الأحد ١٨ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم غدير حميدان الزبون

مخاض الأرض

تنشقّ عتمة الليل الخريفية الباردة عن خيط الفجر الأبيض، لتبدأ الحارة العتيقة فصلاً جديداً من فصول البقاء. جاء هذا الصباح مشحوناً برائحة الطابون الساخن وعبق زيت الزيتون البكر الذي يملأ المدى ممزوجاً بندى دافئ يتساقط فوق الحجارة الصوانية الدامعة.

تنحني الجدات والأمهات الجميلات على حافّة الزقاق فوق عتبات البيوت، يمسحن غبار الوجع عن وجه الأرض بكفوف متشققة تقطر بركة، ويغزلن من خيوط الضياء الأولى دثاراً لوطن يصارع البقاء وينزف عزةً وكبرياء.

يا لجمال هذا الصمود الصامت الذي يستمد من عيون المخيمات والقرى قصة ثبات لا تنتهي!

وفجأة يدوي صوت الأذان متلاحماً مع قرع أجراس الكنائس في الفضاء، مسبباً ارتعاشة قوية في أوصال الحارة المتعبة.
تساقطت حبات الندى دفعة واحدة عن غصون الزيتون العتيقة كأنها لآلئ من فضة، وانفتح باب دكان الوراقة القديم من تلقاء نفسه ليمتلئ المكان بضوء شمس باهر يخطف الأبصار.

خرج العابر الذي قضى ليلته يرقب الأوراق، ووقف مذهولاً أمام عتبة الدكان وهو يتنفس الصعداء.

تساءل بصوت متهدج: "كيف يشرق الضياء من قلب هذا النزف المستمر؟" فالتفتت إليه أمه الواقفة عند الطابون، وبثقة تهزّ الجبال قالت: "يا بني، إنّ الأرض التي روتها دماء الصابرين لا تموت، والزيتون الذي نمى في ليل الانتظار لا ينحني للأعاصير".

وعلى مقربة من القنطرة الأثرية كانت المرأة المتعبة تقف شامخة كالسنديان، تنظر إلى شجرة الزيتون الرومية التي تضرب جذورها في عمق الصخر وتمدّ فروعها نحو السماء.

التمعت عيناها ببريق التحدي والدهشة وهي ترى الأرض من تحتها تهتز بنبض جديد، وتسمع هاتفاً خفياً ينبعث من باطن التراب ليقول: "كفّوا عن البكاء، فاليوم قيامة الصمود، والفرج يأتي بغتة كالصاعقة ليهدم عروش القهر".

انظروا كيف يتحول الصبر المستمد من وجدان الأمهات والجدات إلى بيارق حرية ترفرف في الأفق!

لقد انقشعت سحابة الخوف، وقامت الحارة بأسرها على بشارة فرح مقيم، ليعلم الكون أجمع أنّ هذا الوطن رغم جراحه النازفة سيبقى صامداً مرابطاً يكتب تاريخ الكرامة بمداد الثبات واليقين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى