الأثر البلاغي في الكتابة الزجلية
«عريس الدالية» لمحمد شحيم نموذجا
يُعدّ ديوان "عريس الدالية"، الديوان البكر للزجال البنوري "محمد شحيم"، نافذة مفتوحة على تجربته الزجلية، فبعد تسجيل تميزه في ملتقيات زجلية متعددة، قرر تخليدها ورقيا، فتجلت قصائده المدونة ناضجة تعكس عمق رؤيته للحياة ومظاهرها، وكثافتها في الآن ذاته، وتشي بتنوع المنابع التي يستقي منها صوره وتعابيره أيضا.
صُقلت لغة الديوان لتكون أبرز ملمح يستوقف القارئ، إذ قامت على تعابير بدوية قحة لا تتأتى إلا لمن عاش البداوة بعشق، ولم يقف عند تحديدها بوصفها نقيضا للتمدن، بل بوصفها مساحة للانطلاق والتحرر، وباحات بلا آفاق للعيش قرب نبض الأرض الأم، فتشرّب نسقها في التفكير والتعبير، وجعل تعابيره تحافظ على خصوصية الزجل اللصيق بالحياة اليومية وبالثقافة الشعبية، وارتقت في الوقت نفسه باللسان الدارج بوصفها لغة زجلة دقيقة وبليغة، تأسست على تنوع الأساليب اللغوية وساهمت في بناء الصور بناء بلاغيا حقق الإمتاع والإقناع، وعزف على وثر الانتماء والهوية بآلة الحرف والتعبير، لهذه التفاصيل -وغيرها- تبدو المقاربة البلاغية الحجاجية القائمة على تتبع الأثرين الجمالي والإقناعي للغة أقرب معين وأقوم مقاربة تهين على قبض هسيس قصائد، وتجلي جمالها المضمر، والتزاما بهذا الاختيار المنهجي أُطّرت الورقة النقدية بالسؤال: ما هي أبرز الأساليب التي قام عليها فعل الكتابة في الديوان؟ وكيف وظفت بما يتجاوز الإمتاع إلى الإقناع؟ وكيف ساهمت في توجيه القارئ إلى تبني مواقف معينة دون غيرها؟
أ- بلاغة أسلوب الاستفهام في قصيدة "الطير الحر"
في "قصيدة الطير الحر"، فاتحة قصائد الديوان، يتجاوز أسلوب الاستفهام السؤال بوصفه طلبا للعلم بشيء لم يكن معلوما من قبل بأداة من أدوات الاستفهام، ليغدو تحريضا للمتلقي على تمحيص ما قد يبدو بديهيا بحكم الاعتياد، ويستدرجه عبر رحلة مفترضة للبحث عن أجوبة محتملة، إلى الانتباه للتغيرات التي لحقت بالمجتمع وبقيمه، والتي رفعت قيما وأهوت بأخرى، والتي عميَ عنها الفرد بحكم التعود والتنميط، مخاطبا مستمعا غير محدد بزمان أو مكان محددين، موسعا من إمكانيات اللغة لتشمل دائرة من المتلقين المفترضين لخطابه، فنجده في القصيدة: "وشكون كال الطير الحر/ بعد كان في السما حُرْ/ وكان امفرد جنحيه/ البارح يتكسب واليوم يتباع/ ومع الدجاج/ كتفاتو ليام".
تستنكر الذات الزجالة في مضمر سؤالها تغير أحوال الطائر الحر(الصقر) من طائر جارح إلى طائر مدجن مسخر لخدمة صاحبه، جاعلة من صورة تحوله استعارة يمكن تعميمها على تغير أحوال بعض الناس تحت ضغط الحاجة، موجهة لوما مبطنا إلى الزمن الذي يسير مغيرا الأحوال، وجاعلا الأحرار تابعين.
يوظف الوصف المطنب لسيرورة انتقال الصقر من طائر حر يحلق فاردا جناحيه تجسيدا للحرية والانطلاق، إلى طائر مدجن يعرض مقيدا بين الدجاج، مقيدا مجبرا على تقبل مصيره، للتعبير عن حالة التدجين المستعرة التي تخلقها وضعية العوز، والتي تنقل الكائن من أقصى حالات الحرية إلى أقسى وضعيات الخنوع، فيصير السؤال آلية لإعادة التفكير، وتأمل الأسباب والمسببات، بدل التيه خلف السراب، وإلى تأمل الواقع الغارق في العقم فنجده يقول: "شفت السما/لابسها الغمام/اليوم تمطر/غدا تزهر/المزنة اعقيمة/احكم الله عليها بالعقر/اوهمنا السراب/تبعناه ... اجلانا/ اغواتنا الدنيا/بنت الكلاب".
ترسم ذات الزجال بريشة الكلمة، صورة للواقع الغارق في الوهم، وفي انتظار الأفضل من آمال عقيمة، لكنها في الآن نفسه أن هذا الوضع ليس سويا، وأنه لن يطول للأبد، لذلك تفتح طاقة للأمل وتتطلع إلى التغيير، متسائلة في نبرة هي إلى الرجاء أقرب: "متى اتصوط ريح/اتفك هاد الخبال/وتعري هذا الحال/وتفاكد الخاطر"، تيمم وجهها نحو أحد عناصر الطبيعة، ممثلا في الرياح، التي تهب في بداية كل شتاء معلنة اقتراب التغيير المأمول، فتخاطبها مستعجلة هبتها الحتمية، إذ أن تشبع الذات الزجالة بالحرية يجعلها مؤمنة أن زمن الاختلال لا يمكن أن يكون أبديا.
لا حد للآمال المتطلعة إلى الحرية، إلى اللحظة التي تستعيد فيها المعاني أصالتها أيضا، فتتنج تعابير دقيقة بدل الجعجعة التي طائل منها، فنتابعها متسائلة شاكية اختلاط جيد الكلام برديئه: "امتى تتعازل/ لمعاني تتعازل/ من تحت ارحى الوقت/ يخرج الطحين منيل".
لا يقتصر الاستفهام على قصيدة بعينها، إذ يوظف في بناء العديد من القصائد، ففي قصيدة "اتفلست الوقت" نجد الذات الزجالة تتساءل عن أسباب الانحرافات التي حاقت بالمجتمع، مما غيب النور وجعله يدلج في ظلام دامس: "اشكون اطفا الضو/ أو شكون حرز الشوف/أو خلى الخوف فينا عشش". كما تتساءل مواصلة بحثها الحثيث عن أسباب تغييب القيم الفضلى: "اشكون الصادق فينا/ايغني الجرح موال/ اشكون يحيي ثاني فينا/ روح الزهر/ايلا ادبال". بعد أن قدمت توصيفها الدقيق للواقع الذي صار مفلسا فاسدا حين تقول: "اتفلست الوقت/ أو مات ابنادم/في ابنادم/أو عادت الريح/اتزعرط تحت/طابك ليام".
على مستوى الرسم الكتابي تغيب علامات الاستفهام حين طرح السؤال -في قصيدة الطير الحر نموذجا-، قد يُحمل ذلك على أن الكتابة الزجلية متشبعة بالنبرة ومعولة على النسق الشفهي في التعبير، وليس على دقة الرسم والكتابة، فالزجل فن يلقى أكثر مما يقرأ، كما قد يعبر عن الرغبة في التحرر من قواعد الكتابة التقليدية أيضا، أو على الرغبة في تكسير الحواجز بين القول والسؤال فهذا من ذاك، مما يخلق بعض الالتباس في نية الذات الزجالة أحيانا أ هي بصدد طرح سؤال؟ والبحث عن جواب؟ أم بصدد إلقاء كلام خبري يصف ويدين أكثر مما يبحث عن أجوبة مغلقة؟
ب- بلاغة أسلوب الأمر
في قصيدة "قراية اللوح" تُشهد ذات الزجال متلقي خطابها على رغبتها في تقييد الحقائق التي تلقي بها بشكل رسمي، ورغبتها في جعله شاهدا عليها، فتقول: "زمم زمم/ وايلا نشف لقلم/ ها دمي مداد/العرق يجري/من القلب ليسيل واد"، لتحقيق غرض الإشهاد الرسمي وظف الفعل "زمم" الذي يحيل على فعل الكتابة في الكنانيش والعقود قديما من طرف العدول، فيؤكد هذا الانتقاء المعجمي ارتباط اللغة بالتراث، ويجعل فعل الكتابة ممارسة طقوسية تستمد عمقها من أصالة الكتابة، ومن مكانة الكاتب في القديم.
يعزز هذا التأويل استدعاء نوع آخر من الخطوط، هو الخط الزناتي، التراثي أيضا في المقطع التالي من قصيدة "عمري يانا": "سير وآجي يا عقل/ أو تدحيك أمواج التيه/أو نقراني بخط ازناتي". يحيل التركيز على هذه الخطوط المغربية القديمة، في كتابة الذات داخل القصائد، على أنها مفتاح من مفاتيح قراءتها بوصفها ذاتا متشبثة بأصالتها وأصالة زجلها، فوحده النسق الخطي الأصيل قادر على فك مغلقات الذات الأصيلة، ووحده القارئ المتمكن من تلك الأداة قادر على الإتيان بهذا الفعل، ولا يتأتى هذا إلا لمن أحيى الروابط مع أصوله العريقة.
وتأكيدا لثقل ما يلقى من قول في القصيدة، تعرض الذات الزجالة دمها بديلا عن المداد في حالة نفذ قبل أن تنفذ تعابيرها، إيمانا منها بنبل مهمتها، الذي يسيل تعابيرا مثل بقوة استعيرت قوة الواد للتمثيل لها، ولا تكتفي بعرض الملموس من جسدها في سبيل الاستمرار في الكتابة، بل تعرض المحسوس أيضا ممثلا في حظها، ذلك الجزء الصلب والحاد الذي يمكن تحويله إلى سكين مسنونة تبري القلم. تقول الذات الزجالة في قصيدة "قراية اللوح": "زمم زمم/ ويلى ردم لقلم/من زهري/انجر الف اقلم".
تواصل الذات الزجالة تحريض الآخر على تدوين كلامها، شهادتها على الحياة، فبه تستعيد الحياة رتابتها ونظامها، وبه تنفرج الغمة، وتستعيد الذات الزجالة توازنها، وفرحها، فتقول: "زمم زمم/اتفاجى الظيم/ الساكن الخاطر/ يفرح البال".
تتعدد مواضيع فعل الكتابة، إذ لا تقف عند الألم اليومي المعيش، بل تتجاوزه إلى التعبير عن الماضي ممثلا في الأجداد وتراثهم الموروث، ولإدراكها أن التعبير أمانة ثقيلة، فإنها لا يمكن أن تتم إلا في حالة ارتقاء صوفي، في جدبة يفرضها ’لحال’، ولا تستقيم إلا إذا مزجت الواقع المعيش بالخيال، فتقول: "وكول على جدك/الحال ايجي بلا ميجال/حرك حركة/واركب لخيال".
تدرك الذات الزجالة أن آثار المعاني لا تظهر بسرعة، بل تتحين الظروف الملائمة لتنبت كما تنبت النباتات بعد شتاء طويل: "لحروف امخضرة اللوح/ احتى ايلى جا الصب/او بان العام/اللي ما عندها راس/اتديرو تاج ووسام".
ولأن للذات الزجالة قلبا مرهفا، يقف في محراب الجمال ويتعبد متألما، فإنها لا تهمل الجانب البشري منها، ذلك الذي يحس الجمال، ويسحر به، لذلك يتوجه في قصيدة "شرجم الكية" للمحبوبة بأسلوب الأمر الذي هو إلى الاستعطاف أقرب: "ديريني اكحل/ايلا داك النعاس/اعلى عتبة ارموشك/انبات أنا عساس". كما يقول: "ديريني خلخال في عركوبك/وساريني/كاع ادروبك". كما يقول أيضا: "ديريني مجدولك/ أو بيا تحزمي/راني بخيال/ قدك هواس".
تبرز بلاغة التفاصيل، والتوجه بالخطاب إلى جسد المحبوبة جزءا جـزءا، الشغف الشديد بتفاصيلها، وشدة الوله بها، وبأجزاء جسدها كاملة، فهي الكل الذي لا يدرك إلا بالاعتناء بأجزائه كلها، وهي الكل الذي يشكل كثرة تغني عن البقية بكثافة أجزائه، وهي الكل الذي يملك القدرة بسلطة الحب على جعل المحبوب يتوه بين الأجزاء متلمسا الفرج ممثلا في نظرة من المحبوبة عبر نافذتها (الشرجم) حيث تطل هي على الدنيا، ويطل هو على الألم (الكية).
ج- بلاغة أسلوب النداء
تستغل الذات الزجالة مساحة البوح المفتوحة لها لتطالب بحقوقها، فترفع عقيرتها منادية في قصيدة "مكسورة لجناح" : "واااامول الحق/ابغيت حقي/في الحقوق ارزق"، ولأنها ذات لا تحمل همها فقط ولا تطالب بحقوقها وحدها، فإنها لا تفوّت الفرصة للمطالبة بحقوق فئات أخرى ترى أن واجبها يفرض عليها استغلال صوتها للمطالبة بحقوقها فتهتف في غلاف اللوم والعتاب، ومعممة خطابها على متلق متعدد في القصيدة نفسها: "ها عار ليتيمة/ سعدها اتسرق/اعمرها اسبق/اعمرها سبق/ الظالمها غول الزمان/المشفي فيها قومان"، دون أن تخفي شغفها الخفي بلذة النداء بوصفه صرخة، رغم انها صرخة في واد، لكنها تبدو للذات الزجالة نغمة وموالا لأنها تدافع عن حق أصيل كما يُبرز هذا المقطع من "عمري يانا" : "يا صيحة في واد/ يااا محلاها/نسمع صداها/في غرق النوم/نغمة وموال".
تتساند الأساليب في بعض المقاطع، حين نجد تكامل النداء والسؤال، مخاطبين متلق محدد: "أيا المنطيح/ أيا خرب ليام/ لاش اتشرشم الحلمة؟ لاش ايفيقو بيك لنيام؟"، تركز صيغة الكلام على لوم المتلقي محددا هذه المرة في ذلك الغافل البليد الذي أفسد الحلم، وتسبب في جعل النوم يستيقظون ويكشفونه متلبسا بالقول وبالحلم.
ختاما
لا تسع هذه القراءة المقتضبة شساعة قصائد الديوان كلها، ولكنها قبضت قبضات متعددة من أصر جمالها، كما أن قراءة ديوان "عريس الدالية" تؤكد أنه ليس شرطا أن نسير إلى القصائد عبر عتباتها، تلك الدخلة الشرعية المتعارف عليها نقديا، رغم أن تغييب العتبات قد يعرضنا للتيه في تآويل للنص، ويجعلنا نبدأ رحلة استكشاف معانيه من الدروب المتفرعة في النصوص والتعابير، إلا أن ذلك التيه في القصائد دون نوايا مسبقة، يعطي للقراءة متعة خاصة يزيدها السير على غير هدى سحرا وغرابة. فبعض الدواوين تنشر جمالها بطريقتها الخاصة وتسلب الناقد منهجه، وتفوت عليه التزامه المتوهم بمراحل القراءة، فتمسك بيده، وتقوده إلى خدورها لتريه قصائدها المتوارية حياء -لجمالها- مادام الزين كيحشم على زينو، كما في المأثور المغربي المتوارث.
