الثلاثاء ٣٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم نجاة بقاش

حين لا يقرأ الوطن.. «الجزء الثاني»

حين لا يقرأُ الوطن، يذوب المعنى.. يصيب الجسم الوهن.. فالأوطانَ التي تفقد ذاكرتها.. لا تموتُ جهرا دفعةً واحدة.. بل تموتُ هجرا رويدا رويدا.. حين يُكافَأُ الصدى تعمى البصيرة.. حين يُرفَعُ الهتاف مقامَ الحقيقة.. تُترَكُ الكلماتُ الجريحة على أرصفةِ القصيدة.. تقتاتُ من صمتها ومن جفاء الصحيفة.. حين لا يقرأُ الوطنُ أبناءَه.. يصيرُ الجميعُ غرباءَ على متن السفينة.. تتوارى الأسماء وتغدو بلا قيمة.. ويمضي العمر ويمضي المخلصون فرادى.. كأنهم لم يكونوا يومًا من بين الثنايا.. كأنَّ الوفاءَ تهمةٌ والحنينَ خطايا.. والصدقَ بابٌ ضاعَت مفاتيحه بين الخبايا..

لا أبكيكَ يا وطني.. ومتى أعاد البكاءُ ميتا إلى الحياة؟.. فالبكاءُ آخرُ ما سيبقّى شاهدا على موت الأوطان.. تجاوزتك، تجاوزتني غمرةَ الأحزان.. وعلى الضفة الغريبة صار الاغتراب يعتريني.. ولم تعتريني يوما رغبة النسيان..

علمتني الأشجارَ التي لا تجدُ من يسقيها.. أنها لا تُعاتبُ الغيوم ولا الأمطار.. ولا تنتظرُ من المواسمَ الإزهار ولا الثمار.. بل تتعلّمُ كيف تبقى شامخة تُقاومُ عريَ الأيام.. كيف تسقطُ واقفةً رغم قسوة الأقدار.. وعرفتُ أنَّ الرسائلَ التي لا تُقرأ في أوانها.. لا تنتظر أصحابها: يمضي في صمت كاتبها.. وتوارى الأسرار في أرضها.. ويبقى التاريخ شاهدا على كلمات.. لم يتوقف أحد عندها..

سوف يأتي زمن.. يجوس العابرون خلال أشلاء الحقيقة.. فيعثرون على شفرات رسائلي القديمة.. سيدركون أن امرأةً مرّت ذات يوم من هنا.. تحملُ قلبًا أكبرَ من خيباتك العديدة.. وأنَّ وطنًا كان يستطيعُ أن يحتضنها.. لكنه اختارَ أن يديرَ ظهرَه لها.. حينها لن أطلب منك أن تغفر.. ولن أطلب أن تغير المشيئة.. سأكونُ قد صرتُ أنذاك أثرًا في الحكاية.. لكنَّ السؤالَ سيظل معلّقًا على أسوار المدينة: كم روحًا خسرَ الوطنُ لأنَّه لم يقرأ الرسالة؟.. احتفظ في قلبه بالجزيرة.. وأهمل الناس والمدينة.. ونسي أن من حمل السلاح.. هو من رسمَ بدمه حدود الخريطة..

وطني، يا أجمل ما نطق اللسان به.. ما أبهى التناقض الذي يسبح في بحره.. ويمه.. أنت الجرح انت الضماد.. فيك اللوم فيك العزاء.. وفيكَ أولُ أغنيةٍ حفظتُها عن ظهرِ قلب.. غنّتْ لكَ السنابلُ في مواسم الخير والحصاد.. هتفت لكَ الأشبال " منب الأحرار مشرق الأوطان".. وغنّى لكَ الذين حملوكَ في أعينهم.. وهم يشقون بالأذرع أمواج البحار .. كيفَ أحببتُكَ إلى هذا الحد.. وكيف أوجعتني إلى هذا الحد؟.. فبرغم القسوة والغدر.. أعود أبحثُ عنك.. فأجدُك تسكنني.. أينما ارتميت وارتحلت..

يا وطنًا.. لم أعد أنتظر منك شيئًا.. لا شفقةً ولا اعتذارًا.. فالأوطانُ، حين يثقلها الطغيان تنسى لغةَ المصالحة والاعتذار.. ما أرجوه منك حقا هو أن تحفظ اسمي.. وأسماءَ الذين أشعلوا القناديلَ من أجلك ثم مضوا.. الذين حملوك في قلوبهم نحو المجهول.. ومضوا .. دون أن يعاتبوا أو يسألوا: لماذا ؟ أو إلى أين؟.. الذين لبّوا نداء الوطن.. وتركوا أعمارهم أمانةً في عنقِ الأحرار.. جاء من بعدهم من أكثروا السؤال.. بعدما غاب عنهم الجواب.. ارتفع الضجيجُ فوق أصواتهم.. وغابت شمس الحقُّ على أرض الأجداد..

أحملُ في جيبي بقايا فجرٍ لم يولد بعد.. وإذا سألني الليلُ عن سببِ بقائي، قلتُ: الذاكرةُ هي عذابي.. أكتبُ لأجلِ الذين رحلوا دون أن يُنصفهم الوطن.. تركوا للمساءِ الطويلِ أسرارا لا يبوح بها الزمن..

لا أطلبُ منك اعتذارا.. بل أطلبُ أن تحفظَ أسماءَ الذين علَّموني معنى حبِّ الوطن.. فالأسماءُ تبقى حيث لا يبقى أصحابُ الهمم.. سأرحلُ وأنا أحملُ حكايةً في قلبي، ليست لك وحدك.. بل لكلِّ من علَّموني كيف يكون الحبُّ عطاءً لا ينتظرُ الثمن.. وإن لم تقرأ رسائلي، فلتبقَ على هامشِ قلبك ذنبا لا يغتفر.. تشهدُ للأبدِ أنَّ المحبةَ مرَّت من هنا.. وأنَّ الملامةَ جاءت متأخرةً.. حين لم يعد في القلبِ ما يُنقذها.. سأتركُ رسائلي على عتبةِ الزمنِ شاهدةً، وأمضي.. فإن قرأتَها يومًا.. فذلك يكفي.. وإن لم تقرأها.. فيكفيني أنني كتبتُها عاشقةً كما لم يحبَّكَ أحد.. وهذا... يكفي.

وحين يهدأ ضجيج الأيام، وتنفض السنون غبار الأوحال، سيكتشف الغافلون كيف تخسر الأوطان.. فالأوطان لا تخسر برحيل المخلصين فحسب.. ولا تضيع بصمت المنذرين فحسب.. بل تضيع حين تعجز عن قراءة الإشارات والعِبَر.. فليس كل الراحلين ناكرين.. وليس كل الصامتين عاجزين.. ففي الصمت حِكَم.. وفي الغياب عِبَر.. وفي الجراح ندوبٌ لا يمحوها الزمن.. وإذا سألني الزمن يومًا: ماذا صنع لك الوطن؟ سأقول: ترك في القلب فراغًا لا يُملأ الندم.. وإذا سألني: وماذا صنعتِ له؟ سأقول: تركتُ له رسائل من ذهب.. وأودعتُه قصيدةً عنوانها: "حين لا يقرأ الوطن"..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى