في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
في قلب ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، يرقص التاريخ على أنغام الغلال المغلي وتفوح رائحة الذكريات المخلوطة بعرق الباعة وصراخ الحلايقية، فاطنة حارسة الحلزون في دكانها الصغير الذي يشبه صدفة مباركة، تبيع من خلالها حكمة قديمة ملفوفة في مرق التوابل. لم يكن دكانها مجرد مكان للتجارة، انما رحما صغيرا يلد لزبائنها طمأنينة من نوع خاص، ملفوفة بدفء المراكشية الأصيل.
بجوارها يربض جار ياكل الصدأ قلبه، رجل يرى في نجاحها قيدا، وفي ابتسامتها قنبلة موقوتة. كابوسا يوميا ينسج من حولها شباكا من المضايقات، ينثر الرماد على عتبتها، ويسمم الأجواء بكلمات لاذعة تشبه الملح على الجرح المفتوح. حاولت فاطنة أن تحتمي بمحراب القانون، طرقت أبواب الشرطة الباردة والمحكمة الصامتة والبلدية التي لا تسمع، أصداء شكواها تاهت في سراديب الروتين، كمن ينفخ في رماد لا حياة فيه.
لم تكن فاطنة تسرق حقها، انما تسترد ما سلبته منها الأيام. في غرفتها الصغيرة، حين تخلع عنها خمار النهار وتضع يديها في ماء بارد لتغسل أثر الملح، تنظر إلى انعكاس وجهها في المرآة المشروخة، فترى خريطة من التجاوزات لم يكتبها القانون، انما كتبها صمتها الطويل الممزوج بضجيج ساحة جامع الفنا.
في حضرة الغسق، تنشق الأرض عن حكاياتها، تخرج الحكايات من أفواه الحلايقية كخيوط من دخان تلتف حول أعناق المارة، تنصب خيام الوهم، وتشعل المصابيح لتكشف عن مهرجان أزلي لا ينتهي، الفرجة الدين الشعبي الوحيد، في زوايا الظل تتسلل أصابع النشل كأنها ديدان حريرية لا تشعر بلسعها في غمرة الدهشة، لا تنشل المحفظة فحسب، تقايض اليقظة بالسراب.
تجلس العرافات، تواريخهن محفورة على وجوههن كتجاعيد الأرض العطشى، يقرأن في الكفوف مكتوبا لا يقرأ، تخط الحناء على أيدي السائحات خرائط لمدن لا وجود لها إلا في مخيلة المبتزين. أما سماسرة اللحم والوعود، فتلك لغة سرية تتداول بالغمز والهمس، لغة تعرفها الجدران وتخفيها أثواب الغانيات اللواتي يمشين بخطوات موزونة على إيقاع المزامير الحزينة، كأنهن كاهنات في معبد دنيوي يبيع الوهم لمن يبحث عن مخرج من رتابة حياته.
بين الجموع والضجيج والتدافع، يقف المرشدون كأعمدة من ملح تآكلت بفعل الرياح المراكشية العاتية. يحاولون ترويض الوحش الذي تسكنه الساحة، لكن الساحة تروضهم. وعلى مقربة منهم يتنقل رجال الأمن، بدلاتهم الزرقاء ترسم خطوطا باردة وسط الغليان الملون. إنهم ليسوا حراسا للقانون بقدر ما هم شهود عيان على طقوس البقاء، يرقبون الفساد ويرتدي قناع البراءة، ويتفرجون على ميزان القوة يميل ببطء نحو الجانب الأكثر مهارة في الخداع.
الساحة رقصة على حافة الهاوية، يمتزج عطر الياسمين برائحة العرق، وتتعانق قداسة التاريخ بدنس الحاضر .لوحة سريالية تكتبيوما على صدر يوم بدم المغفلين وحبر المحتالين والشطار، لا أحد يخرج كما دخلها، فإما أن ينشل جيبك، أو تنشل روحك، أو تظل معلقا بينهما في ذاكرة لا تتوقف عن النبض.
عادت من التيه بعدما استعرضت جزءا من المشاهد اليومية الظاهرة، تذكرت ذات فجر، الجار يغلق مسارب الهواء أمام دكانها بحاويات القمامة، كيف أن رائحة الغلال لم تعد تشبه طعم الحياة، صارت تشبه طعم الذل. لم يكن الأمر صراعا على بضاعة أو زبائن، انما صراعا على حقها في أن توجد دون أن يشير إليها أحد بإصبع الاستعلاء .ادركت أن أجنحة القانون في المدينة، رغم أناقة أسماء المحاكم، أجنحة بلا ريش، لا تحلق إلا حين تلامس أقدام أصحابها عتبات القصور، فاطنة ابنة الحلايقية وبنت الساحة التي لا تعترف إلا بقوة البقاء، تعلمت درسا من الحلزون الذي تبيعه.
– حين يعتدي العالم على صدفة كائن رخو، لا يملك هذا الكائن نصل سيف، لكنه يملك الصبر على الزحف، والقدرة على الاختباء في جوفه حتى ترحل العاصفة.
لم تكن فاطنة تبحث عن تبرير لخطواتها في زوايا القانون الذي أدار لها ظهره، ولم تشغل بالها بأسئلة الحق والباطل التي تطرحها صالونات المدينة.تنظر إلى يديها المبللتين دائما بمرق الغلال، وتدرك أن البقاء في الدكان لم يعد يتطلب حكمة فحسب، إنما استباقا لا يرحم
تضع تفاصيل الفخ في الدماغ، لا تفعل ذلك بزهو المنتصر، إنما ببرود الجزار الذي يجهز أداة عمله. تراقب انعكاس وجهها في المرآة المشروخة، فتلمح تلك الندوب التي حفرها الجار في صمتها طيلة سنوات. القوقعة التي اتخذتها ملاذا يوما ما، ضاقت وسوف تضيف اكثر إدا لم تتحرك، فإما أن تكسرها وتخرج، أو تختنق بداخلها.
لم تكن خديجة ترى فاطنة مجرد بائعة حلزون تقتسم معها الهواء في ساحة جامع الفنا، تراها المرآة الصافية التي تذكرها ببراءتها قبل أن تبتلعها دهاليز الليل. في عيني فاطنة تقرأ غفرانها الشخصي، وفي يدي فاطنة المبللتين بمرق التوابل، تشم رائحة البيت الذي فقدته منذ زمن بعيد. لم يكن قرار المشاركة في الفخ قرارا عابرا، إنما عهد دم لا ينطق. عندما طلبت فاطنة منها تلك المهمة، لم تشعر خديجة بالإهانة، شعرت لأول مرة بأنها مؤتمنة. نظرت إلى فاطنة التي تقف في دكانها كأنها كاهنة تحرس معبدا، وقالت في سرها.
– سأفعلها.. ليس لأجلك فقط، إنما لنغسل معا وجه هذه الساحة من قذارتهم.
في الغرفة التي تجمعت فيها خيوط الخطيئة، تتحرك خديجة كمن يؤدي رقصة جنائزية. لم تكن خائفة من الجار، خائفة من أن يغيب عنها وهج العدالة في عيني أختها الكبرى. في كل حركة مدروسة تستحضر ذكريات فاطنة تتعرض للمضايقات، وكلمات القهر التي تبتلعها بصمت تحت خمارها.
عندما دخل الجار المصيدة، لم تكن خديجة العاهرة التي يشتهيها، إنها المحاربة التي تتخفى في ثياب الضحية. قلبها يقرع طبول الحرب وتبتسم له بضعف مفتعل، الموسيقى الصاخبة تعتقل الغرفة. في اللحظة الحرجة مالت لتقترب من الجسد الذي سحق كرامة أختها.
لفحها الهواء الدافئ في الأزقة الضيقة للمدينة، خطواتها تختلف عن خطواتها حين دخلت. لم تكن تهرب من ماضيها، تمشي نحو الخلاص. عندما سلمت الشريط لفاطنة، لم تتبادلا كلمات الشكر، تبادلتا نظرة عميقة، نظرة تقول.
– لقد فعلناها يا أختي، لقد استعدنا بياض أرواحنا
لم تعد خديجة مجرد عاهرة في الساحة، صارت الحارسة السرية لكرامة فاطنة، وبدأت قصتهما الحقيقية، قصة امرأتين قررتا أن ترفعا صوت الصمت في وجه الغابة. لم يكن المكر في روحها فلسفة، إنما غريزة بدائية، تماما كشجرة زيتون تنبت في شق صخرة، تبحث عن قطرة ماء في مكان لا حياة فيه. وعندما مدت يدها لتستدرج الخصم إلى مصيدة الفضيحة، لم تكن تحيك مؤامرة بقدر ما تعيد ترتيب ميزان اختل طويلا. أدركت أن الذي يستسهل سحق كرامة الآخرين، لا يملك من الأصل كرامة يدافع عنها، وأن المرآة التي ستهشم صورته في النهاية، ليست سوى انعكاس لفعل يده.
هدأت العاصفة مؤقتا، وتوقفت المضايقات، تدرك أن الهدوء يسبق العاصفة الحقيقية. تعرف أن الأفعى قد تغير جلدها، لكن سمها يظل رابضا في الأنياب. في ليلة الخيانة الكبرى، بينما الجار يظن أنه قد وصل إلى ذروة السعادة في أحضان تلك الفتاة الجميلة، فاطنة تسترد في المخيلة الاف صور التحرش والشتم بقلب بارد كقطعة ثلج، ترقب اللحظة الحاسمة.
الكاميرا التي أعدتها ثقيلة وكبيرة الحجم، انها الانشوطة التي تلتف على العنق، جاهزة لتوثيق السقوط المدوي، وتحويل الجسد العاري إلى وثيقة اتهام لا تقبل الجدل.
جلست خديجة في السرير في ركن قصي من الغرفة تستعيد المشهد ، تراكم غبار الخطيئة على أثاث يئن تحت وطأة الأسرار، استقرت العين الثالثة، استعيرت من صخب الأعراس لتوثيق جنازة أخلاق. ترقب المشهد ببرود جمادي، مثل شاهد قبر لا يغمض له جفن، تنتظر اللحظة التي سيتحول فيها السجان إلى ضحية. دخل الجار المتصابي الغرفة، يجر خلفه ذيول شهوة عمياء، متوهما أنه يقتحم حصن الجمال، وفي الحقيقة يمشي بخطوات وئيدة نحو مصلبة الفضيحة، العاهرة ببراعة الممثل على خشبة مسرح تراجيدي، تتقن دور الأنثى الوديعة، وفي لحظة خاطفة، كأنها تلمس جرحا غائرا في جسده، ضغطت زر التسجيل المخباة بعناية وراء الاثاث.
لم تعد الكاميرا الكبيرة الحجم والثقيلة مجرد آلة، صارت مبضعة جراح تقطع حبال كرامته، تسلخ عن وجهه قناع الوقار الذي طالما تستر به ليمارس غطرسته. الضغط على الزر أشبه بإطلاق رصاصة في هدوء الليل، رصاصة لا تقتل الجسد، انما تذبح السمعة من الوريد إلى الوريد.
تراقصت ظلال الجسدين على الجدران، كأنها أشباح ذنوب تتجلى تحت ضوء الة التحنيط الخافت. الجار لا يرى شيئا سوى وهج اللذة، غير مدرك أن كل حركة يقوم بها، وكل زفرة تخرج من صدره، حفر في ذاكرة الآلة كصك إدانة أبدي. الغرفة ضيقة لكن الفضيحة تتمدد لتملأ أفق المدينة، فاطنة فوق السرير، تتنفس الصعداء، ليس شماتة فحسب، لان العدالة تلك المرأة العرجاء، قد استعارت أخيرا عينيها لتبصر الحقيقة.
العدسة تنهش جسده العاري بلا رحمة، تحول لحمه الطري إلى وثيقة من عار، غارق في سبات الغرور، لا يعلم أن دكان الحلزون الذي ازدرى صاحبته صار المشنقة التي نصبت له أوتارها .اللحظات الحميمة تلك الليلة اصبحت فصولا من الجحيم يعيشها الجار في يقظته. دست فاطنة الشريط في اليوم الموالي في يده بدهاء لا يتقنه إلا من خبر دروب المكر، أوهمته أنها قطعة تائهة سقطت من سائح عابر، فالتهم الطعم بلهفة الغارق الذي يظن أنه وجد طوق نجاة، ولم يدر أنه التقط خنجرا سيغرزه في صدره. تردد إلى فني الأجهزة في أطراف الساحة، قلبه يقرع طبولا جنائزية. وعندما وضعت الأسطوانة في القارئ، وبدأ وهج الشاشة ينبض بفضيحته، تجمد الزمن دفعة واحدة في الدماغ. جلس أمام الشاشة كمن ينتظر إعدامه. الصورة تتدفق ببطء مرعب، تقشر طبقات ستره وتكشف عورة شهوته للضوء. في تلك الغرفة المظلمة التي تفوح منها رائحة الكهرباء والأسلاك، لم يكن يرى مجرد شريط يسرد تفاصيل ليلة عابرة، انما راى تاريخ حياته ينهار في ثوان. مع كل مشهد يمر، يرى جدران منزله العائلي تتصدع، يرى وجه زوجته، نظرات أطفاله، وقيمة اسمه الذي شيده بجهد السنين، الحياة تتحول إلى رماد تذروه رياح الفضيحة. تسلل الرعب إلى عروقه كسم زعاف، يشل حركته ويجمد أنفاسه. الشاشة لم تكن تعرض جسدا عاريا فحسب، انما تعرض سقوطه الأخلاقي في المصيدة التي نصبها لنفسه بغطرسته.
أدرك في لحظة إدراك خاطفة أن لالة فاطنة التي سحقها بنظراته واحتقاره، سحقت كيانه برمته. الشريط في يده كقطعة جمر حارقة، لا يقوى على التخلص منها، ولا يطيق الاحتفاظ بها. شعر بقوة الخفية للقدر تغلق عليه أبواب المتاهة. لم يعد الجار المتجبر الذي يرهب الساحة، ذليلا يمشي يرتجف أمام شريط مغناطيسي يحمل ثقل عار سيطارد ظله إلى الأبد، فكر في طرق ابواب القضاء لكنه تراجع.
يعلم أن النسخة سيف ديموقليس مسلط فوق عنق بيته. في تلك اللحظة، لم تعد الحلزون التي تبيعها فاطنة مجرد طعام، انما رمزا للزمن الذي يزحف ببطء، ليحاصر الظالم في قوقعته، ويجبره على دفع ثمن ظلمه من كرامته التي استرخصها في لحظة غفلة.
مع بزوغ الخيوط الاولى لليوم الثالث، وبينما لالة فاطنة ترص أطباقها بوقار وهدوء، اقترب الجار من دكانها. لم تكن مشيته واثقة كعادته، انما خطواتُ مدان يمشي إلى حتفه. وما إن بلغ عتبة الدكان، حتى انهار على ركبتيه، لا كمن يطلب تجارة، كمن يتسول قطرة من الستر في صحراء من العار. عيناه اللتان طالما امتلأتا بالغطرسة، تغرقان في بحر من الدموع المحرقة. يرتجف كغصن في مهب ريح عاتية، صوته المتهدج يختنق بكلمات الاستعطاف التي لم يعرف لها طعما من قبل.
– استري ما ستر الله... لا تجعلي عاري مائدة للغرباء
جسده المنهزم يعكس صورة الجبروت حين ينكسر، لم يعد يهتم بالمحل، ولا بالربح، ولا بتلك الصراعات التافهة، كل ما يشغل فكره العائلة والناس والجيران، القلعة التي ظنها حصينة، أصبحت معلقة بخيط واه بين يدي فاطنة. بصوت خفيض كفحيح أفعى، وبنظرات باردة لا تعرف الشفقة، نظرت فاطنة إليه. لم تنتصر عليه بالصراخ، انتصرت عليه بصبرها الطويل الذي أنضج حكمة الحلزون في قوقعته. همس لها.
– سأرحل.. سأبيع كل شيء، سأغادر هذه الساحة وأمحو أثري من هنا، فقط... احرقي ذلك الشريط.
راقبت فاطنة انكساره، رات فيه انعكاسا لسنوات من القهر والظلم الذي ذاقته بسببه. لم تكن الكلمات التي تحكم ، انما الصمت الذي يغلف المكان، صمت أثقل من جبال الأطلس، صمت يخبره بأن كرامة المرأة التي استرخصها أذلته في نهاية المطاف. في تلك الساحة التي شهدت شقاؤه، غادر الجار مهزوما، منكسرا ، لا بحقائبه فحسب، انما بذاكرة مثقوبة بالعار، تاركا خلفه الدكان الذي طالما تمنى امتلاكه، ومسلما الراية لفاطنة التي بقيت واقفة، كأعمدة مراكش العتيقة، لا تهزها رياح الحقد ولا عواصف الغدر.
لا يمر من أمام دكان فاطنة إلا لماما، كشبح يخشى ضوء النهار. و شاءت الصدف أن تلتقي العيون في زحام الساحة، لم تكن النظرات تتراشق بالتحدي كما في الماضي، انما نظرة الضحية التي تتحسس مكان الطعنة الغائرة في جمجمتها. لمحت في عينيه انكسارا وجوديا، نظرة رجل يرى في كل مارة الساحة حكما عليه، وفي كل ضحكة صدى لسره الذي بات يحمله كقيد حديدي يشد على روحه. رأته في المرة الأخيرة يبتعد، يتلاشى وسط أفواج السياح وأصوات الحلايقية التي لاتهدأ. جسده المنهك يغوص في بحر الساحة المتلاطم، بين روائح الشواء ودخان الغلال، وطواجين المرق والكسكس والحساء الشعبي واللحم المبخر، وبين صخب الألعاب وحكايات الحكواتية التي لا تنتهي ليلا ولا نهارا. بدا في تلك اللحظة كقطعة خشب تائهة في نهرةعظيم، يرفعه تيار المدينة حينا ويخسف به أحيانا، دون أن يلتفت خلفه، كأنما أراد أن يترك جامع الفنا بكل أسرارها خلف ظهره، عله يجد في دروب مراكش الأخرى مكانا لا تلاحقه فيه عيون الشريط الخفية.
بقيت فاطنة في مكانها، ثابتة كصخرة وسط سيل هادر من الضجيج. لم تعد تبالي بوجوده من عدمه، أدركت أن أعظم عقاب للظالم ليس في إيذائه، انما في تركه يعيش مع وحشه الداخلي، يطارده تانيب الضمير في أحلامه ويحيل الشريط أيامه جحيما صامتا.
لم تكن لالة فاطنة تستيقظ كل صباح لتعد مرق الحلزون، تعد صبرها ليكون أداة لمواجهة عالم لا يعترف إلا بصوت المطارق. حين أغلقت أبواب القانون في وجهها، لم تغلقها لأنها موصدة فحسب،لأنها كانت تشبه عيونا عمياء لا تبصر في عتمة الظلم إلا ما يرضي سدنة العتبات.
وقفت فاطنة أمام مرآة روحها، تتأمل الندوب التي تركها الصدأ في قلب جارها، ذلك الرجل الذي لم يكن يرى في وجودها سوى حشرة يجب سحقها. أدركت في تلك اللحظة أن القانون الذي استنجدت به ريشة في مهب عاصفة، وأن أجنحة العدالة في مدينة النخيل لم تكن سوى أجنحة بلا ريش.
من الضغط والالم انبثقت في عقل فاطنة فكرة لم تكن من جنس الدناءة، انما شرعية المقهور. تساءلت بمرارة:
– إذا كانت السماء قد أغلقت نوافذها عن نداء المظلوم، أليس من حق الأرض أن تسترد توازنها بطريقتها الخاصة...؟
لم يكن المكر بالنسبة لفاطنة خطيئة ، انما صلاة في محراب الغابة. أيقنت بعد اعوام من القبح أن الظالم لا يفهم لغة الستر والوقار، فهو كمن يعيش في قفص من زجاج الغرور، لا يمكن كسر جموده إلا بحجر من نفس طينته. اللجوء إلى الاستدراج لم يكن انحرافا عن مسارها الأخلاقي، انما قمة الارتقاء في فهم حقيقة الإنسان، رأت أن من يستهين بكرامة الآخرين أول من يضحي بكرامته في أقبية شهواته.
غسلت فاطنة نيتها في مياه الضرورة. رأت في الجار جسدا بلا بوصلة، وروحا ضائعة في متاهة الأنا. وحين قررت أن تحيك له شباك الفضيحة، في الحقيقة حاكت له مرآة ليرى قبحه وشر اعماله، ليعرف أن الجبروت ليس إلا قشرة حلزون هشة، مهما بدا صلبا.
في تلك الليلة، لم تكن الصيادة التي تتربص بضحيتها، انما القدر الذي يرتدي ثوب الحقيقة ليضع حدا لزيف الجار. تدرك أن المكر حين يستخدم لردع الطغيان، يتطهر من رجس الغاية، ويصبح حكمة تمارس بالصمت، وتنفذ بالتخطيط و بدقة الساعة، لتكون هي القصاص الأخير الذي يفرضه المظلوم على من ظن أن الحياة غابة بلا قانون، وأن الستر الذي منحته إياه فاطنة ليس ضعفا، انما قدرة الصمت على هدم حصون الكبرياء.
بقيت فاطنة وحدها. مسحت طاولتها بخرقة مبللة، وأعادت رصّ أطباقها بانتظام غريب، سوت القبعة البيضاء فوق الراس و القفازات. لم تلتفت إلى الوراء، ولم تراقب أثره الذي ابتلعته العتمة، حين خمدت النار، نظرت إلى مرآتها المشروخة، فلم ترَ فيها سوى امرأة أغلقت أبوابها على سرها، وواصلت بيع الحكمة للغرباء في أطباق من فخار.
سكنت الساحة في روعتها المعتادة، تعزف أنغاما أبدية لا تبالي بمن رحل أو من بقي، وظلت فاطنة تبيع حلزونا متبلا في اواني بيضاء، تضع في كل مرقة حكمة تعلمتها من أروقة الحياة. أن الحق إذا استرد بالقوة، يبقى محفوظا بالهيبة، وأن من يزرع القهر في قلوب الآخرين، لا بد أن يحصد ذلا يسكن جمجمته إلى الأبد.
في الأيام التي تلت رحيل عباس الطبل، لم يطل هدوء المكان. استثمرت فاطنة تلك القوة التي استمدتها من انتصارها، فطرقت باب المالك الأصلي للدكان المجاور، وبحكمة من خبرت دروب التجارة، استأجرت المساحة، موحدة بين الدكانين في محراب واحد للغلال. لم يعد المكان مجرد ركن لبيع الحلزون، بل صار "مزاراً" يفوح بعبق التوابل المراكشية الأصيلة، يشدُّ إليه القلوب قبل البطون.
لم تنس فاطنة من مدت يد العون يوم ضاقت السبل، فتعاقدت رسميا مع خديجة التي ساعدتها في نصب الفخ، مانحة إياها فرصة للخروج من عتمة الليل إلى ضوء العمل الشريف. وألحقت بهما فتاة أخرى، لتتحول المجموعة إلى فريق منسجم، يوزعن الابتسامات والخدمة بنفس الدقة التي توزع بها مرقها السري.
لم تكن خديجة التي أعارت فاطنة عينها الثالثة مجرد أداة في يد القدر، انما جرحا طويلا في جسد المدينة، تعيش في هوامش الضوء، تقتات على بقايا أرواح الرجال العابرين. وحين انطفأت أضواء الفضيحة، وانسحب الجار كظلٍ باهت من ذاكرة الساحة، وجدت نفسها واقفة أمام فاطنة في صمت مريب، صمت يضج بأسئلة لم تطرح بعد
لم تمد فاطنة يدها إليها بعرض عمل كمن يرمي صدقة على فقير، انما بكتف وجدت لتستند إليها. فالنظرة بينهما ميثاقا غير مكتوب، ميثاقا مفاده أن الليل ليس قدرا أبديا، وأن في قاع القوقعة، حيث يطبخ الثأر، يوجد أيضا متسع للغفران.
لم تتحول خديجة إلى عاملة بمفهوم التجارة البارد، انما حارسة من نوع آخر. في ركن الدكان الذي اتسع الآن ليضم خيبات العالم، لم تعد تبيع الجسد، انما صارت تبيع الحكمة التي اكتسبتها من مرارة التجارب. حين تضع يدها في يد فاطنة لتقلب الحلزون في المرق، كانتا لا تصنعان طعاما فحسب، انما كن يغسلن بقايا العار عن أرواحهن في طقس يشبه التطهر.
أصبحت خجيجة جزءا من الأثاث الروحي للمكان، صوتا خافتا يهمسُ للزبائنِ بكلمات لا تنطق إلا لمن ذاق طعمَ السقوط. لم تعد تلك الحمامة الوهمية التي أرسلت لاصطياد الغباء، صارت الحقيقة التي استيقظت من سباتها.
وفي ليلة غسلتها أمطار مراكش، وقفت المرأة عند باب الدكان، تراقب جامع الفنا تبتلع أسرار الناس، ثم نظرت إلى كفيها، لا تزال تحمل آثار المهنة في شقوق الجلد، تبتسم لنفسها في انعكاسات النوافذ. أدركت أخيرا، أن الفضيحة التي شاركت في صناعتها لم تكن جنازة للأخلاق، انما ميلادا لها شخصيا.
لم تعد الساحة بالنسبة لها غابة من الذئاب، انما أصبحت مساحة شاسعة للعبور نحو الستر. وبينما فاطنة ترص أطباقها بوقار، شرعت خديجة بالتغني بلحن قديم، لحن لا يسمع إلا في لحظات التصالح مع الذات، معلنة بذلك أن القوقعة التي صمتت طويلا، لم تكن سوى مهد لروح قررت أخيرا أن تولد من جديد، بلا قناع، وبلا ثمن يدفع للعار.
خيم السكون على جامع الفنا، وأسدلت النجوم ستائرها على ضجيج الحكواتية، لكن دكان فاطنة لم يضئ بوهج الانتصار البراق، بل بخفوت الناجين. في تلك الزاوية القصية، جلست فاطنة مع خديجة، لم تتبادلا كلمات عن الغفران أو الأخلاق، تبادلتا نظرة عميقة من امرأتين تدركان أن العالم لا يرحم الضعفاء، وأن البقاء ليس لمن يملك السيف، بل لمن يملك الصبر على رؤية الجلاد يتآكل ببطء تحت وطأة صمته.
غابت شمس مراكش خلف أسوار الساحة، مخلفة وراءها دما مصفى على الأفق. في دكان فاطنة، مرق الحلزون يغلي بهدوء، يطلق بخارا كثيفا يلف المكان كغيمة من تيه. فاطنة لا تتحدث، عيناها، استحالتا إلى جمرتين باردتين، لا تغادران عباس يخطو نحوها.
لم تعد مشيته تلك التي تهز بلاط الساحة، خطوات مترددة، مكسورة، كأن كل حجر تحت قدميه يقرأ ملامحه. توقف عند العتبة، انحنى ليس ليشتري، ليحتمي بظل من سحقت. في يده الشريط المغناطيسي يرتجف، قطعة من بلاستيك أسود تحمل ثقل المدينة بأكملها.
نظرت إليه فاطنة. لم تبتسم، لم تشمت، لم تلق بموعظة. اكتفت برفع يدها الملطخة برائحة التوابل والعمل، وأشارت إلى كومة رماد في زاوية الفرن. الصمت في تلك اللحظة حادا كالمشرط، يقطع حبال الهواء بينهما.
لم يقل آسف، ولم تطلب القصاص. ألقى عباس الشريط في النار. تصاعدت رائحة احتراق البلاستيك، مختلطة برائحة المرق العتيق. غاصت عيناه في الغبار المتصاعد، ورأى في وهج النار انعكاس وجهه, جدار يتصدع، واسم يتساقط كأوراق الخريف في ساحة لا تحفظ عهودا .استدار عباس ورحل. لم يكن رحيلا إلى البيت، انما ذوبانا في صخب جامع الفنا، تلاشى جسده بين الحكواتية، وصرخات الباعة، وضجيج الزحام، كأنما الساحة التي منحته ذات يوم ألقابه، قد سحبت منه اليوم أكسجين الوجود.
غادر الساحة ليس كبطل تائب، انما شبحا يجر خلفه انكسارا لا يراه أحد. لم يعد يجرؤ على النظر في عيني فاطنة، وظل طيفه يمر أمام الدكان في الساعات المتأخرة، لا ليطلب الستر، بل ليطمئن أن الجريمة التي ارتكبها بحق نفسه قد دفنت تماما في رماد الفرن.
انتهت بتاريخ 3-4-1993

مشاركة منتدى
١ تموز (يوليو), ٠٦:٥٧, بقلم محمود سلامه الهايشه
عندما يفشل القانون: جدلية الصمت والانتقام في قصة "في قوقعة الصمت يطبخ الثأر"
في قوقعة الصمت: حين يتحول الثأر إلى مرآة للعدالة المفقودة
حين يعجز القانون: جدلية الصمت والثأر في قصة "في قوقعة الصمت يطبخ الثأر"
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
تقدم قصة الحسان عشاق الكاتب المغربي "في قوقعة الصمت، يطبخ الثأر" للقراء عملاً أدبياً زاخراً بالرموز. فإلى جانب الصراع الفردي بين جارين في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، يكشف الكاتب عن تأمل عميق في الجدلية المعقدة بين القانون والعدالة، والصبر والانتقام، والقانون الرسمي وقانون الحياة عندما يعجز القانون عن أداء دوره.
في بداية السرد، ينجح الكاتب في بناء فضاء سردي مؤثر. لم تعد ساحة جامع الفنا مجرد خلفية للأحداث، بل أصبحت شخصية موازية تُشكّل حياة الناس. إنها عالم مصغر يجمع بين الحكمة والسحر، والظاهر والخداع، والتاريخ والحاضر، في صورة غريبة زاخرة بالتفاصيل. من الواضح أن الكاتب يتمتع بمعرفة عميقة بهذا المكان وطبيعته الشعبية.
تُعدّ شخصية فاطنة محورية في حبكة القصة. فهي ليست مجرد بائعة حلزون، بل مثالٌ على الإنسان المضطهد الذي يناضل من أجل حقه في البقاء في عالم قاسٍ. وباستخدام أسلوب التراكم، ينجح الكاتب في تصوير شخصية فاطنة؛ فقوتها لا تظهر فجأة، بل تتطور ببطء خلال معاناتها. وبهذا، يكتسب الحلزون أهمية في القصة؛ فهو حيوان ضعيف، ولكنه يمتلك قدرة مذهلة على التحمل والبقاء. وهذا يعني أن اختيار فاطنة لهذه المهنة لم يكن محض صدفة.
في المقابل، يُصوَّر الجار كرمزٍ لسلطة الغطرسة والتسلط. وفي الوقت نفسه، لا يُصوَّر الرجل كشخص شرير تمامًا، بل كتجسيدٍ للنموذج الاجتماعي القائم على غياب أي رادع. لا يُركز النص على دوافع الرجل في القصة، بل على آثار أفعاله.
تكمن أبرز نقاط قوة النص في الموقف النقدي الذي يتخذه الكاتب تجاه المؤسسات الرسمية. يُصوّر القانون في غيابه - موجودًا رسميًا، لكنه عاجز عمليًا. تلجأ فاطنة إلى الشرطة والمحكمة والبلدية، فلا تجد إلا الصمت والبيروقراطية. وبهذا، يطرح النص سؤالًا أخلاقيًا هامًا: ماذا يفعل المظلوم إذا أُغلقت أبواب العدالة في وجهه؟
تُعدّ هذه القضية جوهر القصة. فرغم أن الكاتب لا يحثّ القراء صراحةً على الانتقام، إلا أنه يُجبرهم على إدراك دوافع فاطنة. ولذا، تبدو الحبكة في منطقة رمادية أخلاقيًا، لأنها تمثل في آنٍ واحد نوعًا من الانتقام الذي قامت به فاطنة من جارها، ومحاولةً لإعادة التوازن. هكذا يُظهر الكاتب قدرته على عدم إصدار أحكام أخلاقية بنفسه.
فيما يتعلق بصورة خديجة، فإن دورها جوهري من الناحيتين الفنية والإنسانية. فهي تُصوَّر كشخصية هامشية، امرأة مُعنَّفة في خضم ظروف الحياة، ثم تتحول تدريجيًا إلى مشاركة فعّالة في عملية استعادة كرامتها. يكمن جمال هذه الشخصية في أنها لا تكتفي بالمشاركة في تنفيذ الحبكة، بل تُمنح أيضًا فرصة للخلاص وإعادة البناء. ونتيجة لذلك، يصبح الانتقام فرصةً للتسامح وبداية جديدة. من الناحية الفنية، يستخدم الكاتب لغةً ثرية وشاعرية، مُوظِّفًا الاستعارات والتشبيهات وغيرها من عناصر اللغة المجازية. ويتكرر هذا الأسلوب بكثرة، إذ تُشبه العديد من الأوصاف النثر الشعري أكثر من السرد التقليدي. ويمكن ملاحظة هذا النهج في سلسلة الصور البصرية المستخدمة لإضفاء حيوية على المكان والشخصيات والأحداث. في الوقت نفسه، يُعدّ هذا الثراء اللغوي أحد نقاط ضعف النص، لأنه يُبطئ وتيرة السرد.
علاوة على ذلك، لا يتردد الكاتب في التدخل لصالح أفعال فاطنة، مما يُخلّ نوعًا ما بالطابع المحايد للسرد. عمومًا، يميل النص إلى تبني وجهة نظر البطلة، مانحًا إياها التبرير الأخلاقي الكامل، ومُضيّقًا الخناق على دراسة تعقيد الموقف من زوايا نظر مختلفة.
مع ذلك، تتجاوز قيمة هذه القصة من مجرد حكاية وتطور الحبكة، إذ تنجح في تحويل السرد البسيط إلى تساؤل فلسفي عميق حول العدالة. فهل يكفي أن يكون الإنسان محقاً حتى يكون ما يفعله مشروعاً ومبرراً؟ وهل يمكن للثأر أن يصبح شكلاً من أشكال العدالة عندما تفشل المؤسسات في اتخاذ أي إجراء لحماية المظلوم؟؛ في نهاية القصة، لا تنتصر فاطنة انتصارًا ساحقًا، بل تُحقق نوعًا من التوازن، لكن جارها لا يُعاقب جسديًا بل نفسيًا. وبهذا، يختار الكاتب العقاب النفسي الذي يُعدّ أشدّ وطأةً من العقاب الجسدي، لأنه يُجبر المرء على إدراك حقيقة ذاته.
يمكن اعتبار قصة "في قوقعة الصمت، يطبخ الثأر" قصةً تنتمي إلى فئة القصص الاجتماعية الرمزية، إذ تجمع بنجاح بين الواقعية الشعبية وشعرية التأملات الأخلاقية. تُثير هذه القصة العديد من التساؤلات، حيث يُمثّل الصمت فيها بطلاً صامتاً تنمو فيه كلٌّ من الانتقام والتسامح. لذا، تُعدّ القصة دليلاً أدبياً على هشاشة النظام القضائي في غياب الحماية المؤسسية، وعلى قوة المظلومين.
٢ تموز (يوليو), ١٧:٠٥, بقلم محمود سلامه الهايشه
قوقعة الصبر || أغنية
أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "في قوقعة الصمت يطبخ الثأر" بقلم/ الحسان عشاق – كاتب مغربي، المنشورة بموقع ديوان العرب، السبت ٢٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦.
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
"موال"
يا ليل جامع الفنا...
يا شاهد ع القهر والوجع والأنين
كم واحدة اتظلمت وسكتت...
وكم ظالم فاكر نفسه مالك الأرض والدين
"الكوبليه الأول"
فاطنة قاعدة ع الدكان
تبيع للناس طيب الزمان
تحط ف مرقة الحلزون
حكايات صبر وأمان
والجار قلبه حجر صوان
عينه مليانة دخان
شايف رزقها شوكة ف عينه
وعايش ع الغِلّ والحرمان
كل يوم يرمي لها أذى
وكل يوم يزيد الجفا
لا قانون سمع الشكوى
ولا باب رد الندا
"اللازمة"
يا قوقعة الصبر يا ساترة الأسرار
جواكي نار ساكتة بتستنى النهار
واللي يزرع القهر يوم
لازم يحصد نار وعار
يا قوقعة الصبر يا مخبية الوجع
كم قلب صابر انجرح
ولما ضاقت كل السبل
قام الثأر من قلب الخشوع
"الكوبليه الثاني"
قالت أصبر زي الحلزون
لحد ما يعدّي الطوفان
لكن لما الحق اتوه
وسط الزحمة والنسيان
خديجة بنت الليل جات
شايلة عمر من الآهات
في عينيها بحر مكسور
وفي قلبها ألف حكايات
مدت إيدها للمقهورة
زي الأخت وقت الشدة
واتعاهدوا من غير كلام
ع الكرامة والردة
"اللازمة"
يا قوقعة الصبر يا ساترة الأسرار
جواكي نار ساكتة بتستنى النهار
واللي يزرع القهر يوم
لازم يحصد نار وعار
"الكوبليه الثالث"
وقع الغرور ف نفس الحفرة
اللي حفرها للغلابة
شاف صورته من غير أقنعة
واتكسرت كل الهيبة
راح يدور ع ستر الناس
بعد ما كان عالي الراس
عرف متأخر إن الظلم
بيرجع لصاحبه بالإحساس
ركع قدام الدكان وقال
سامحيني يا بنت الحلال
أنا دوبت من خوفي وعاري
وانهار جوّايا الجبّار
"المذهب الرئيسي"
مش كل سكات ضعف وخوف
ولا كل طيبة انكسار
في ناس بتصبر للآخر
لكن صبرها بركان نار
واللي يبيع كرامة غيره
عشان نفوذه والجاه
يصحى يلقى نفسه تايه
وسط عتمة من أشباح
"الخاتمة – موال"
فاطنة رجعت ترتب صحونها
وتغلي المرقة ع النار
وخديجة لقت ف الشغل
ستر العمر بعد العار
والساحة لسه بتحكي
حكاية صبر وانتصار
إن الحق لو غاب سنين
يرجع...
ولو بعد ألف انتظار.