مُذَكَّراتُ إِنْسانٍ رحَّالٍ
أَوَّلُ قَطْرَةِ دَمٍ أُرِيقَتْ،
كَانَتْ دَمِي.
وَأَوَّلُ دِمَاغٍ تَهَشَّمَ وَتَنَاثَرَ،
كَانَ دِمَاغِي.
أَوَّلُ كَفٍّ
كَوَتْهَا جَمَرَاتُ الضَّغِينَةِ،
كَانَتْ كَفِّي.
أَوَّلُ أُصْبُعٍ
بَلِيَ وَتَعَفَّنَ فِي أَلَمِ المَقْتِ،
كَانَ أُصْبُعِي.
أَوَّلُ غَايَةٍ
لَفَحَهَا الهَجِيرُ عِنْدَ بَوَّابَةِ مَدِينَةِ أَمَلِ الشَّمْسِ الشَّارِقَةِ،
كَانَتْ غَايَةَ مَا فِي أعماقِي.
أَوَّلُ حُلْمٍ احْتَرَقَ وَتَفَتَّتَ،
كَانَ حُلْمِي.
أَوَّلُ نَصِيبٍ
التُّهِمَ وَابْتُلِعَ فِي بَيْدَرِ الأَنْصِبَةِ،
كَانَ نَصِيبِي.
أَوَّلُ جَسَدٍ أُخْرِجَ مِنْ مَضْجَعِهِ الأَزَلِيِّ
وَنُبِشَ،
كَانَ جَسَدِي.
أَوَّلُ خَيْمَةٍ
أُضْرِمَتْ فِيها نِيرَانُ التَّشْرِيدِ
تَحْتَ أَنْظَارِ العالَمِ المَذْهُولَةِ،
كَانَتْ خَيْمَتِي البالِيَةَ.
أَوَّلُ مَدِينَةٍ
بُقِرَ بَطْنُ أَحْلامِها،
بِأَمْرِ "ضَحَّاكٍ" الطَّاغية
كَانَتْ مَدِينَتِي المَسْلُوبَةَ البَهَاءِ.
أَوَّلُ ثَغْرٍ
قُطِعَ فِي قَامُوسِ حَدِيثِ الأَيَّامِ وَشُجُونِهَا،
كَانَ ثَغْرِي.
أَوَّلُ عَيْنٍ
تَرَقْرَقَتْ فِيها عَبَراتُ الدَّمِ،
كَانَتْ عَيْنِي.
أَوَّلُ اسْمٍ
أُسِرَ في مَحْفِلِ الأَسْماءِ،
كَانَ اسْمي.
أَوَّلُ رأْسٍ
قُطِعَ في غابَةِ الرُّؤُوسِ،
كَانَ رأْسِي.
أَوَّلُ سِراجٍ
أُطْفِئَ بِكَفِّ الحِقْدِ وَبِقُوَّةِ المَقْتِ،
كَانَ سِرَاجِي.
أَوَّلُ حَيَاةٍ
أُغْلِقَتْ دُونَهَا الأَبْوَابُ الخَضْراءُ،
كَانَتْ حَياتِي.
أَوَّلُ إِنْسانٍ
جُرِّدَ مِنْ عُنْوانِ وَرِداء الإِنْسانِيَّةِ،
لَمْ يَكُنْ سِوايَ!
هبَّ إِعْصَارُ الكوْنِ الأَسْود
وعَصَفَ فِي أَعْماقِ مَدِينَتِي،
وَأجتاحني بِشَظَايا عِظَامي المَخْضُوبَةِ دَّماً،
نَحْوُ جَزِيرَةِ الفَناء والعَدَمِ،
وسَاقَنِي إلى َدَوَّامَةٍ سَحِيقَةٍ لَا قَاعَ لَهَا.
وغَيَّبَنِي فِي ضَبابِ زَمَنٍ كَدِرٍ مُظْلِمٍ
وَأَغْرَقَنِي إِلَى الأَبَدِ!!
1986
