وجه بلا جهة
في لحظة ارتباك، حيث تبددت الملامح كما يتلاشى ضبابٌ في مهبِّ ريحٍ غريبة، وقف يحدق في فراغٍ يتقن التحديق فيه، كأن بينه وبينه مسافةً تُقاس بما يفلت منه، لا بما يقترب. كان يشعر أن الفراغ ليس فراغاً تماماً، بل امتلاءٌ مؤجلٌ يترقب أن يُفهم.
الفراغ ممتلئ على نحو غريب، يعيد إليه صدى خطواتٍ يجهل أنه خطاها، وأصواتاً تشبهه تنبض بهدوءٍ أقرب إلى سرٍّ عصيٍّ على البوح. قال، أو ظن أنه قال: «كم مرة عليَّ أن أعود كي أصل؟»
فجاءه الصوت من جهة غابت عن التفاتته: «تعود لأنك غادرتَ أصلاً».
التفت ببطء، كما لو أن الالتفات فعلٌ مفروضٌ عليه، لا يملك حياله اختياراً، فرأى هيئةً تنتمي إلى جهةٍ أخرى، تقف على مسافة أقرب مما يحتمل؛ حضورٌ يثير الشك ويغذيه في آنٍ واحد.
كانت الهيئة غريبة عنه على نحوٍ يهتزُّ بما يتوقعه، فما يخرج منا لا يغادرنا حقاً، بل يبقى معلقاً في خفايانا، ينظر إلينا بجهلٍ تامٍ بما سيحدث، متجرداً من هذا القدر المريب من السكون.
اقترب ذلك الآخر بخطوات صامتة، حتى صار بينهما هواءٌ واحد، ممتلئ بأسئلةٍ غنيةٍ عن الكلمات، كأن اللغة بينهما فقدت ضرورتها، أو لعلها عجزت عن اللحاق بما يحدث.
قال الآخر: «أرهقتني بكثرة ما تجاهلتني».
ارتبك، متأثراً بألفة الصوت، كأنه يسمعه منذ زمن بعيد، أو منذ لحظةٍ لم يعترف بها قط، متذكراً أبواباً صغيرة أغلقها في داخله، كلُّ بابٍ يحمل سبباً مؤجلاً، وكل تأجيل كان يشبه خيانةً خفية.
«من أنت؟»
سأل أخيراً، لكن السؤال خرج من فمٍ منكسر، كأنه يعرف الإجابة ويخشى اكتمالها، يخشى أن تتحول إلى يقينٍ لا يمكن التراجع عنه.
ابتسم الآخر، ابتسامةً مستقلةً بذاتها، لا تستأذن القصد ولا تحتاجه، تحمل احتمالاً مؤجلاً: «أنا الذي كنت تتركه كلما اخترتَ أن تكون واضحاً، أنا ما يتبقى حين تنتهي من إقناع نفسك، أنا القرين الذي لا يقبل التفسير».
تراجع، بيد أن المسافة ثبتت، كأن المكان نفسه صار متواطئاً، يرفض السماح له بالهروب، ويعيده إلى النقطة ذاتها كل مرة، كما لو أن الدائرة أضيق مما ظن.
«ولماذا الآن؟»
«لأنك بدأت تلاحظ غربتك عن نفسك، وكلما ابتعدتَ أكثر اقتربتُ أنا، حتى صرتُ أسبقك إلى ملامحك، وأسبقك إلى ما تظنه اختيارك».
ساد صمتٌ ثقيل، ممتلئ بانكسارات صغيرة تحدث داخله دون أن تُرى، كأن شيئاً ما يُعاد ترتيبه بعنفٍ هادئ، كأن داخله يُعاد كتابته دون إذنه.
أراد أن يلمس وجهه ليتأكد من ملكيته له، بيد أن الآخر سبقه ورفع يده في اللحظة نفسها، غير أن الإحساس بدا متنافراً هذه المرة، كأن اليد لم تعد تعرف صاحبها.
تجمد.
سبق له رؤية هذا التطابق، لكنه هذه المرة شعر أن يد الآخر هي الأصدق بينهما، وأن ما يراه يفرض نفسه عنوة، بلا حاجةٍ إلى تصديق.
«أينا الحقيقي؟»
همس.
فأجابه الآخر بهدوء وثقة: «السؤال الخطأ دائماً يبدو أكثر إقناعاً، لأنه يريحك من رؤية ما تعرفه».
ثم تقدم خطوة، واختلطت ملامحهما، كذكرى تنسى حدودها، كأن وجهاً ثالثاً يولد بينهما دون إعلان، وجهٍ لا ينتمي لأحدهما تماماً.
وفي تلك اللحظة، تاهت به السبل؛ أهو الناظر أم المنظور إليه؟ أم أنهما معاً مجرد أثرٍ لشيءٍ لم يعد يُرى؟
وبين هذا التداخل، شعر أن صوته لم يعد يخصه وحده، وأن صمته كذلك لم يعد آمناً، كأن الداخل والخارج تبادلا مواقعهما، وانمحى الحد الفاصل دون رجعة.
مد الآخر يده، لا ليصافحه، بل ليعيده، أو ليسحبه إلى حيث لم يذهب من قبل، إلى تلك المنطقة التي كان يؤجلها دائماً، حيث لا يمكن أن يكون واحداً.
وفي ارتعاشة خفيفة، لم يعرف إن كانت خوفاً أم تحرراً، أدرك أن ما كان يهرب منه لم يكن سوى نفسه، وأن الانقسام لم يحدث الآن، بل كان قديماً… لكنه فقط بدأ يُرى.
