الحصن الأخير
من يتأمل صمود الغزاويين يدرك أن في الإنسان مساحةً عصيّة على الاحتلال؛ مساحة لا تُرى بالعين، ولا تُحبس بالأسلاك والجدران.
قد تضيق، لكنها لا تختفي. قد تُرهق، لكنها لا تموت.
ومن هذه المساحة تبدأ الحرية، ويولد الفجر، وتبقى الأحلام ممكنة.
تُروى حكاية رمزية عن معتقل أدرك فيه السجّانون أن التعذيب النفسي قد يكون أمضى من السياط؛ وأن الإنسان لا يُكسر دائمًا بما يؤلم جسده، بل بما يفرغ حياته من المعنى.
تركوا الصمت يتمدد في الزنازين، وجعلوا من الجوع عقابًا، ومن الذل سجنًا. عزلوا الأجساد، وأطفؤوا الأضواء، ومنعوا الكلام، وحاولوا بكل السبل أن ينتزعوا من الأسرى ما تبقى من آدميتهم.
لكن السجناء ابتكروا مقاومة لم تخطر للسجّانين على بال.
ابتكروا في خيالهم فتاةً جميلة.
لم تكن لها هوية، ولا بطاقة، ولا اسم في سجلات العالم؛ لكنهم منحوها اسمًا، ورسموا لها ملامح، ونسجوا لها حضورًا دافئًا في الليالي الباردة.
كانوا يتركون لها المكان الأفضل، ويخفضون أصواتهم إذا «مرّت»، ويعتذرون لها إن بدر منهم ما لا يليق. وكانوا يتعاركون، بشراسة تشبه الحياة، على من ينال التفاتةً من طيفها أو يحرس نومها.
وفي الليالي الطويلة، حين كان البرد يتسلل إلى العظام، كانت تهمس لهم:
«غدًا تعودون إلى بيوتكم وأهلكم.»
فينامون سعداء.
لم تكن الفتاة موجودة في جغرافيا الواقع، لكنها كانت حاضرة في ذلك الركن العميق من الإنسان الذي لا تصل إليه يد السجّان.
كانت نافذةً مفتوحة في جدار العتمة، وشيئًا جميلًا لم تتم مصادرته، ومساحةً ظل الإنسان فيها سيدًا على نفسه.
وحين أدرك السجّانون أن معنويات الأسرى بدأت ترتفع، جاء قائد السجن، مدججًا بالسلاح، وصاح:
«سلّموني الفتاة... وإلا ضربتكم بالسياط.»
ساد الصمت.
صمت كثيف، كأن الزنزانة كلها حبست أنفاسها.
ثم جاء صوت من بعيد:
«لن نُسلّمها.»
وتبعه آخر، ثم ثالث.
حتى صار الرفض جدارًا منيعًا.
في تلك اللحظة اكتشف السجّانون حدود قوتهم.
بوسعهم إغلاق الأبواب، وتقييد الأيدي، وكسر العظام، ومنع الطعام. لكن أيديهم تعجز عن الوصول إلى المكان الذي يصنع فيه الإنسان عالمه الخاص.
هناك، كان السجناء أكثر حرية من السجّان.
وحين فُرّق الأسرى في زنازين انفرادية، ظن السجّانون أنهم أنهوا الحكاية. لكنهم لم يعرفوا أن الحكاية لم تكن في الزنزانة أصلًا.
في فضاء خيالهم، أطلق السجناء خيولًا جامحة، وفيلةً تعبر البراري، وطيورًا لا تعيقها الأسوار. راحت تجوب فضاءً لا يعرف القضبان.
هذه الحكاية تختصر شيئًا عميقًا عرفه الفلسطينيون في أشد لحظات القصف والتهجير قسوة:
أن الإبداع ليس هروبًا من الواقع، بل آخر معقل يعتصم به الإنسان حين يُجرّد من كل شيء.
حين تُغلق الأبواب، يفتح الإنسان نافذةً في داخله.
وحين تُصادر الأشياء، تبقى الأفكار.
وحين يُحاصر الجسد، يستطيع العقل أن يبني لنفسه سماءً لا تطالها الأسلاك الشائكة.
ولم يكن الأدب، في تجارب كثيرة، ترفًا في مواجهة السجن والقهر، بل كان ضرورة.
احتفظ نيلسون مانديلا، في معتقله، بصفحات من شكسبير، وتداول المعتقلون تلك الصفحات بينهم بوصفها نافذةً على عالم أوسع من الجدران.
كانت تلك الصفحات تذكيرًا بأن الإنسان لا يُختصر في رقم زنزانة، ولا في ثوب سجين، ولا في اسم على ملف.
كانت القراءة فعلًا سياديًا، والكلمة نافذةً تطل منها الروح على عالم لم يستطع السجن إلغاءه.
فالحرية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء، بل أن تبقى له مساحة لا يملك الطغاة مفتاحها؛ قناعة لا يستطيع الجوع تغييرها، وذاكرة لا يستطيع السجّان محوها، وصوت داخلي يقول:
«لن أيأس.»
«لن أستسلم.»
ليس الإبداع أن تتحول الكلمة إلى صدى لما يقوله الأقوياء، بل أن تخرج من ضمير حي، فتقاوم الترويض والتطويع.
فتصبح الورقة تهمة، والقصيدة مقاومة، والأنشودة ذاكرة، واللوحة شاهدًا على زمن حاول أن يمحو نفسه.
وحين تُضيَّق مساحات الحرية، لا يموت الوجدان بالضرورة؛ إنما يبحث عن لغة أخرى: عن رمز، عن استعارة، عن وجه مرسوم، عن طفل يدير ظهره للعالم.
هكذا رسم الفنان الفلسطيني ناجي العلي «حنظلة»؛ طفلًا أدار ظهره، وعقد يديه خلف ظهره، رافضًا أن يمنح العالم وجهه.
لم يكن حنظلة مجرد رسم على ورق؛ كان رمزًا ظل حاضرًا حين عجزت أصوات كثيرة عن الكلام.
فالرمز، حين يولد من وجع حقيقي، لا يبقى مجرد حكاية؛ بل تتحول الحكاية إلى ذاكرة، والذاكرة حين تسكن وجدان الناس لا تصبح مجرد شاهد على الأحداث، بل تصبح عصيّة على المحو.
انتصر السجناء لا لأنهم دافعوا عن فتاة جميلة، بل لأنهم رفضوا أن يمنحوا السجّان مفاتيح عالمهم الخاص.
حرسوا الفتاة، فحرسوا معها شيئًا أعمق:
إنسانيتهم.
وهنا يلتقي معنى الحكاية بما نراه في غزة.
قد تُهدم البيوت، وتُقتلع الأشجار، وتضيق السماء بالطائرات، ويُحاصر الناس في خيام ضيقة؛ لكن ثمة شيئًا لا يمكن قياسه بالحواجز ولا بالأسلاك: إنها قدرة الإنسان على الصمود.
إن المقاومة، في أعمق معانيها، ليست دائمًا بندقية.
قد تكون أمًا تتمسك بما تبقى من بيتها، أو كاتبًا يصر على أن ينقل ما يراه رغم الخوف، أو بيت شعر يُحفر على جدار زنزانة.
وحين يرفض الإنسان تسليم خياله، يحتفظ بإمكانية التغيير.
وحين يحمي كرامته، يمنع يد السجّان من أن تمتد إلى روحه.
فأقسى ما يمكن أن يُنتزع من الإنسان ليس بيته، ولا أهله، ولا ماله، ولا حتى حريته الظاهرة...
إنها إرادته الحرة.
وحين تبقى الإرادة حيّة، يظل التغيير ممكنًا.
وربما لهذا تبدو غزة، رغم الحصار والخراب، دليلًا على أن ما يُحاصر الجسد لا يستطيع بالضرورة أن يحاصر الإرادة.
فالحرية لا تتحقق حين تُكسر الأصفاد، بل حين تعجز السلاسل عن الوصول إلى الداخل.
