الأحد ٥ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم يوسف علاري

فلسطين... مرآة السيادة المفقودة

قبل أكثر من 1240 عامًا، وقف الخليفة العباسي هارون الرشيد أمام تهديد الإمبراطور البيزنطي نقفور الأول، الذي طالبه بردّ الجزية وهدده بالحرب والإذلال. يومها لم يرسل الرشيد وفدًا للتفاوض على شروط الخضوع، ولم ينتظر إذنًا من قوة عظمى، ولم يبحث عن صيغة دبلوماسية تحفظ العلاقات الاستراتيجية، بل كتب جملته التي خلدها التاريخ:

"من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور، كلب الروم... الجواب ما تراه دون ما تسمعه."

لم تكن تلك الرسالة القصيرة كلمات غاضبة، بل تعريفًا لمعنى الدولة حين تمتلك إرادتها، ومعنى الحاكم حين يؤمن بقوة أمته، ومعنى السياسة حين ترتبط بالكرامة لا بالخوف.

ثم خرج بجيشه، ففرض شروطه على الروم، وأعاد تثبيت الجزية، وحرّر الأسرى المسلمين، وفرض هيبة دولته على أعدائها.

كان تحرير الأسرى قضية دولة، وكانت الكرامة خطًا أحمر، وكانت السيادة فعلًا لا شعارًا.
أما اليوم... فلتكن فلسطين شاهدة.

في غزة، يموت الأطفال تحت القصف الإسرائيلي على الهواء مباشرة، والكاميرات تنقل الموت بدقة عالية، بينما يكتفي العالم الإسلامي، ومعظم العواصم العربية، بالمشاهدة. ويقبع الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال منذ عقود، فيما تتجه أصابع الاتهام إلى الضحية، وكأن الدفاع عن الأرض هو الجريمة، والمقاومة هي الإرهاب.

لم تعد فلسطين مجرد أرض محتلة؛ بل غدت مرآةً تعكس للأمة العربية صورتها كما هي.

فيها يرى العربي الحر كيف تحولت الجزية التي كان يتقاضاها الرشيد من الروم إلى مساعدات أمريكية تُمنح لأنظمة عربية مقابل التطبيع والتخلي عن قضاياها، وفي مقدمتها فلسطين.

ولم يعد بعض الحكام يُمْلُون شروطهم على خصومهم، بل يُستدعون إلى واشنطن ليتلقوا ما ينبغي أن يقولوه وما ينبغي ألا يفعلوه.

لم يكن هارون الرشيد يملك معجزة، ولم تكن دولته تخلو من الأزمات والفتن، لكنه امتلك ما يبدو نادرًا اليوم: إرادة القرار، والإيمان بأن هيبة الدولة لا تُستعار، بل تُصنع.

وبين رسالة الرشيد إلى "كلب الروم" ورسائل الانحناء في زمننا، تقف فلسطين لا بوصفها قضيةً فحسب، بل بوصفها مرآة لما فقدته الأمة.

ويبقى السؤال: هل فلسطين هي التي سقطت تحت الاحتلال؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى