الأحد ٨ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

العائلة

في تلك البقعة التي سقطت من ذاكرة الطرق، حيث السماءُ ثوبٌ رماديٌّ رثٌّ لا يكفُّ عن الاهتراء، برز هيكلٌ صلبٌ كعظمةٍ ناتئةٍ في جسد الأرض. لم يكن بيتاً بالمعنى الذي تألفه الأبواب، بل كان "ذاكرةً" جدرانها من طينٍ وعناد. هناك، لم تكن الريح مجرد هواء، بل صدى أجيالٍ رحلت وهي تحاول القبض على سرّ لا يراه سواهم.

في زاويةٍ قصيّة لم تطأها الشمس، كان يعقوب يجلسُ منكفئاً على ذاته، بين يديه قطعةُ خشبٍ صلدة ينهشها بسكينٍ ثَلِمة، محاولاً استرداد ملامح وجهٍ غيَّبه غبار الرحيل. لم يكن ينطق؛ ففي ذلك الحيّز الضيق، كانت الكلماتُ عملةً رديئةً لا تشتري طمأنينة، وكان الصمتُ هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تبرير.

بجانبه، كانت المرأة تحرك وعاءً فارغاً فوق موقدٍ قتله البرد. كان رنين الملعقة الخشبية على قاع القدر يصدرُ إيقاعاً رتيباً، يحاكي نبض قلبٍ في ذروة الانتظار. لم يكن هناك طعام، لكنها كانت "تطبخ الصبر"، توزعُ بخاره الوهميَّ على صغارٍ نمت عيونهم من فرط الجوع حتى التهمت وجوههم النحيلة؛ أولئك الصغار الذين أتقنوا قراءة الحكايات في فيء الجدران، ورسموا خيولاً جامحة تركضُ على سقفٍ يتهدد بالانهيار مع كل شهقة ريح.

لم يكن الخطرُ في الخارج قذيفةً أو دوياً عابراً، بل كان "النسيان". فكلما اشتدَّ عصفُ الريح التي تقتلعُ الأشجار الضاربة في القِدم، كان سكانُ هذا الهيكل يزدادون التصاقاً؛ لم يكن تلاحماً جسدياً فحسب، بل كان وحدةً وجودية تنعكسُ ظلالاً على الجدار؛ فإذا مال أحدهم، مالت الأجسادُ الأخرى لتسنده، وكأنهم كيانٌ واحد بقلوبٍ متعددة.

في ليلةٍ استثنائية، حين قررت السماءُ أن تمطر شظايا من الجليد، أحضر الابنُ الأصغرُ قبضةً من ترابٍ غريب، ترابٍ بكرٍ لم تلوثه أقدامُ الهاربين. وضعه في مركز الغرفة، وتحلقوا حوله كجماعةٍ تمارسُ طقساً سرياً. لم تكن هناك بذور، لكنهم بدأوا جميعاً، بحركاتٍ دقيقةٍ ومقدسة، يسقون ذلك التراب "بنظراتهم"؛ نظراتٍ مشبعةً بصورِ غاباتٍ لم يروها، وبأنهارٍ لم يسمعوا خريرها إلا في أضغاث أحلامهم.

فجأةً.. حدث ما لم يكن في الحسبان. لم تنبت شجرةٌ خضراء، بل انبثق "ضوء". خيطٌ رفيعٌ من النور انسلَّ من قلب التراب، شقَّ عتمة الغرفة بحدة، وصعد ليرمم الثقوب في السقف. في تلك اللحظة، كفت السماء عن البكاء فوق رؤوسهم، ولم تعد الريحُ تجرؤ على اقتحام تلك الخصوصية المقدسة.

وضع الابنُ الأصغرُ يده فوق قبضة التراب المتوهجة، والتفتَ صوبَ يعقوب هامساً بنبرةٍ مرتعشة: — أبي.. هل يخبو هذا النورُ إذا جفَّت أحلامنا؟

توقف يعقوب عن النحت، ونظر إلى صغاره المتحلقين كحلقةِ سوارٍ لا تُكسر، ثم أجاب بصوتٍ هادئٍ يحملُ وقار السنين: — يا بني، النورُ لا يموتُ إلا حين يظنُّ المرءُ أنه ينجو بمفرده. طالما نقتسمُ الخوفَ والأملَ في وعاءٍ واحد، سيظلُّ هذا البيتُ يضيء، ولو هدمت الريحُ آلاف الجدران.

أدرك يعقوب حينها أن الهيكل ليس من طين، وأن الموقد ليس هو مصدر الدفء الحقيقي. كانت "العائلة" هي تلك المساحة التي تتسعُ لتشمل الكون كله حين يقرر الجميع أن يحلموا ذات الحلم في اللحظة ذاتها. ومع انبلاج الفجر، لم يتغير البيتُ في مظهره، لكنَّ العائلة تحولت إلى "أغنية صامتة"، لَحْنها الصمود، وكلماتها تكرارُ الحضور رغم كل أسباب الغياب. بقوا هناك، كنقطةٍ صلبةٍ في جوف العدم، يثبتون للعالم أنَّ الرماد حين يجتمعُ بحب، يشتعلُ ضياءً لا ينطفئ.

ت 2018


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى