الجمعة ٥ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

الترجمة بين الانفتاح المعرفي والاغتراب القيمي

قراءة نقدية في الألف الأولى من كتب المشروع القومي للترجمة

مقدمة

يمثل المشروع القومي للترجمة في مصر واحدا من أبرز المشروعات الثقافية العربية الحديثة، لا لأنه أضاف عددا كبيرا من الكتب إلى المكتبة العربية فحسب، بل لأنه حاول أن يفتح أمام القارئ المصري والعربي أبوابا واسعة على الفكر العالمي، ومناهج العلوم الإنسانية، والنقد الأدبي والفني، والفلسفة، والآداب، والفنون، والعلوم الاجتماعية، والثقافة العلمية. وقد جاء المشروع في سياق الحاجة إلى تجديد الثقافة العربية، وتوسيع أفق القارئ، وربط المجال الثقافي المصري بحركة المعرفة الإنسانية في الشرق والغرب.

ومن حيث المبدأ، لا يمكن لأي مجتمع يريد النهوض أن يستغني عن الترجمة. فالترجمة ليست ترفا ثقافيا، وليست مجرد نقل لغوي من لغة إلى أخرى، وإنما هي فعل حضاري يضع الذات في مواجهة العالم، ويفتح أمامها إمكانات المقارنة، والاختبار، والنقد، والتطوير. وقد عرفت الحضارة الإسلامية نفسها عصورا كبرى من الترجمة، لا سيما في العصر العباسي، حين نُقلت الفلسفة والطب والرياضيات والفلك والمنطق عن اليونانية والسريانية والفارسية والهندية. ولم يكن ذلك النقل سببا في ضياع الهوية، بل كان في كثير من الأحيان أداة لإغناء العقل الإسلامي، حين امتلك المسلمون القدرة على التمثّل، والنقد، والفرز، وإعادة البناء.

لكن الترجمة، مع أهميتها، لا تكون محايدة تماما. فهي لا تنقل ألفاظا فقط، بل تنقل معها رؤى للعالم، ومفاهيم عن الإنسان، والحرية، والدين، والجسد، والأسرة، والدولة، والمعرفة، والتاريخ. ومن هنا يظهر السؤال النقدي المهم: هل راعت الألف الأولى من كتب المشروع القومي للترجمة بنية المجتمع المصري وقيمه الدينية والثقافية والاجتماعية؟ أم أنها، في جانب معتبر منها، أسهمت في تكوين حالة من الاغتراب المعرفي، أي إدخال القارئ المصري والعربي في منظومات فكرية نشأت في بيئات غربية مغايرة، دون توفير إطار نقدي كافٍ يربطها بمرجعيته الإسلامية والعربية والمصرية؟ هذا السؤال لا ينبغي أن يُطرح بروح الرفض المطلق للترجمة، فرفض الترجمة يعني الانغلاق، والانغلاق طريق إلى الجمود. كما لا ينبغي أن يُطرح بروح التسليم الكامل بكل ما يأتي من الخارج، فالتسليم المطلق طريق إلى الذوبان وفقدان البوصلة. والموقف الأصح هو الموقف النقدي المتوازن: نترجم، ونقرأ، ونتعلم، ونتفاعل، لكننا لا نتخلى عن حقنا في السؤال، والمراجعة، والمقارنة، والتقويم.

الخريطة العامة للألف كتاب

عند النظر إلى الألف الأولى من كتب المشروع القومي للترجمة، تتضح هيمنة الحقول الثقافية والفكرية والأدبية على المشروع. فمجال الثقافة والمعرفة والفلسفة يحتل مساحة واسعة تبلغ نحو 33.1% من مجموع الألف، أي ما يقرب من ثلث المشروع. وهذه نسبة دالة؛ لأنها تكشف أن المشروع أراد أن يكون مشروعا لتحديث أدوات التفكير، لا مجرد مشروع أدبي أو فني محدود.

ويأتي مجال الأدب والإبداع في المرتبة التالية بنسبة تقارب 19.6%، وهو حضور مفهوم في مشروع ترجمة كبير؛ لأن الرواية، والشعر، والمسرح، والقصة، تمثل أدوات فعالة للتعرف إلى تجارب الشعوب، وتحولات الإنسان، وصور المجتمعات المختلفة. ثم يأتي مجال النقد واللغة والترجمة بنسبة تقارب 10.6%، بما يشير إلى رغبة واضحة في نقل مناهج تحليل النصوص، والخطاب، والسرد، واللغة، والنقد الحديث إلى الثقافة العربية.

أما مجال التاريخ والحضارة والآثار فيمثل نحو 7.7%، وهو مجال مهم لأنه يصل القارئ بتاريخ الشعوب والحضارات، ويفتح أمامه مقارنات بين التجربة المصرية والعربية وتجارب الأمم الأخرى. ويأتي مجال السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية بنسبة تقارب 6.5%، ثم الفنون والإعلام والعمارة والموسيقى بنسبة تقارب 6.3%. أما الدين والتصوف والأديان المقارنة فيدور حول 5.1% فقط، وهي النسبة نفسها تقريبا التي يشغلها كل من الاجتماع والأنثروبولوجيا والنوع، والعلوم والبيئة والتقنية والصحة.

هذه النسب تكشف أن المشروع، في بنيته العامة، مشروع ثقافي معرفي فلسفي أدبي بالدرجة الأولى، لا مشروع ديني أو اجتماعي محلي. فالدين، رغم حضوره، لا يمثل مركز الثقل، بل يظهر بوصفه مجالا من بين مجالات أخرى. وهذا لا يعني أن المشروع يعادي الدين أو يتجاهله تماما، لكنه يعني أن الإسلام لم يكن هو المحور المنظم للألف الأولى، بل كان أحد الموضوعات داخل خريطة معرفية واسعة يهيمن عليها الفكر الحديث والمعاصر، خاصة في صيغته الغربية.

الترجمة بين الفائدة والخطر

من الإنصاف القول إن المشروع القومي للترجمة قدم خدمة ثقافية كبيرة للقارئ المصري والعربي. فقد أتاح التعرف إلى مدارس فكرية وأدبية ونقدية وفلسفية لم تكن متاحة على نطاق واسع، ونقل كتبا في الحداثة، وما بعد الحداثة، والعولمة، وعلم الاجتماع، وفلسفة العلم، والنقد الثقافي، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، والفنون، والسياسة الدولية. ولا شك أن هذه الحقول ضرورية لفهم العالم الحديث، خصوصا في زمن تتشابك فيه المصالح، والأفكار، والصور، والسياسات، والتقنيات.

غير أن الفائدة لا تلغي الخطر. فالخطر يبدأ حين تتحول الترجمة من وسيلة للتعرف والحوار إلى وسيلة لإعادة تشكيل الوعي على نحو منفصل عن الجذور الثقافية والدينية للمجتمع. فالقارئ الذي يقرأ في التفكيك، والبنيوية، وما بعد البنيوية، والتحليل النفسي، والنقد الثقافي، والفلسفات الغربية الحديثة، دون أن يقرأ في المقابل ما يكافئ ذلك من تراثه الإسلامي والعربي، قد يجد نفسه داخل جهاز مفاهيمي غربي كامل، يتحدث بلغته، ويفكر بأدواته، ويحاكم مجتمعه من خلاله.

ليست المشكلة في أن يعرف القارئ فوكو أو دريدا أو لاكان أو بارت أو بودريار أو ماركس أو نيتشه أو سارتر أو كامي. المشكلة أن يعرف هؤلاء أكثر مما يعرف الشاطبي، والغزالي، وابن خلدون، وابن رشد، ومحمد عبده، ومالك بن نبي، وعبد الوهاب المسيري، وطه عبد الرحمن، وغيرهم من رموز التفكير الإسلامي والعربي. حين يحدث هذا الاختلال، تتحول الترجمة من جسر للتواصل إلى أداة لإزاحة المرجعية الذاتية، ويصبح القارئ أكثر قدرة على فهم أزمات الغرب من قدرته على فهم أزمات مجتمعه.

حضور الإسلام: وجود محدود لا يكفي

لا يمكن القول إن الإسلام غائب غيابا كاملا عن الألف الأولى. فهناك كتب تتصل بالإسلام، والتاريخ الإسلامي، والتصوف، والأندلس، والعالم الإسلامي، والإسلام في أوروبا، والحركات الإسلامية، وبعض قضايا المرأة في التاريخ الإسلامي. كما تظهر موضوعات مثل التصوف، والمولوية، وجلال الدين الرومي، والتاريخ الإسلامي في الأندلس، والإسلام في البلقان، والإسلام في السودان، والإسلام في بريطانيا، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة. لكن هذا الحضور، من حيث الوزن العام، يظل محدودا. فمجال الدين والتصوف والأديان المقارنة لا يتجاوز نحو 5.1% من الألف. والأهم من الرقم أن كثيرا من هذا الحضور يأتي في صورة تاريخية أو صوفية أو استشراقية أو مقارنة، لا في صورة مشروع فكري إسلامي معاصر يواجه الأسئلة الكبرى التي يطرحها العصر الحديث.

فالإسلام يظهر أحيانا بوصفه موضوعا للدراسة، لا بوصفه منظومة تفسيرية قادرة على قراءة العالم. يظهر في التاريخ، والتصوف، والأندلس، والأديان المقارنة، وبعض دراسات المرأة، لكنه لا يظهر بالقوة الكافية في مواجهة أسئلة العلمانية، والحداثة، والإلحاد الجديد، والإسلاموفوبيا، وتفكيك الأسرة، والفردانية، والعولمة، والصهيونية، والاستشراق الجديد، وصورة الإسلام في الإعلام الغربي.

وهذا هو جوهر الخلل: ليس أن الإسلام غائب تماما، بل أن حضوره لا يتناسب مع مكانته في بنية المجتمع المصري والعربي. فالمجتمع المصري، حتى مع تنوعه الديني والثقافي، مجتمع يتداخل فيه الديني والاجتماعي على نحو عميق. الأسرة، والمسجد، والأزهر، والقرآن، واللغة العربية، والأخلاق العامة، والمناسبات الدينية، كلها عناصر مؤسسة في الوعي الجمعي. ولذلك فإن مشروعا ثقافيا ضخما يخاطب هذا المجتمع كان ينبغي أن يجعل الإسلام جزءا من البنية التفسيرية الكبرى، لا مجرد مجال محدود بين مجالات كثيرة.

عناوين لا تعبّر مباشرة عن الواقع المصري

داخل الألف الأولى تظهر عناوين كثيرة مهمة من الناحية المعرفية، لكنها لا تعبر مباشرة عن واقع الثقافة المصرية، ولا عن أولويات المجتمع المصري، إلا إذا وُضعت داخل إطار نقدي يربطها بالسياق المحلي. ومن أمثلة ذلك كتب ما بعد الحداثة، والتفكيك، والتحليل النفسي، والنقد الغربي، والدراسات الثقافية، والكتابات التي تدور حول فوكو، ودريدا، ولاكان، وبارت، وبودريار، وماركس، ونيتشه، وسارتر، وكامي.

هذه الكتب لا تُرفض لأنها غربية، ولا لأنها مختلفة عن الثقافة المصرية، بل لأنها نشأت داخل أزمات تاريخية خاصة بالمجتمع الأوروبي: أزمة الكنيسة، وصراع الدين والدولة، وصعود الفردانية، وتحولات الرأسمالية، وأزمة المعنى، وتفكك اليقين، ونقد السلطة والمعرفة، والتمرد على الميتافيزيقا، والتحولات الجنسية والاجتماعية في الغرب. فإذا نُقلت هذه الكتب إلى القارئ العربي دون تقديم سياقها، ودون بيان حدودها، ودون مقارنتها بالبنية الإسلامية والاجتماعية المصرية، فإنها قد تنتج نوعا من الانبهار أو التماهي غير النقدي.

وينطبق الأمر نفسه على بعض كتب النسوية والدراسات الجندرية. فترجمة كتب عن المرأة، والجسد، والنوع، والنسوية، والمواطنة، والنساء في الفكر السياسي الغربي، والأدب النسوي، وقوانين الطلاق، والحركة النسائية، يمكن أن تكون مفيدة إذا قُرئت قراءة مقارنة. لكن الخطر يظهر حين تُستورد مقولات النسوية الغربية كما هي، وكأنها تصلح تلقائيا لكل المجتمعات.

لقد نشأت النسوية الغربية في سياقات مخصوصة: صراع المرأة مع بنية اجتماعية أوروبية، وميراث كنسي معين، ورأسمالية صناعية، وفردانية ليبرالية، وتحولات جنسية وثقافية لا تشبه بالضرورة واقع المجتمع المصري. أما في مصر، فالعلاقة بين الرجل والمرأة لا يمكن فهمها فقط بمنطق الصراع الحقوقي، بل يجب أن تُفهم أيضا من خلال الأسرة، والرحمة، والمسؤولية، والواجب، والتكامل، والضبط الأخلاقي، ومقاصد الشريعة. لذلك لا تكفي ترجمة الأدبيات النسوية الغربية وحدها؛ بل لا بد أن تقابلها دراسات وترجمات في فقه الأسرة، ومقاصد الشريعة، وأخلاقيات العلاقة بين الجنسين، وتجارب النساء المسلمات في العالم الحديث.

كذلك تظهر عناوين سياسية وفكرية تدور حول الماركسية، واللينينية، والفاشية، والنازية، والميكافيلية، والديمقراطية الغربية، والدولة الحديثة، والاقتصاد السياسي للعولمة. وهذه موضوعات مهمة لفهم العالم الحديث، لكنها لا تكفي وحدها. فلا بد أن تقابلها ترجمات ودراسات عن الفكر السياسي الإسلامي، والشورى، والعدل، والعمران، والمصلحة، ومفهوم الأمة، وموقع الشريعة، ونقد الدولة الحديثة من منظور إسلامي لا من منظور غربي فقط.

الثقافة المصرية بين الخصوصية والانفتاح

المجتمع المصري ليس مجتمعا منغلقا، لكنه أيضا ليس صفحة بيضاء. إنه مجتمع له ذاكرة مركبة: فرعونية، وقبطية، وإسلامية، وعربية، ومتوسطية، وأفريقية. وهذه الذاكرة المتعددة تجعل مصر قادرة على استقبال ثقافات كثيرة، لكنها في الوقت نفسه تجعلها محتاجة إلى وعي نقدي يحفظ مركزها الحضاري. وقد راعى المشروع جانبا من هذه الخصوصية حين ترجم كتبا عن مصر القديمة، والحضارة الفرعونية، والقاهرة، والإسكندرية، ومحمد علي، والحملة الفرنسية، والمماليك، والفاطميين، وأم كلثوم، وبيرم التونسي، وغيرها من الموضوعات المتصلة بتاريخ مصر وثقافتها. وهذا جانب إيجابي واضح؛ لأنه يمنح القارئ فرصة لرؤية مصر بعيون أخرى، ولقراءة تاريخه من زوايا متعددة.

لكن هذا لا يكفي. فمصر ليست مجرد تاريخ قديم، ولا مجرد موقع جغرافي، ولا مجرد موضوع للدراسة الاستشراقية أو التاريخية. مصر أيضا مجتمع مسلم عربي حي، له أسئلته المعاصرة، وتحدياته التربوية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية. ولذلك كان ينبغي أن يكون حضور الإسلام والفكر الإسلامي المعاصر أقوى، لا باعتباره مادة وعظية، بل باعتباره أفقا معرفيا قادرا على الاشتباك مع العالم. السؤال الذي كان ينبغي أن يحضر بقوة هو: كيف نترجم ما يعين القارئ المصري على بناء وعي حديث دون أن يفقد صلته بالوحي، واللغة، والتاريخ، والقيم؟ كيف نترجم ما يساعده على فهم الغرب دون الانبهار به؟ كيف نترجم ما يكشف له تحديات الإسلام في العالم الحديث، لا ما يجعله يتلقى أسئلة الغرب فقط؟ كيف نمنحه أدوات نقد الحداثة، لا أدوات الخضوع لها؟

الإسلاموفوبيا: الغائب الذي كان ينبغي أن يحضر

من أبرز جوانب الخلل في الألف الأولى ضعف حضور الكتب التي تتناول الإسلاموفوبيا، رغم أن هذه القضية أصبحت من أهم التحديات التي تواجه المسلمين في الغرب والعالم. فالإسلاموفوبيا ليست مجرد كراهية نفسية للإسلام، وليست مجرد سوء فهم عابر، بل هي ظاهرة فكرية وسياسية وإعلامية وقانونية، تتداخل فيها سياسات الأمن، والهجرة، والإعلام، واليمين الشعبوي، والاستشراق الجديد، والصراعات الدولية. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والحرب على الإرهاب، وصعود اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا، أصبح المسلم في كثير من الخطابات الغربية موضوعا للريبة والمراقبة والاتهام. وصارت قضايا مثل الحجاب، وبناء المساجد، والتعليم الإسلامي، والاندماج، والهجرة، واللجوء، والهوية الدينية، جزءا من معركة واسعة حول صورة الإسلام في المجال العام الغربي.

كان من الضروري أن تهتم حركة الترجمة العربية الكبرى بكتب تكشف كيف تُصنع صورة الإسلام في الغرب، وكيف يتحول المسلم إلى "آخر" مخيف في الإعلام والسياسة والقانون. ومن الكتب التي كان ينبغي أن تحضر في هذا السياق كتاب خالد بيضون عن الحملات الجديدة ضد الإسلام والحرب العالمية على المسلمين، وكتاب سحر عزيز عن تحويل المسلم إلى هوية عرقية مستهدفة في المجال القانوني والسياسي الأمريكي، وكتاب تود جرين عن الخوف من الإسلام في الغرب، وكتاب ناثان لين عن صناعة الإسلاموفوبيا، وكتاب بيتر جوتشالك وجابرييل جرينبرج عن صناعة صورة المسلمين كأعداء.

هذه الكتب لا تمثل دفاعا عاطفيا عن الإسلام، بل تقدم تحليلات مهمة لكيفية عمل الإعلام، والسياسة، والقانون، واليمين الديني، والصهيونية، والشعبوية في تشكيل الخوف من الإسلام. وغياب هذا النوع من الأعمال يترك القارئ العربي أمام معرفة ناقصة بالغرب: فهو يقرأ الفلسفة الغربية، والنقد الغربي، والرواية الغربية، والنسوية الغربية، لكنه لا يقرأ بالقدر نفسه عن الطريقة التي ينظر بها الغرب إلى الإسلام والمسلمين.

الحاجة إلى الكتب الغربية المنصفة للإسلام

إلى جانب كتب الإسلاموفوبيا، هناك حاجة ماسة إلى ترجمة الكتب الغربية المنصفة للإسلام، أو الكتب التي تحاول فهم الإسلام خارج القوالب الاستشراقية القديمة. فهناك أعمال أكاديمية غربية ومسلمة مكتوبة بلغات أجنبية تحاول تقديم الإسلام بوصفه حضارة واسعة، وتجربة إنسانية وروحية وتشريعية وثقافية، لا مجرد موضوع أمني أو سياسي.

من أمثلة ذلك كتاب شهاب أحمد "ما الإسلام؟ أهمية أن تكون إسلاميا"، وهو من الأعمال التي تحاول تجاوز الاختزال الشائع للإسلام في القانون أو الشعائر وحدها، وتقدم الإسلام بوصفه فضاء حضاريا واسعا يتضمن النص، والتأويل، والفلسفة، والتصوف، والفن، والأدب، والسلوك، والتاريخ. مثل هذه الأعمال مهمة جدا للقارئ العربي؛ لأنها تكشف أن بعض الدرس الغربي المعاصر نفسه بدأ يتجاوز الصور الضيقة عن الإسلام.

وتحتاج المكتبة العربية كذلك إلى ترجمات في موضوعات مثل: الإسلام في الحياة العامة الغربية، المسلمون والقانون في أوروبا وأمريكا، الحجاب والحرية الدينية، صورة النبي في المخيال الغربي، نقد الاستشراق الجديد، المسلمون السود في أمريكا، فقه الأقليات من منظور أكاديمي، الإسلام والحداثة، الإسلام والعلوم الاجتماعية، الإسلام والبيئة، الإسلام والاقتصاد الأخلاقي، الإسلام والأسرة في المجتمعات الليبرالية، والإسلام وحقوق الإنسان خارج القوالب الدعائية.

إن غياب هذه الحقول يجعل الإسلام حاضرا غالبا بوصفه موضوع مساءلة، لا بوصفه مصدر إجابة. يقرأ القارئ كتبا تسأل عن المرأة في الإسلام، أو التاريخ الإسلامي، أو التصوف، لكنه لا يقرأ بالقدر نفسه كتبا تشرح كيف يواجه الإسلام الحداثة، وكيف يقدم بدائل أخلاقية ومعرفية، وكيف يفهم المسلمون وجودهم في عالم ليبرالي معولم، وكيف يردون على الاختزال والتمييز والخوف المصطنع.

هل تصب الترجمات في الاغتراب المعرفي؟

الإجابة الدقيقة أن الترجمات لا تصب كلها في الاغتراب المعرفي، لكنها تحمل قابلية واضحة لإنتاج هذا الاغتراب إذا لم تُقرأ قراءة نقدية. فالاغتراب لا يعني مجرد قراءة كتاب أجنبي، بل يعني أن يتبنى القارئ أسئلة غيره بوصفها أسئلته الأصلية، وأن يتعامل مع أزمات مجتمع آخر كأنها أزماته المركزية، وأن يستورد حلولا نشأت في بيئة مغايرة وكأنها صالحة لكل زمان ومكان. فحين تشكل الثقافة والفلسفة والأدب والنقد أكثر من 63% من الألف، بينما لا يتجاوز مجال الدين والتصوف والأديان المقارنة نحو 5.1%، فإن ميزان التأثير يميل تلقائيا إلى الجهاز المفاهيمي الغربي الحديث والمعاصر.

وإذا أضيف إلى ذلك حضور قوي للحداثة، وما بعد الحداثة، والنسوية، والتحليل النفسي، والماركسية، والدراسات الثقافية، فإن القارئ يصبح أمام منظومة مفاهيمية كثيفة، تحتاج إلى منظومة موازية من التأصيل الإسلامي والعربي حتى لا تتحول إلى بديل معرفي كامل. فالمجتمع المصري لا يمكن أن يناقش الأسرة بمنطق الفردانية الغربية وحدها، ولا الدين بمنطق الصراع الأوروبي بين الكنيسة والدولة، ولا المرأة بمنطق النسوية الأنجلوسكسونية وحدها، ولا الحرية بمنطق الليبرالية المتطرفة، ولا النص بمنطق التفكيك وموت المؤلف، ولا الأخلاق بمنطق النسبية الثقافية. كل هذه المناهج قد تفيد إذا استُخدمت كأدوات تحليل، لكنها تصبح خطرة إذا تحولت إلى مرجعية نهائية.

هل راعت الترجمات بنية المجتمع المصري وقيمه؟

يمكن القول إن المشروع راعى بنية المجتمع المصري من زاوية، وأهملها من زاوية أخرى. راعاها حين اهتم بمصر تاريخا وحضارة، وحين ترجم أعمالا عن القاهرة، والإسكندرية، ومصر القديمة، ومحمد علي، والحملة الفرنسية، والمماليك، والفاطميين، ورموز الثقافة المصرية. وراعاها أيضا حين فتح أمام القارئ المصري مجالات لفهم العولمة، والسياسة الدولية، والاقتصاد، والفنون، والعلوم، والنقد، والأدب العالمي.

لكنه لم يراعها بالقدر الكافي من حيث مركزية الإسلام في وجدان المجتمع المصري وبنيته القيمية. فالإسلام في مصر ليس مجرد موضوع ديني خاص، بل هو عنصر مؤثر في اللغة، والعادات، والأسرة، والتربية، والأخلاق، والاحتفالات، والعلاقات الاجتماعية، والتصور العام للحلال والحرام، والعدل والرحمة، والواجب والمسؤولية. ومن ثم فإن أي مشروع ترجمة كبير يتوجه إلى القارئ المصري لا ينبغي أن يتعامل مع الإسلام بوصفه ملفا جانبيا، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم المجتمع.

كما أن مصر ليست مجرد متلقية للحداثة، بل لها دور تاريخي في صياغة الفكر الإسلامي الحديث. فهي بلد الأزهر، وبلد الإصلاح الديني والفكري، وبلد نقاشات واسعة حول الشريعة، والدولة، والتعليم، والمرأة، واللغة، والهوية، والنهضة. لذلك كان ينبغي أن تأتي الترجمات في توازن أوضح بين ما ينقل الفكر الغربي وما يعين على بناء نهضة مصرية عربية إسلامية.
نحو سياسة ترجمة أكثر توازنا

المطلوب ليس إيقاف ترجمة الفكر الغربي، ولا التقليل من قيمة الفلسفة، أو الأدب، أو النقد، أو العلوم الاجتماعية. بل المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات، بحيث لا يتحول الانفتاح إلى ذوبان، ولا تتحول المعرفة إلى اغتراب. ينبغي أن تستمر ترجمة الأعمال الكبرى في الفلسفة، والعلوم، والآداب، والنقد، والفنون، لكن مع مقدمات نقدية عربية تشرح السياق الذي نشأت فيه هذه الأعمال، وتبين حدود مفاهيمها، وتربطها بأسئلة القارئ المصري والعربي. فالقارئ لا يحتاج إلى الترجمة فقط، بل يحتاج أيضًا إلى توجيه معرفي يساعده على الفهم والمقارنة.

وينبغي كذلك أن تتوسع حركة الترجمة في نقل الكتب الغربية المنصفة للإسلام، خاصة تلك التي تتناول الإسلام بوصفه حضارة ومعرفة وأخلاقا وتجربة إنسانية واسعة. كما ينبغي أن تُترجم بصورة منظمة كتب الإسلاموفوبيا، لأنها تكشف جانبا مهما من علاقة الغرب المعاصر بالإسلام، وتساعد القارئ العربي على فهم جذور الصورة النمطية عن المسلمين. ومن الضروري أيضا ترجمة كتب عن الجاليات المسلمة في أوروبا وأمريكا، وتجارب الحجاب، والتعليم، والمساجد، والتمييز، والاندماج، والمواطنة، والهوية المزدوجة. فهذه الموضوعات لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءا من سؤال الإسلام في العالم الحديث. ولا يقل عن ذلك أهمية دعم ترجمة الفكر الإسلامي المعاصر المكتوب بلغات أجنبية، خاصة كتابات المسلمين الأكاديميين في الجامعات الغربية، الذين يشتبكون مع قضايا الحداثة، والعلمانية، والقانون، والهوية، والتمييز، وحقوق الإنسان، والأسرة، والاقتصاد، والبيئة. فالمعركة الثقافية اليوم ليست في أن نقرأ الغرب فقط، بل في أن نقرأ أيضا المسلمين الذين يحاورون الغرب من داخله.

خاتمة

تكشف الألف الأولى من كتب المشروع القومي للترجمة عن طموح ثقافي كبير، وعن رغبة واضحة في إدخال القارئ المصري والعربي إلى فضاءات المعرفة العالمية. وهذا جهد لا يجوز إنكاره أو التقليل من شأنه. فقد أسهم المشروع في توسيع أفق القراءة، ونقل نصوص مهمة في الفلسفة، والأدب، والنقد، والاجتماع، والعلوم، والفنون، وفتح أبوابًا كانت محدودة أمام قطاعات واسعة من القراء والباحثين.

لكن القيمة الكبرى للمشروع لا تمنع من مساءلته. فالنسب تكشف أن مركز الثقل يميل بوضوح إلى الثقافة والفلسفة والأدب والنقد، بينما يظل حضور الدين والإسلام محدودا عند نحو 5.1% فقط. وهذا الحضور، على أهميته، لا يتحول غالبا إلى مشروع معرفي إسلامي معاصر، بل يظهر في صورة تاريخ، أو تصوف، أو أديان مقارنة، أو دراسات جزئية. في المقابل، تحضر بقوة منظومات فكرية غربية تتصل بالحداثة، وما بعد الحداثة، والنسوية، والتحليل النفسي، والنقد الثقافي، والماركسية، والليبرالية، والدراسات الجندرية.

من هنا يمكن القول إن المشكلة ليست في الترجمة ذاتها، بل في اختلال التوازن. فليس المطلوب أن نمنع ترجمة فوكو أو دريدا أو بارت أو ماركس أو نيتشه أو فرجينيا وولف أو برتراند راسل، وإنما المطلوب أن تقابل هذه الترجمات أعمال موازية في نقد الحداثة من منظور إسلامي، ومقاصد الشريعة، والفكر السياسي الإسلامي، وفلسفة الأسرة، والإسلاموفوبيا، وصورة الإسلام في الإعلام الغربي، وتجربة المسلمين في المجتمعات الليبرالية، والكتابات الغربية المنصفة للنبي والقرآن والحضارة الإسلامية.

لقد راعت الترجمات بنية المجتمع المصري جزئيا، حين اهتمت بمصر وتاريخها، وحين نقلت معارف حديثة يحتاجها أي مجتمع يريد أن ينهض. لكنها لم تراع هذه البنية كفاية من حيث مركزية الإسلام، ولا من حيث التحديات الغربية المعاصرة الموجهة إلى الإسلام والمسلمين. فالقارئ المصري لا يحتاج فقط إلى معرفة ما يقوله الغرب عن نفسه، بل يحتاج أيضا إلى معرفة ما يقوله الغرب عن الإسلام، وكيف يصنع صورته عن المسلمين، وكيف يمكن نقد هذه الصورة والرد عليها.

المطلوب إذن ليس رفض المشروع، بل تطويره. ليس المطلوب الانغلاق، بل الانفتاح المؤصل. وليس المطلوب منع الفكر الغربي من الدخول إلى العربية، بل إدخاله في حوار حقيقي مع الإسلام، واللغة العربية، والتاريخ المصري، والواقع الاجتماعي. فالترجمة النافعة هي التي تجعل القارئ أكثر وعيا بذاته وبالعالم معا؛ أما الترجمة الناقصة فهي التي تجعله يعرف العالم وينسى نفسه، أو يمتلك أدوات النقد ولا يمتلك بوصلة القيم.

ومن هنا فإن أي مشروع جديد للترجمة في مصر والعالم العربي ينبغي أن يقوم على معادلة واضحة: نترجم العالم كله، لكن لا نغيب عن أنفسنا؛ نقرأ الغرب، لكن لا نكتفي بصورته عن الإسلام؛ ننفتح على الحداثة، لكن لا نجعلها دينا بديلا؛ نستفيد من النقد، لكن لا نهدم به كل ثابت؛ نترجم النسوية، لكن نترجم معها فلسفة الأسرة في الإسلام؛ نقرأ ما بعد الحداثة، لكن نقرأ معها مقاصد الشريعة وفلسفة العمران؛ نترجم نقد الدين في الغرب، لكن نترجم أيضا نقد الإسلاموفوبيا والاستشراق الجديد. عندئذ فقط تصبح الترجمة أداة نهضة لا أداة اغتراب، وجسرا للحوار لا طريقا للذوبان، ومشروعا لبناء الإنسان المصري والعربي المسلم القادر على أن يفهم العالم دون أن يفقد روحه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى