صناعة المعنى بين بلاغة الصورة وبلاغة الكلمة
لم يعد المعنى يُبنى بالكلمات وحدها، فقد دخلت الصورة في صميم إنتاج المعرفة وتداول الأفكار وأصبحت شريكًا فاعلًا للكلمة في تكوين المواقف وصناعة الانطباعات، بل إنها تسبقها أحيانًا إلى المتلقي بفضل قدرتها على اختزال المسافة بين الحدث وتأويله وبين ما تقع عليه العين وما يستقر في الذهن. وهكذا اتسع السؤال ليشمل طرائق تقديم المعنى وما تختار اللغة كشفه وما تنتقيه الصورة لتضعه أمامنا والآليات التي تتحكم في صياغة وعينا بما نتلقاه.
إننا نعيش في زمن تتزاحم فيه الصور على انتباه الإنسان وتتدافع فيه الكلمات لتفسير الواقع أو إعادة صياغته، وبين المسارين تنشأ علاقة معقدة تتداخل فيها عناصر التنافس والتكامل والتعارض؛ فالكلمة تمنح الصورة أبعادًا تتجاوز حدودها المرئية والصورة تختصر صفحات من الوصف في لحظة بصرية واحدة. وتضعنا هذه القدرة المشتركة على التأثير أمام سؤال جوهري حول حقيقة ما نراها ومحايدة ما نقرؤه، أم أننا إزاء طرائق مختلفة في بناء الحقيقة وتوجيه إدراكنا لها.
تستمد الكلمة بلاغتها من قدرتها على تجاوز معناها المباشر واستدعاء ما يختبئ خلفه من دلالات وإيحاءات، فهي تتجاوز تسمية الأشياء إلى إعادة بناء علاقتنا بها وتفتح أمام المتلقي مساحات للتأويل تتسع أو تضيق بحسب السياق والثقافة والتجربة الفردية. وقد تحمل عبارة قصيرة من المعاني ما تعجز عنه صفحات طويلة بفضل ما تتركه من فسحة لاكتشاف المضمر واستكمال الدلالة، وهنا تكمن إحدى أهم خصائص البلاغة اللغوية إذ تمتد فاعليتها من التصريح إلى الإيحاء وإثارة الأسئلة وترك فراغات يتولى الوعي ملأها.
وترتبط بلاغة الكلمة بهدف المتحدث وعلاقته بالواقع، فاللغة تصف الأحداث وتمنحها معاني مختلفة وقد تؤثر المفردة المختارة في الحكم على الواقعة؛ فما يُعدّ احتجاجًا في موقف قد يُعدّ فوضى في موقف آخر وما يُعرض بوصفه دفاعًا قد يُفسَّر بطريقة مختلفة، وتصبح الكلمات وسيلة لتوجيه فهم المتلقي للأحداث وتكوين موقفه منها قبل أن تتضح له حقيقتها. أما الصورة فقد اكتسبت في العصر الحديث سلطة مضاعفة لاتصالها المباشر بالإدراك البصري وقدرتها على صناعة انطباع سريع يسبق التحليل العقلي، فالمشهد المرئي يستثير العاطفة ويستحضر الخوف أو التعاطف أو الغضب في لحظة قد تعجز الكلمة عن مجاراتها، وربما كانت صورة واحدة أبلغ من خطاب طويل لأنها تجعل الحدث قريبًا ومحسوسًا وتنقل الإنسان من موقع السامع إلى موقع الشاهد أو تمنحه شعورًا بأنه أصبح شاهدًا على الحقيقة كاملة.
وتتصل هذه القوة بحدود الصورة وإمكانات توظيفها فهي تخضع لعمليات الانتقاء والتأطير والتوجيه شأنها شأن اللغة، فزاوية التصوير ولحظة الالتقاط والمسافة بين الكاميرا والحدث وما يدخل الإطار وما يقع خارجه كلها عناصر تسهم في إنتاج المعنى. والكاميرا تلتقط جزءًا من الحدث يظل مهما بدا واضحًا محكومًا بحدود الإطار واللحظة التي ثُبّتت فيها، وقد تُختار صورة واحدة لتلخيص حدث معقد فتُختزل الحقيقة في مشهد والمشهد في انطباع ثم يتحول هذا الانطباع بفعل التكرار والتداول إلى حكم نهائي يصعب زحزحته.
ولعل الخطر الأكبر يكمن في أن تكون الصورة صحيحة في حدودها لكنها مضللة في دلالتها، فقد تعرض مشهدًا حقيقيًا وتفصله عن أسبابه وسياقه تاركةً للمتلقي بناء استنتاج تتجاوز دلالته ما تثبته الوقائع.
وهكذا تصبح الحقيقة الجزئية أداة لحجب الحقيقة الأوسع عبر إقصاء العناصر التي تجعل الحدث مفهومًا، فالرؤية المباشرة تمثل بداية المعرفة فيما يتطلب الفهم استحضار السياق وربط التفاصيل بأسبابها ونتائجها إذ قد يبدو المشهد واضحًا بينما تظل دلالته مفتوحة على احتمالات متعددة. من هنا تتجلى أهمية العلاقة بين بلاغة الصورة وبلاغة الكلمة، فالصورة تمنح المعنى حضورًا حسيًا وتكشف الكلمة خلف هذا الحضور شبكة الأسباب والنتائج والاحتمالات، فالصورة تقول هذا ما حدث أمام العدسة والكلمة تسأل لماذا حدث وما الذي سبقه وما الذي غاب عن المشهد، ومن هذا التفاعل تنبثق قيمة معرفية أوسع حين تختبر كل أداة حدود الأخرى وتفتحان معًا مجالًا أكثر رحابة للفهم. فاللغة تضيف إلى المشهد عمقه التفسيري والصورة تمنح الخطاب مرجعًا بصريًا يجعله أقرب إلى التجربة المحسوسة.
ومع ذلك قد تتحول هذه العلاقة إلى وسيلة للتضليل حين تتضافر الكلمة والصورة لتوجيه المتلقي نحو نتيجة مقررة سلفًا، فقد تُرفق صورة بعنوان يوحي بما يتجاوز دلالتها أو يُستخدم تعليق مقتضب لمنح مشهد عابر معنى سياسيًا أو اجتماعيًا محددًا أو تُستدعى كلمات مشحونة عاطفيًا لتقديم الصورة بوصفها دليلًا على موقف تتجاوز دلالته حدود ما تثبته تفاصيل المشهد.
وفي هذه الحالات يتحول النص من أداة للتفسير إلى إطار يحدد طريقة الرؤية وتغدو الصورة غطاءً بصريًا يمنح الادعاء مظهر الحقيقة ويثبته. ويتضاعف هذا التأثير في الإعلام والمنصات الرقمية حيث تتنافس المواد المنشورة على جذب الانتباه وتُكافأ الرسائل السريعة والمثيرة على حساب المعالجات المتأنية، فقد تنتشر الصورة اللافتة قبل التحقق من ملابساتها ويستقر العنوان المثير في الذاكرة قبل قراءة التفاصيل التي قد تعدّل دلالته أو تكشف تناقضه، وهكذا تتقدم سرعة الاستجابة على بطء الفهم ويصبح المتلقي عرضة لإصدار الأحكام قبل اكتمال المعرفة وتبنّي المواقف قبل اختبار الأدلة التي تستند إليها.
وتتحدد قيمة الصورة والكلمة بحسب الغاية التي تُستخدمان من أجلها وبحسب الوعي الذي يستقبلهما، فقد تنقذ صورة تفصيلًا إنسانيًا من النسيان وتمنح قضية مهمشة حضورًا تعجز عن تحقيقه الخطب الطويلة كما تستطيع كلمة دقيقة أن تعيد إلى الصورة سياقها المفقود وتحررها من التأويل المتعجل، وفي المقابل قد تُستخدم اللغة لتزييف الوقائع وإعادة تنظيم تفاصيلها بما يخدم غرضًا محددًا كما تستطيع الصورة المنتقاة تحويل الاستثناء إلى قاعدة والحادثة العابرة إلى حقيقة عامة.
ومن ثم تحمل أدوات التعبير إمكانات متعارضة وتتحدد نتائجها بطرائق استخدامها وبالقدرة على إخضاعها للفحص والنقد. وتكتسب مسؤولية المتلقي أهمية لا تقل عن مسؤولية الكاتب والمصور والإعلامي، فالمشاهدة الواعية تبحث عمّا تعرضه الصورة وما استبعدته من عناصر وتفحص الكلمات المستخدمة والبدائل التي جرى تجاهلها، وهي تتعامل مع العنوان بوصفه مدخلًا إلى الموضوع ومع الصورة بوصفها دليلًا يحتاج إلى التحقق والاستكمال فتبحث عن المصدر والسياق والتوقيت وتقارن بين الروايات وتفصل بين ما تثبته الوقائع وما توحي به الانفعالات.
فامتلاك القدرة على الرؤية يختلف عن امتلاك أدوات الفهم والقراءة الواعية تتطلب مهارات نقدية تتجاوز فك الرموز اللغوية إلى تحليل المقاصد والعلاقات والسياقات. وفي المحصلة تتجاوز القضية المفاضلة بين بلاغة الصورة وبلاغة الكلمة إلى البحث في كيفية اشتغالهما معًا على بناء وعينا بالعالم، فالصورة توقظ السؤال والكلمة تمنحه عمقًا والصورة تضعنا أمام الحدث بينما تعيننا اللغة والتحليل على إدراك ما يتجاوز حدوده المرئية.
وبينهما تتحدد مساحة واسعة من المسؤولية الثقافية والأخلاقية حيث تتطلب المعرفة ممارسة تتجاوز المشاهدة والقراءة إلى مساءلة ما يظهر أمامنا وتحليل ما يحمله من دلالات واختبار ما يستند إليه من ادعاءات. ففي زمن تحيط فيه بالحقيقة أنهار من الصور وتتنازعها روايات متعددة تكمن المعضلة في كيفية صياغة المعلومات وتأويلها وفي تزاحم المعاني المتنافسة على توجيه وعينا، وربما كان السؤال الأكثر إلحاحًا حول بلاغة إحدى الوسيلتين أو من يملك حق صياغة المعنى ومن يحدد ما ينبغي أن نراه وما ينبغي أن نفهمه وما الذي يُدفع إلى هامش الرؤية حتى يغيب عن وعينا. ذلك أن أخطر أشكال التضليل يتمثل في تقديم جزء من الحقيقة بوصفها الحقيقة كلها، إذ يكفي أحيانًا أن يُعرض المشهد من زاوية واحدة وأن تُحاصر دلالته بكلمات منتقاة حتى يتحول النقص في المعرفة إلى يقين راسخ ويصبح المتلقي مدافعًا عن صورة جزئية يظنها العالم بأسره.
