الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
يركب الدراجة الهوائية، ترتفع الطقطقات، يعتمر قبعة زرقاء، يسافر في الهزيع الصامت من أنفاس الكرامة، يسرع إلى الطريق الرئيسي، إشارات المرور معدومة، الدوريات الأمنية تظهر وتختفي، السرعة تحصد الأرواح، حوادث بالجملة وآلام الفقد يمضي إلى السماء، الابتسامة تجف في المآقي، طفل في عمر الزهور دهسته سيارة نقل عمومي، الحقيبة المدرسية ظلت مرمية هناك، ارتجف اكثر من مرة في انتظار سيارة إسعاف، الطريق مزدحمة بكربونات الموت المفاجئ، بقع من الدم المتخثرة، نزل راكب دراجة نارية سحب زجاجة نزين صبها على الدم واشعل النار، الاعتقاد السائد أن دم القتلى يستعمل في السحر، هناك دائما من يرعى الخرافات، الصورة المؤلمة تسبح في الشرايين، لملم شتات الأنفاس وراح يضغط على الدواسات، ترتفع الطقطقات وتستقر في موجات النبض، فكر أن السلسلة والترس يحتاجان إلى تشحيم، البشر بدوره يحتاج إلى تشحيم لتصفو الأشياء في الجمجمة.
المركبات تمر مسرعة، الخبز الحلال يعمي الأبصار، الهواء يلطم الوجه، تنحرف الدراجة وترتجف، سقط مرة في مجرى مياه الأمطار، نهض و امطر السائق المتهور بالسباب والشتائم، يلوح باليد متوعدا، غير بعيد ثمة مركبة اصطدمت بشجرة، لم يبق من المقاعد الأمامية سوى قطع صغيرة، حشد من البشر يحلل ويناقش،شيخ في العقد السابع يصرخ السكر سبب المصائب، ضرب كفا بكف وانصرف، السرعة تقتل قالها واستمر في الضغط، الضغط يولد الحركة، يطوف على الأزقة والشوارع والمقاهي، رحلة استمرت لسنوات بحثا عن الرزق الحلال، يقطع كيلومترات من القرية إلى المدينة، يحرس فلذة الكبد، يكتب في الكف المتشققة قصيدة من حلم كبير للخلف، ينتظر في الغد البعيد غيمة ماطرة، تغسل الوجه من ندوب الشهور العجاف، يرابط أمام المدرسة، يتلهى بالهاتف النقال، يسافر إلى جنان الخيال الواسع، ينشر تدوينات يشكر فلان وعلان، وجه مألوف في المدينة المنسية، رافق تاجر البشر خوكم بوحمارة لعقد من الزمن، استغله في الترقي الاجتماعي، جسر متين بين جماهير الشبكات الرقمية والمانحين والعاطفين، تلطخ الوجه بوجه لا يشبهه، بوحمارة لم يغرز أبدا سهاما في بطن الحقارة، يتمدد في الشرايين على أنياب الذئب الجائع، الشعارات تعوي في أبجدية حمى الإثراء، يقتات من الأيادي الممدودة ،يجوع اقرب الناس ولا يرف له جفن، صوت فاعل الخير اصبح مرا في الفم، يمضغ اللعاب بين الفكين، يقسم بأغلظ الإيمان أن الحوالة صغيرة وان المتبرع شحيح، رائحة مغثية تزكم انف الخيانة، لاحت أمامه صور عشرات الضحايا ،حمل الأشلاء المبعثرة وفر هاربا من لسعات الاتهامات.
– سي بوحمارة لدي منزل وأولاد يحتاجون إلى مصاريف.. اعمل معك ليل نهار بدون فائدة
– اصبر
– الصبر لا يسكت عصافير البطن ولا يشعل مصباحا ولا يشتري قنينة غاز
– اف اف اف
ينتفض حين يقرع الجرس من بعيد، تحت الإبط وثيقة ممهورة بشهادة الفقر، مول البكشليط ممنوع من الصرف في كرم الوطن، لم يعلق على مزحة الرجل المتقاعد، قصير بعيون بنية وبطن كبيرة، يدخن بشراهة ويستهلك كؤوسا من السائل الأسود في الجلسة الواحدة، ارتفعت الضحكات ، دون على المقبض شدة الاهتزازات، الجرس يرسم في الفؤاد هالات الوجع ، لا وقت للحديث مع الزبناء والأصدقاء، يرتشف مع قهوة الصباح نسمات الاحتراس، عدم المجيء في الموعد خطر يتهدد الفتيات، غير بعيد محلات فارغة في السوق الأسبوعي، أول الدروس في العشق الممنوع، مخدرات وجنس، ثمة قلوب تشطرها سهام، كتابات على الجدران تدعو للحب، كتابات غليظة وبارزة بالفحم، أبيات شعرية، أسماء الذين مروا من التجربة، الذئاب ينتشرون أمام أبواب المدارس، يتربصون بفرائس تخلفت عن القطيع، الزمن تغير والأخلاق صدأت في الصدور، تذكر كيف يحمي أبناء الدوار بنات الجيران من التحرش، احس بغصة وحرقة في الحلق، ودع صاحب عربة فواكه افلت من قبضة أصحاب الوقت، يركب الدراجة المهترئة التي تتعطل باستمرار، يدوس على الدواسات بحرص شديد، الفرامل منزوعة، يستعمل الرجل للتخفيف من السرعة، تجنب الحفر خوفا من المسامير، الممرات الطرقية أفخاخ تنوم العجلات، قطع الغيار يستنزف الجيوب، مصلح العجلات يرفع لافتة بوار الحرفة، المحل مليء بالمتلاشيات، قطع غيار لم تعد صالحة، أجزاء خارجية للاطارات المطاطية ذات نقوش، إطارات بأنابيب قابلة للنفخ، أسلاك وعلب غراء فارغة، تنفس من فمه ، فرك قطعة مطاطية في حجم ثقب العجلة، وضع الغراء ضغط بكل قوة، الدراجة تحمل زمنه الثقيل إلى وجهات متعددة، من منزل في الأرياف إلى المدينة، الحياة صعبة والفقر يجعلها اكثر صعوبة، يستيقظ كل يوم في الصباح الباكر، يطعم الكلاب والدجاج، ثمة قنافذ وأرانب برية وجدت ملجئا آمنا في الضيعة الصغيرة، طيور الدوري تملأ الفضاء زقزقات، استثمر في تربية الدجاج وجده نافقا بسبب الوباء، حمل المعول والرفش فخانته الصحة، جاور فاعل الخير المزور واكتشف التجارة في البشر،
الطريق خالية من المركبات في الساعة الثانية عشرة زوالا، في الجوار البنت البكر تدوس على الدواسة بايقاع بطيئ، على الظهر ترتاح محفظة محملة بالكتب والكراسات، رحلت ايام الدراسة الحلوة، كتابين العربية والفرنسية، الاشياء الجميلة تطفو فوق المخيلة، يخرج قبل أن تستيقظ المدينة من نومها، يحمل على كتفه حقيبة قديمة امتلأت بأشياء بسيطة، لكنها أثقل من الجبال، يحمل هم البيت كله. يمشي في الأزقة الضيقة بخطوات يعرفها الرصيف جيدا، يمر على المقاهي واحدا واحدا، يحيي أصحابها بابتسامة متعبة، كلهم يعرفون مول البكشليط، اسم اشتهر به في الشبكات الرقمية، يبدأ يومه الطويل. يبيع كلاما طيبا وقفاشات أحيانا، اخبار المدينة المغتصبة أحيانا أخرى، يحمل بعض الدعم لمريض وامراة مسنة تموت بالتقسيط بسبب الاهمال ، لم يكن يملك متجرا ولا مكتبا ولا راتبا ثابتا، يملك شيئا أعظم، قلب يتسع للجميع ، يخاف على الاسرة الصغيرة من الجوع والانكسار، الذل اكبر الاعداء، توقظه الزوجة قبل الفجر بقليل، تضع له كأس شاي ساخنا وتقول بصوت خافت، الشاي المشروب الوطني الشعبي.
– الشمس بدات في الطلوع عليك الاغتسال لمرافقة الاولاد الى المدرسة
– حاضر
يرد مبتسما رغم التعب وقلة النوم، يرتفع نباح الكلاب، الكلاب حراس ليليون، طوال النهار تظل مربوطة باحكام، يخاف ان تنهش صغيرا او بشرا ظل الطريق، المسرب الطرقي يتسع ويضيق، النزاعات وصلت الى المحاكم، يرفع الى الله رسالة بالبريد المستعجل عن الجور والظلم ، وحربا لم يمتلك اسلحة لها، لكنه لم يرفع الراية البيضاء، الذين كانوا معه في الصف تعروا من الضجيج وفروا بجلودهم، اخرون باعوا واشتروا ، في الجوار امراة تنوح واخرى فقدت رشاقة اللطم، السيارة الموشومة تحشر البشر، تسافر مع الغبار، بناءات عشوائية تنبث في الظلام، كل شي عشوائي في القربة الصغيرة ،مول بكشليط يقف حائرا بالقرب من ظله، الجار السيئ يحفر الخنادق في المسرب، سقط مرة وحمل الى المستشفى، الاقوياء يفرمون الضعفاء، كلمات لا يكف عن ترديدها على المسامع، اصحاب الوقت رفعوا ايديهم عن قضايا الناس، يعرف المقاهي أكثر ما يعرف بيته، ادمن السائل الاسود والسجائر الشقراء، ينفث الدخان في الهواء، يعرف أي النادلين يرحب به، وأي الزبائن يحتاج الى جلسات التفريغ والضحك.
يحفظ عن ظهر قلب الأزقة التي تكثر فيها الحركة، الأماكن التي يهش منها رجال السلطة أحيانا الباعة البسطاء، السيارات الموشومة تلاحق المتمردين، شاحنات تصادر السلع والعربات، مشاهد حزينة لقطع الارزاق، قطع الاعناق ولا قطع الارزقاء، دخل في حوار مقتضب مع متفرج اصطاده الفضول، لم يفهم معنى العبارة، ما اكثر الفضوليين في المدينة البائسة.
العرق يسيل من الجبين صيفا، المقود يصبح زلقا من شدة العرق، الاصابع ترتجف في الشتاء من البرد القارس، صعوبة القبض على المقود، لم يتوقف يوما عن معركة البقاء، التوقف يعني أن يعود الى المنزل والنوم بلا عشاء، يبحث في صفائح الازبال للمركز التجاري، يجمع بقايا الطعام واللحم الفاسد، يجهز وليمة دسمة للكلاب والقطط، حين يقترب من المنزل يبدا النباح، القطة الكبيرة المرقطة بالابيض والاسود تسقبله في الطريق، يرتفع المواء والاحتكاك بالارجل، يرتفع الذيل اشبه بلاقط هوائي، الحيوانات اكثر وفاء من الانسان صرخ في الجار اللعين.
تقترب الساعة من الرابعة مساء، يتحول تعبه إلى شوق، يسرع نحو المدارس، يقف قرب الباب الحديدي ينتظر خروج الاولاد. يراهما يضيء الوجه كأن النهار بدأ للتو، يركض الابن الصغير نحوه صارخا: (أبي جاء) يحمله رغم الإرهاق، يأخذ حقائبهما المدرسية يثبتهما وراء الدراجة، يسير معهما ببطء نحو البيت، الدراجة الهوائية تعرف الطريق، في الشتاء الدراجة مرهقة وفي فصل الصيف سهلة الاستعمال، ترسل الى الصدر هواء نقيا، الطقطقات تجوب البراري، العجلات تحبو فوق تضاريس الايام، وحده يلملم ابتسامة الحرية، كلما رفع نخب الحياة، تهب اعاصير حب الله في الشرايين.
يسألهما عن الدروس، وعن المعلم، والأحلام الصغيرة التي يحفظها واحدا واحدا. يريد لهما حياة لا تشبه حياته الشقية والصعبة، أن يحملا الكتب بدل أن يحملا هم الشوارع، تكبر الابتسامة ويزدهر الفرح في الحوباء، ازهار الراحة تهب على الشفتين.
حين ينام الجميع، يجلس في الفناء الواسع يدخن السجائر الشقراء، يرقب الفضاء اللامتناهي، يستعيد الوجوه الطيبة والخبيثة، يعد ما جمعه طوال اليوم. أحيانا يكون المبلغ قليلا، يتنهد بصمت حتى لا تسمعه الزوجة. يتذكر الاطفال النائمين، يشعر أن تعبه لم يذهب سدى. فقيرا في نظر الناس، لكنه رجلا غنيا بالكرامة، يقاتل كل يوم بصمت، لا بالسلاح ولا بالكلام، بالصبر والعمل والحب، في مدينة لا تلتفت للمتعبين، يطوف على الاسواق في الاحياء الهامشية ،شمعة تحترق ببطء، كي يبقى الضوء مشتعلا في بيت صغير ينتظره كل مساء.
عقارب الساعة تمطرق الدماغ، الزمن لا ينتظر أحدا. يتذكر حكمة استاذه القديم، يرددها باستمرار على المسامع (الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك) لم يعر للحكمة اي اهتمام، لا يهمه لا سيف ولا وقت، ما قيمة الحكم مع البطن الفارغة، الدراسة والفقر لا يستويان هكذا سمع معلم الرياضيات يجيب مدير المدرسة، التعليق الساخر اثلج الصدر لكنه لا يسكت عصافير البطن، معلم اللغة العربية يهدد الرؤوس الصغيرة بالعصا الحديدية المغلفة بالخشب، تنهار الجمل وتهرب الحروف، العمر يمضي بسرعة، السماء تسافر به الى مدارات ملغزة، يشق ممرات بين الاشواك، يجتاز حقول الالغام، في الصدر لغم الخوف من المستقبل ينفجر في الحوباء، الارصفة خالية من الاشجار، تقيس خطوات العابرين بالظلال ،صهيل الغروب يداعب الاحلام ،شاهد بائعا متجولا يعبر الطريق، لوح باليد وامطره بالدعاء، توقف الرجل فوق الرصيف تعلو الوجه ضحكة واسعة.
– العيش بكرامة ليس أن تملك كل شيء، بل أن تبقى نفسك حتى حين لا تملك إلا القليل.
– صحيح
– ان تكون قادرا على القسوة و تختار الرحمة والصدق ذلك من فضل الله
– تماما
لا ضير ان تنثر كلمات المودة على الرؤوس، الحياة تعلم الانسان، التقى على مقربة من مركز تجاري صديق الطفولة، جمعتهمها حانة المدينة ايام المجون والعربدة، حين تلعب الخمرة بالرؤوس تنشب المعارك الدامية، تعرض للطعن اكثر من مرة، اقترب من حجز تذكرة الى دهاليز الموت، تسلق عمودا كهربائيا وراح يسب الجيران، يفضح اسرار الدوار، الخيانات الزوجية والحمل غير الشرعي، تجار الخمور والممنوعات، لائحة المتهمين والمنحرفين تطول، حضرت سيارة الامن واخدوه الى المخفر، افرج عنه في الصباح، استنشق الهواء النقي ،جلس تحت ظل شجرة يسترجع تفاصيل ليلة خمرية، فكر مليا في الحياة الصعبة، حياة العربدة طريق مسدود، كلمات الام تطن في الاذان، ابتعد عن الطريق الخطأ، ساكنة الدوار يتهامسون باسمه كما يتهامس باسم العواصف، إذا مر بين الحقول انكمشت الأبواب وعم الصمت، وإذا نظر بعينيه خفتت الضحكات في الوجوه.لم يولد محمد شريرا، لكن الحياة حفرت في القلب ندوبا سوداء. خانه أقرب الناس، علمه شرب الخمر والمخدرات، الممنوعات سرقت أحلامه الصغيرة حين غادر المدرسة مبكرا، يعتقد أن الرحمة ضعف، وأن القسوة وحدها تحمي الإنسان من الانكسار.
يعيش مع الام في بيت وسط الحقول، بيت أبرد من القبور، كل ليلة يجلس قرب النافذة يراقب السماء، يشعل السجائر الشقراء، يشعر أن العالم يضيق من حوله، يكرهه، متامر عليه، يلفظه مثل الجيفة. ذات ليلة ماطرة، الريح تعصف بالاشجار كأنها تتوجع، سمع نباحا خافتا قرب الباب، فتح الباب ارتفع الصرير متجهما، وجد جروا صغيرا يرتجف من شدة البرد، ضحك بسخرية مريرة، هم بإغلاق الباب، سمع صوتا ياتي من بعيد يهمس.
– القلوب الكبيرة لا تموت تماما
الجملة العميقة التي سمع فقيه الدوار يلفظها اشبه بحجر القيت في بئر، شعر بشيء يؤلمه أكثر من الغضب، حمل الجرو الصغير، لفه في كيس قمح وقربه الى موقد النار، راقبه يستعيد الحركة والقوة، اقترب وبدا في لعق يده، ناوله قطعة خبز مغمسة في المرق، التهمها في رمشة عين، ظل يبحلق في الجرو المرقط بالابيض والبني، احس براحة كبيرة، أدرك أن الشر لم يجعله قويا… بل جعله وحيدا.
تزوج حسب ارادة الام، بدا يشعر بقيمة الاشياء المحيطة، تصالح مع ذاته رويدا رويدا، خيوط الشمس تتسلل إلى الحوباء كأرض جمدها الشتاء طويلا. يصلح ما أفسدته يداه، يزور الاقارب والمرضى، يقدم التعازي يساوي الارامل واليتامى، بعض الجيران لم يصدقوا توبته بسهولة. الماضي يطارده كظل طويل، كلما حاول الاقتراب من الخير، سمع همسات الخوف خلفه. لم يتراجع. يحدث نفسه باستمرار ولا يكف عن ترديد
“ربما لن يمحو الخير ما فعلته… لكنه قد يمنع ظلاما جديدا من أن يولد.
مرت الأعوام ثقيلة محملة بالفرح والترح، صار الرجل الذي ترتعب القرية من اسمه، أكثر من يطرق الناس بابه طلبا للعون. وفي يوم هادئ جلس على كرسي بالمقهى ، ينظر إلى المدينة التي استعادت ضوءها. رفع عينيه إلى السماء وهمس:“يا رب… لقد أضعت عمري في صناعة الخوف، فامنحني ما بقي من العمر لأزرع الطمأنينة.
حين ازدان الفراش بالبنت و الولد اصبح اسعد رجل في العالم، رغم الفقر لم ينهزم، ربط علاقات مثينة مع الناس، الكرامة شمس الروح ان خمدت، لم يعد ظلا تائها، الصبر يزرع في الاعماق مدخرا من الايمان ،وفي القلب نبض لا يخون، انظم الى المسيرات والوقفات الاحتجاجية، شارك في الاعتصامات والمبيت في العراء، سطر اعلانات لاعانة المرضى، لقب بعد سنوات الهدوء والسكينة والاستقامة بالحاج الخازوف في اشارة الى الماضي القبيح الذي وسم الطفولة الشقية، انتشر اللقب سريعا في الشبكات الرقمية، لم ينزعج ولم يحقد على احد ،سبحان مبدل الاحوال صاح احد الزبناء، بحث عن معنى الخازوق في القاموس، وجد ان الامر يتعلق بالة تعذيب المجرمين في قديم الزمان، ضحك كثيرا واصبح يولد الكلمات المضحكة.
– انك رجل من كوكب اخر
– من المريخ ام المشتري...؟
– الله اعلم
في بضعة سنين تحول الى شخص يرى الناس كانهم قصائد ناقصة تنتظر من يكمل ابياتها، يهتم بالمرضى والاولاد، يحلم بتفوق البنت البكر في الدراسة، لا يريد ان يذهب التعب سدى،يخالط الناس حضوره يكسر الرتابة والصمت، فهم الحاج الخازوق ان الانسانية لا تحتاج الى معجزات كبيرة كي يحبوا بل يحتاجون قلبا واحدا يبدا اولا، فهم بأن حب الناس ليس كلمات منتقاة بعناية تدغدغع الاحاسيس بل تعامل صغير يدفئ قلوب الاخرين ويرحل،
خارج المدينة راح يدوس على الدواسة، القرية اطفات انوارها باكرا ، الدوار يغرق في الظلام الدامس، يمشي وحيدا، يحمل في المخيلة احلاما بلا أسماء، وفي القلب سؤالا أكبر من الطريق الخالية من المركبات(أين يختبئ المستقبل..) الناس يركضون نحو المصير المجهول لانهم يعرفون النهاية، يتوقف عند كل منعرج ليستريح ويستنشق الهواء، تندفع في الحوباء اسئلة عن الغد، يتساءل، هل يصبح الإنسان كبيرا حين يجد عملا قارا أم حين يجد نفسَه، يجلس كل مساء تحت الشجرة الكبيرة، النسمات تكتب رسائل مبهمة ، احس أن الحياة تشبه تمايل الاغصان، احلام الصبا تعود بعد الانكسار، رفع الراس نحو السماء، ابصر نجمة بعيدة تقاوم الغيمات، ابتسم ابتسامة عريضة، فهم ان المستقبل ليس بئرا يحفره ولا طريقا يسلكه ولابابا سحريا يفتح دفعة واحدة، المستقبل خطوة صغيرة تاخذه بعيدا رغم الخوف، والطرق طويلة لاتضيئها النهارات بل الشجاعة التي يحمل الانسان.
راى الدوار من بعيد، ترجل من فوق الدراجة، دخل المسرب الطرقي، استقبلته الكلاب بالنباح، القطة المرقطة بالابيض والاسود تطلق مواءا وتتمسح به ،شعر بالطمانينة اطل على الاولاد ، يستغرقان في النوم العميق، ام الاولاد تفرك العيون، لم تكن نائمة ظلت تنتظر رجوعه من المدينة، ابتسم ورمى بالحذاء في باحة المنزل.

مشاركة منتدى
١ حزيران (يونيو), ١٣:٣٠, بقلم محمود سلامه الهايشه
الحاج الخازوق... سيرة كرامة في زمن الخيانة
الحاج الخازوق... سيرة الكرامة في زمن الخذلان
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
لا تُبنى جميع الشخصيات الروائية على البطولة التقليدية أو الإنجازات الاستثنائية؛ فبعضها ينهض من الهامش، من عناء الحياة، ومن عرق الجماهير الكادحة التي تجتاز دروبها بصمت. في قصة "الحاج الخازوق: رجل من كوكب آخر"، ينجح الكاتب المغربي الحسان عشاق في تقديم شخصية إنسانية معقدة تتحول من فرد بسيط إلى رمز أخلاقي واجتماعي يجسد كفاح الإنسانية اليومي ضد الفقر والتهميش والهزيمة.
تبدأ الحبكة بحركة تبدو مضطربة. يستقل البطل دراجته وينطلق من القرية إلى المدينة عبر جميع الطرق، محاطًا بعالم مليء بالفوضى والخطر والحوادث. منذ بداية القصة، يجعل الكاتب الدراجة ليست مجرد وسيلة نقل، بل رمزًا قويًا للحياة. فكما تحتاج التروس والسلاسل إلى الزيت للحركة، يحتاج الإنسان إلى شيء يوازن وجوده وسط قسوة الحياة.
من أبرز نقاط قوة هذا النص، قدرته على رسم صورة شاملة للبيئة الاجتماعية. فالكاتب لا يكتفي بوصف حياة شخص معين، بل يجعله انعكاسًا للتناقضات التي تعصف بالمجتمع، كالفقر والاستغلال والنفاق وتجارة المساعدات الإنسانية وتدهور القيم الأخلاقية والخرافات والظلم. ويتجلى هذا بوضوح عند الحديث عن شخصية "بوحمارة".
ومع ذلك، يتجنب النص الوقوع في فخ التشاؤم المطلق. ففي خضم الفساد الأخلاقي، تبرز في شخصية البطل نزعة إنسانية. فرغم فقره المادي، يبقى غنيًا روحيًا. يُحب عائلته ويُوصل أبناءه إلى المدرسة، ويُساعد الحيوانات الضالة، ويُحاول تقديم العون للآخرين قدر استطاعته رغم فقره. وهذا تحديدًا ما يهدف الكاتب إلى إيصاله في هذا العمل الأدبي: الكرامة لا تكمن في المال والسلطة، بل في الحفاظ على الإنسانية.
من الناحية الرسمية، تجدر الإشارة إلى أن الكاتب يكتب بأسلوب السرد الحر، حيث تتطور الصور والأحداث والذكريات والتأملات بسلاسة ودون انتقالات جامدة. وبهذا، يكتسب النص إيقاعه الفريد، الذي يُشبه إيقاع حركة الدراجة الموصوفة في القصة. ويُمكن الشعور بالتأرجح الدائم بين الماضي والحاضر، والواقع والأحلام. ومن سمات أسلوب الكاتب أيضًا وجود عناصر شعرية، تُحوّل حتى الصور اليومية إلى رموز ذات معانٍ أعمق.
وأجمل ما في طريقة سرد القصة هو التحول الهائل الذي طرأ على الشخصية الرئيسية على المستوى النفسي. فبحسب الكاتب، لم يكن "الحاج الخازوق" دائمًا بهذه الروعة. فقد كان منحرفًا، عنيفًا، مدمنًا، وروحًا تائهة. وفي مرحلة ما من حياته، أصبح سيئ السمعة لدرجة أن جميع أهل القرية كانوا يخشونه. إلا أن نقطة التحول بالنسبة للحاج جاءت عندما أنقذ جروًا صغيرًا من البرد القارس.
لعل هذا التغيير هو أحد الأفكار الرئيسية التي يطرحها النص. يتحول البطل من شخص ينشر الخوف إلى شخص يجلب الطمأنينة، ومن شخص منعزل ومنفصل عن المجتمع إلى شخص مندمج فيه، ومن شخص قاسٍ إلى شخص متعاطف.
يحمل عنوان القصة، "الحاج الخازوق: رجل من كوكب آخر"، دلالة بالغة الأهمية. فهو ليس كائناً فضائياً قادماً من المريخ أو المشتري، بل يبدو وكأنه من عالم آخر، ببساطة لأن منظومة القيم الأخلاقية التي يقوم عليها قد عفا عليها الزمن في هذا العالم المادي الأناني. في هذه الحالة، ليس "الكوكب الآخر" الذي أتى منه الرجل كوكباً بالمعنى الحرفي، بل هو رمز للأخلاق المفقودة التي يسعى إليها الإنسان في هذا العالم.
ورغم ما تتميز به القصة من نزعة إنسانية عميقة وشخصيات نابضة بالحياة، إلا أنها تعاني أحياناً من الإسهاب في الوصف والتكرار، مما يُضعف بنيتها إلى حد ما. إضافةً إلى ذلك، غالباً ما يطغى التأمل على السرد، فيجعل النص أقرب إلى السيرة الذاتية أو المونولوج الاجتماعي منه إلى قصة. ومع ذلك، يبدو هذا النهج مقصوداً في هذه الحالة تحديداً، لأنه يعكس جوهر الشخصية الرئيسية. بشكل عام، يروي لنا كتاب "الحاج الخازوق: رجل من كوكب آخر" قصة نموذج إنساني غير مألوف في الأدب الواقعي المعاصر؛ رجلٌ صقلته هزائم صغيرة وانتصارات هادئة. الدرس الذي يُعلّمنا إياه من خلال تجربته الحياتية هو أن البطولة الحقيقية لا تعني تغيير العالم من حولك، بل تعني الدفاع عن نفسك في وجه قسوة الحياة اليومية وعدم الاستسلام لليأس. الكرامة في صورة أسلوب حياة طبيعي - هذا ما يجسّده لنا هذا الرجل. فهو يُواصل التمسك بالأمل في وجه صعاب الحياة لأنه يؤمن بأن المعجزات لا تُغيّر المستقبل، بل المثابرة وحدها هي القادرة على ذلك.
٥ تموز (يوليو), ١٦:٢٨, بقلم محمود سلامه الهايشه
الحاج الخازوق || أغنية
أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر" بقلم/ الحسان عشاق – كاتب مغربي، والمنشورة بموقع ديوان العرب، الجمعة ٢٢ أيار (مايو) ٢٠٢٦.
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
(مذهب)
يا حاج خازوق يا راجل
ماشي فـ الزمن المقلوب
راكب عَ العجلة القديمة
والهم فوق الضهر مكتوب
يا حاج خازوق يا طيب
يا ضحكة وسط الجراح
شايل بلد فوق كتافك
ولا يوم قلت استراح
(الكوبليه الأول)
من أول الفجر بيصحى
والدنيا لسه نايمة
يغسل وشه بنور ربنا
ويقول: يا رب عدّي الغيمة
يوصل ولاده للمدرسة
ويجري على باب الرزق
والعجلة تئنّ وتطقطق
وهو يقول: الحمد لله
طريق مليان بالحفر
والناس جواها تايهة
واحد باع ضميره برخيص
وواحد عيشته متاهة
لكن الراجل قلبه أبيض
زي الرغيف ساعة يطلع
لو شاف مكسور يجبره
ولو شاف حزين يطبطب
(المذهب)
يا حاج خازوق يا راجل
ماشي فـ الزمن المقلوب
راكب عَ العجلة القديمة
والهم فوق الضهر مكتوب
(الكوبليه الثاني)
قالوا عليه زمان شقي
والخوف يمشي وراه
كان الغضب ساكن قلبه
والنار مولعة جواه
لا خمر سابتله حلمه
ولا الصحبة كانت أمان
ضاعت منه سنين كتير
بين الوجع والحرمان
لحد ما في ليلة شتوية
لقَى جرو بيرتعش برد
شاله وقال للدنيا كلها
لسه الخير جوّا القلب
ومن يومها اتغير حاله
والنور دخل من بابه
بقى للغلبان سند وضهر
والكل يدقّ على بابه
(الكوبليه الثالث)
يجمع للمرضى تبرعات
ويجبر خاطر ملهوف
ويقول: "الستر من ربنا"
والقلب لازم يبقى عطوف
يجوع هو ويشبع غيره
ويخبي دمعه فـ الضلوع
والناس تحسبه فقير
وهو أغنى من الملوك
شايل كرامته فـ عينيه
زي الراية فوق السارية
ويقول لولاده كل يوم
العلم هو الحرية
(اللازمة)
مش راجل جاي من المريخ
ولا نازل من كوكب تاني
ده إنسان لسه باقي فيه
حبة خير ومعنى إنساني
عشان كده قالوا عليه
غريب وسط خلق الله
ما بقاش يشوف الناس أرقام
ولا يبيع وجع الغلابة
(الخاتمة)
ويرجع آخر الليل تعبان
والقرية غرقانة ظلام
يلقى العيال نايمة بخير
وتتهد الحيرة والآلام
يبص للنجمة البعيدة
ويبتسم للسنين الجاية
ويقول: الطريق لو يطول
يكفي إني ماشي فـ الحكاية
(المذهب الختامي)
يا حاج خازوق يا راجل
يا شمعة بتنور بيت
علمتنا إن الكرامة
تعيش لو ضاق الوقت
يا حاج خازوق يا طيب
يا صاحب القلب الحنين
في زمن باعوا فيه الناس
فضلت إنسان للآخرين.
===.
شخصية "الحاج الخازوق" رمزًا للإنسان البسيط الذي يحمل هموم الناس ويقاوم قسوة الحياة بالكرامة والمحبة.