الأحد ١٨ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

أجنحة من رماد

كان الليل يهبط على المدينة مثل غطاءٍ ثقيل، والمصابيح المصفوفة في الشارع تتكئ على بعضها، كأنها متعبة من الوقوف.

جلس وحده على مقعدٍ حديدي قرب محطة الحافلات، سيجارة بين أصابعه تحترق أسرع مما يتوقّع. لم يكن يفكّر فيها — تلك الفتاة — كما يتخيّل الجميع، بل في الأوراق الجامعية الممزّقة داخل حقيبته، وفي التدريب الذي أُقصي عنه أمس بعد تأخّره للمرة الثالثة، وفي الوجوه التي صار يتهرّب من مقابلتها كي لا يشرح شيئًا.

كان انفصاله عنها مجرّد شرارة صغيرة، لكن الشرارة أشعلت ما حولها حتى تحوّل قلبه إلى رماد. لم يكن الفشل في الحبّ ذاته، بل في الدوائر التي تشعّبت من حوله: دراسة تتداعى، محاولة أولى للعمل تسقط، صداقات تتسرّب من بين أصابعه. كلّ شيء بدا وكأنه ينهار بدوره، كأحجار دومينو تتساقط بلا توقّف.

في الجامعة، صار دخوله إلى القاعة محاطًا بإحساسٍ ثقيل بالانكشاف. دفاتره بيضاء، كأنها تفضحه، والمحاضرات تمرّ أمامه كضبابٍ لا يترك أثرًا. وعندما جاء الامتحان، اكتشف أن الورقة أمامه ليست سوى مرآة لهزيمته.

أمّا التدريب، فقد بدأ بوعدٍ مبهم من المشرف، ثم تحوّل إلى ملاحظات باردة، وانتهى باستبعاده بصمت. خرج يومها إلى الشارع يحمل حقيبةً صغيرة فيها دفاتره، وأحسّ أن المدينة كلّها تنظر إليه بعينٍ واحدة: عين المتعثّر.

الأصدقاء حاولوا، لكنهم لم يجدوا الطريق إليه. كانوا يدعونه إلى نزهة، أو عشاء، أو جلسة على ضفاف النهر، لكنه كان يجلس بينهم بحضورٍ باهت؛ يبتسم نصف ابتسامة ويغرق في صمته. ومع الوقت، لم يعودوا يتّصلون. لم يكن ذلك تخلّيًا، بل كان انسحابه هو ما جعل غيابه أمرًا عاديًا.

وحين ضاق عليه صمته، حاول أن يهرب إلى الصخب. دخل أماكن مزدحمة، تبادل كلماتٍ عابرة مع وجوهٍ لا يعرف أسماءها، وضحك بصوتٍ عالٍ ليُقنع نفسه أنه بخير. لكنه كان يعود كل ليلة أكثر خواءً، كأن الضحك في الخارج لا يزيده إلا فراغًا في الداخل.

وذات مساء، حين عاد مترنّحًا من جولة بلا معنى، وجده أبوه واقفًا عند الباب.

— «إلى متى ستظلّ تهرب؟»

لم يُجب. كان يعرف أن السؤال لا يخصّ فتاة رحلت، بل حياةً كاملة تركها هو تتفتّت.

في تلك الليلة، وقف أمام المرآة طويلًا. لم يرَ ملامحه كما عرفها، بل ظلّ رجلٍ يجرّ وراءه سلسلة من الخيبات كعربةٍ صدئة. تمتم: «هل خسرتُها حقًا، أم خسرتُ نفسي بعدها؟» ولم يجد جوابًا.

جلس على سريره، ترك السيجارة تحترق حتى نهايتها، ثم أطفأها في كوب ماء. نهض وفتح نافذته. تسلّلت نسمة باردة إلى الغرفة، كأنها تهمس له بشيءٍ لم يفهمه تمامًا. عندها تذكّر دفترًا قديمًا كان يكتب فيه أفكاره وأحلامه قبل أن تغمره الخسارات. أخرجه من درجٍ منسيّ، وبدأ يقلّب صفحاته. كانت الكلمات القديمة مثل يدٍ تربّت على كتفه: ما زلتَ هنا.

شعر أن الرماد الذي عاش فيه لم يكن موتًا نهائيًا، بل بقايا احتراق قد تُنبت منه أجنحة جديدة. ابتسم بخجل، التقط قلمًا، وظلّ يحدّق في الصفحة البيضاء طويلًا قبل أن يكتب جملة واحدة:

«اليوم لا يشبه الأمس.»

قرأها بصوتٍ خافت، وأدرك أن النهوض قد بدأ. لم يحتج إلى أكثر من هذا السطر كي يعرف أنه يملك، وسط الرماد، ما يكفي ليصنع أجنحة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى