملحوظ على مستوى السينوغرافيا وتأثيث الديكور، ولم تشغل المؤثرات الموسيقية والضوئية والكوليغرافية بشكل جيد.
وقد أقحم الكاتب القضية الأمازيغية بشكل غير طبيعي وغير مقنع؛ لأن المخرج كان يتحدث عن موضوع الجنون الذاتي والفني والواقعي في صراع مع سلطة المؤسسات الرسمية، لينقلنا بسرعة في المشهد الأخير إلى التغني بالكينونة الأمازيغية من خلال توظيف الزاي الأمازيغي وتشغيل حروف تيفيناغ دون أن يمهد المخرج لذلك تمهيدا منطقيا ومستساغا من الناحية الفنية.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات التي يمكن أن يستفيد منها المخرج وأعضاء فرقته، فإن المخرج محمد أغربي على العموم في تحسن مستمر، وله غد زاهر في مجال الإخراج إن استطاع أن يتعلم من الآخرين، ويسمع نصائح النقاد والجمهور، ويقرأ كتب الإخراج والتدريب المسرحي.
خاتمــــة
نشكر في الأخير وزارة الشباب والرياضة التي تقوم بدور كبير في خدمة المسرح الأمازيغي وتنشيطه بشكل جدي ليتبوأ هذا المسرح الصاعد مكانته اللائقة محليا وجهويا ووطنيا على الرغم من كون هذا العمل من مسؤولية المعهد الملكي للغة والثقافة الأمازيغية الذي بقي مكتوف الأيدي لايحرك ساكنا ليساهم بدوره في تنشيط المسرح الأمازيغي وتفعيله ميدانيا عبر الندوات والورشات التكوينية والمهرجانات المكثفة، ولا نريد من المعهد أن يكون صندوقا للتبرعات الاجتماعية، يوزع المنح المالية في إطار مايسمى بالدعم الجمعوي قصد تطويق الجمعيات سياسيا واحتوائها قانونيا، بينما لا تشكل الثقافة ضمن خريطة المعهد وتصورات مسؤولي المؤسسة إلا هاجسا هامشيا وحيزا ثانويا، وما أعنيه من كلامي بكل وضوح وجلاء ألا يكون المعهد الملكي مؤسسة سياسية لاحتواء الجمعيات الأمازيغية وإسكات غضبها ليس إلا، بل نريد أن يكون منبرا ثقافيا وأكاديمية علمية ومعهدا للبحث الثقافي والإنتاج المعرفي والرقمي، ومؤسسة فاعلة وساهرة على الفنون والآداب والعلوم التي ينتجها المثقفون والمبدعون الأمازيغيون بدون إقصاء وتهميش وطرد وتمييز عرقي.