أسوار الشمس
انتفضت الأم واقفة وقد احمر وجهها وصرخت في وجه ابنتها ستتزوجين عامر والأمر انتهي كان صوتها مجلجلا ..قفزت القطة البيضاء من النافذة ..وارتفع صوت البط في العشة المجاورة وتكورت نجوي في ركن الحجرة.
ربما لاتعرف ماالذي سيترتب علي الزواج سوي أنها ستترك بيتها الذي عاشت فيه وبعثرت طفولتها بين أحضانه وهي تضحك ..وأيضا ستترك أمها التي ليس لها سواها.
ولأن القرية تصاحب الحقول فقد تعلمت منها الصبر والانتظار ..لذا لم تنتج القرية في هذا الوقت سوي نبتة غريبة وجميلة
نجوي التي تحمل ملامح التفاح ورقة العصافير واشراقة الشمس وكبرياء السنابل وكلما سارت تتبعها المواويل وتعزف الأمواج.
نجوي التي حاصرتها اللهفة والدهشة من كل جانب فخافت أمها وقررت ان تزوجها لأول رجل يطرق الباب.
يقولون في الريف أن الرجل لايعيبه شئ لا فقره ولا شكله ولا عمره..
التراث كله يقر فكرة أن الرجل هو محور الكون وعليه وله تقوم الحياة وهكذا جاء عامر يكبرها بسنوات كثيرة وأسمر اللون وملامحه عليظة لكنه طيب القلب ويقضي يومه كله يقود التوكتوك ولديه بيت صغير ولا يعيش معه أحد وهذا ما رأت الأم أنه مناسب لابنتها.
ليلة الزفاف زحف الناس من كل صوب ليس لشئ سوي أن يروا الجميلة وهي في قمة زينتها وينحسرون.
زوجها نفسه لم يكن يصدق مايحدث وكان لايرفع عيناه عنها كأنه يحلم..
لاتظن أن الأمنيات كلها جميلة الأمنية حجرة مغلقة جديدة ..لاتري سوي ألوانها من الخارج وبابها اللامع لكنك حين تفتح الباب قد تأخذك الصدمة.
الخلافات بدأت سريعا بين نجوي وعامر ..وشجعها علي التمرد ضعفه أمامها وحبه الذي لايقدر أن يخفيه.
تحول التوكتوك الذي لايملك عامر سواه إلي صحيفة يومية..فهو يكتب عليه قصته مع زوجته وذلك باختيار مقطع من إحدي الأغنيات كل مرة حسب الظروف.
فمثلا حين تذهب لبيت أمها وتتركه غاضبة يكتب علي التوكتوك (بعيد عنك ..حياتي عذاب)
وحين تعود إلي بيتها ويتم الصلح بينهما يكتب (هذه ليلتي وحلم حياتي).
وهو عادة لايشكو ولايحكي فقط يكتب مايريده في صحيفته المتحركة وعليك أن تفهم الأمر.
ذات صباح بحث عنها في كل مكان فلم يجدها ولأيام طويلة بحث عنها الفلاحون في كل القري المجاورة ولم يعثروا عليها.
ثم أخبرهم أحد الشباب الذي يعمل في مدينة بعيدة أنه رآها مع صديق زوجها يعيشان هناك.
لم يتحدث زوجها مع أحد ولم يهتز وجمع سكوته في حقيبة كبيرة ووضعها بين ذراعيه.. كل مافعله أنه كتب في صحيفته (إنني أعطيت ما استبقيت شيئا).
صديقي كان يقول إن الحب عندنا يختلف عنه في المدينة تماما كما تختلف الخضروات وهي تستحم في الحقل عن تلك المعروضة في سوق المدن. وكما تختلف الدقات التي يسمعها كل الفلاحين عن تلك الدقات التي لايسمعها أحد في ضجيج السيارات والزحام . وقال أخي القرب لم يترك لنا فرصة لنحب مرتين.
بعد عام كامل عادت نجوي وقد ظهر عليها الهم والحسرة وطرقت باب أمها ثم عمها ثم خالتها فأنكرها الجميع وتبرأوا منها وكانت المفاجأة حين امسك زوجها يدها واصطحبها لبيته ولم يعقب.
في الصباح جعل (المانشيت) الرئيسي الذي يتصدر العدد الجديد (ما أحلي الرجوع إليه).
