الأسرى الفلسطينيون بين مشنقة الاحتلال وصمت العالم
حين يُسنّ قانون يفتح الباب أمام إعدام أسرى واقعين تحت سلطة الاحتلال، فإن المسألة لم تعد مجرد تعديل تشريعي عادي، بل تعكس الطبيعة الحقيقية لمنظومة الاحتلال والقوة التي تمارسها. القرار الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي مؤخرًا، بتسهيل إجراءات عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، يمثل خطوة جديدة في مسار طويل من السياسات التي تُخضع الفلسطينيين للقوة العسكرية وتحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية. فالمعنى الحقيقي لهذا القانون لا يكمن في استحداث عقوبة الإعدام التي كانت موجودة نظريًا في القوانين العسكرية السابقة، بل في إزالة القيود التي كانت تمنع تنفيذها عمليًا لعقود.
فبحسب الصيغة التي طُرحت في الكنيست، يمكن تطبيق عقوبة الإعدام على أي فلسطيني يُدان بقتل إسرائيلي، بينما لا يمكن تطبيق العقوبة نفسها على إسرائيلي يقتل فلسطينيًا. هذا التفاوت الصارخ لا يعكس مجرد خلل قانوني، بل يؤكد أن المنظومة الاحتلالية تصمّم قوانينها وفق ميزان القوة لا وفق أي مبدأ للعدالة أو المساواة.
وقد تقدم بمشروع القانون كل من حزب "القوة اليهودية" اليميني المتطرف بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وعضو الكنيست نيسيم فاتوري من حزب الليكود، في خطوة تعكس صعود خطاب سياسي إسرائيلي أكثر تشددًا يسعى إلى تحويل ما يُسمى بالقانون إلى أداة ردع وانتقام سياسي.
ولا يقف الأمر عند النص القانوني نفسه، بل يمتد إلى تفاصيل التنفيذ التي تكشف عن نية مبيتة لتجريد المحكومين من أبسط معايير المحاكمة الإنسانية. فالقانون ينص على تنفيذ حكم الإعدام شنقًا بواسطة ضابط سجون ملثم لضمان عدم الكشف عن هويته، مع منح منفذي الحكم حصانة جنائية ومدنية كاملة.
ليصبح السجّان عمليًا في موقع القاضي والمنفذ في آن واحد، في ترتيب يخلو من أي ضمانة إنسانية أو قانونية.
كما يتيح القانون إصدار حكم الإعدام دون اشتراط طلب من النيابة العامة، ولا يشترط إجماع أي هيئة محاكمة، فيما يُلزم بتنفيذ الحكم خلال تسعين يومًا من صدوره النهائي. ويُحتجز المحكومون بالإعدام في زنازين انفرادية تحت الأرض، ويُمنعون من الزيارات حتى لحظة تنفيذ الحكم، فيما يكاد يكون العفو أو تخفيف العقوبة مستحيلًا.
كل هذه الإجراءات تُقرأ في سياق أوسع من السياسات اليومية التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال. اعتقالات جماعية، محاكم عسكرية مزوّرة، مصادرة للأراضي، وتوسع استيطاني متواصل، وهجمات المستوطنين على السكان الفلسطينيين، وهي سياسات تعكس رغبة واضحة في فرض واقع سياسي بالقوة، بعيدًا عن أي مفهوم للعدالة أو حقوق الإنسان.
غير أن خطورة هذا القانون لا تكمن فقط في نصوصه، بل أيضًا في الهوة بين حجم التجاوز وحدود الرد الدولي. فالمجتمع الدولي، بما في ذلك المؤسسات التي يفترض أن تكون حامية للقوانين الدولية وحقوق الإنسان مثل الأمم المتحدة، لم يتمكن حتى الآن من ترجمة إداناته إلى ضغط فعلي قادر على ردع هذه السياسات. وقد أصدرت الأمم المتحدة، والعديد من المنظمات الحقوقية، بيانات تحذيرية متتالية، لكنّ الفجوة بين البيانات والواقع على الأرض لا تزال متسعة في غياب آليات تنفيذ قسرية قادرة على إلزام إسرائيل كقوة احتلال.
وفي العالم العربي، تبدو المفارقة أكثر إيلامًا. فالقضية الفلسطينية ما تزال حاضرة في الخطابات السياسية والإعلامية، لكنها تغيب حين يتعلق الأمر بإجراءات عملية قادرة على التأثير في موازين القوة. وبين ضجيج التصريحات وهدوء الأفعال، يبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة منظومة الاحتلال، وفي مثل هذه الحالات، إذا لم يكن بالإمكان تقديم أي دعم ملموس للشعب الفلسطيني، فإن أفضل خيار للأنظمة العربية هو التزام الصمت، بدل إطلاق تصريحات لا تغني ولا تسمن من جوع.
أما السلطة الفلسطينية، التي يفترض أن تكون المظلة السياسية لشعبها، فتجد نفسها اليوم أمام اختبار قاسٍ لمصداقيتها. فالمؤسسة التي نشأت بوعد إدارة مرحلة انتقالية نحو الاستقلال تبدو عاجزة عن توفير حماية سياسية أو قانونية حقيقية للفلسطينيين، بينما يتوسع الواقع الذي يفترض أنها وجدت لتغييره.
غياب استراتيجية فلسطينية موحدة للتعامل مع التصعيد التشريعي الإسرائيلي يزيد من عزلة الأسرى ويتركهم في مواجهة مكشوفة مع ما يُسمى بالقضاء العسكري الإسرائيلي، وهو جزء من آلة الاحتلال التي تستهدف الفلسطينيين بشكل ممنهج.
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه السجون الإسرائيلية أوضاعًا إنسانية وصفتها تقارير حقوقية دولية ومحلية بأنها الأقسى منذ عقود. فوفق توثيقات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية، يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 9300 أسير فلسطيني، بينهم نحو 350 طفلًا و66 امرأة، في ظروف احتجاز قاسية تشمل تقارير موثقة عن التعذيب والإهمال الطبي، وهو ما أدى إلى استشهاد عدد من الأسرى داخل المعتقلات في السنوات الأخيرة.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بقانون واحد فقط، بل بمسار كامل تتقاطع فيه السياسة والقانون الاحتلالي والقوة العسكرية. والقضية هنا تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتطرح سؤالًا أوسع: ما قيمة القانون الدولي إذا ظل عاجزًا عن حماية الإنسان عندما يكون تحت سلطة الاحتلال؟ وهل المشكلة في نصوص القانون الدولي نفسها، أم في غياب الإرادة الدولية القادرة على فرض احترامها، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالكيان الصهيوني؟
إن مصير الأسرى الفلسطينيين اليوم لا يشكل اختبارًا للفلسطينيين وحدهم، بل اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم كله. فكل صمت، كل تجاهل، وكل تأجيل للعمل الحقيقي يُسهم في استمرار معاناة آلاف المعتقلين الفلسطينيين، ويثبت أن العدالة الدولية لن تكون سوى كلمات على ورق، ما لم تُترجم إلى أفعال حقيقية.
