سيميائية عتبة العنوان، جدارية محمود درويش
عندما يتعانق النقد الفني مع النقد اللغوي تظهر سيميائية إبداعية تنطق بالجانبين: الكتابي والبصري، وتعد اللوحة البصرية التي تكحل العين تلخيصاً للفكرة التي تضمنها النص الأدبي بشقيه الشعري والنثري، والمتأمل للوحة خلاف العنوان المتدثر بها نص الجدارية يجد الصورة لخصت المحتوى، فالخط الذي كتب به العنوان خط ثلثي وهو الخط التاريخي الذي انبثقت عنه باقي خطوط العربية وهو علامة على قدم النص الأسطوري التي كانت الثيمة الرئيسة للنص وقد دونت باللون الأبيض (جدارية) لتدل على البقاء والصفاء والإحصاء الزمني، والحرية والسلام ... واسم الشاعر قد كتب بخط ثلثي وباللون الأصفر ليدل على الحزن والمرض والنص يقوم على التحدي الواضح الذي يبديه الشاعر نحو الموت التي بدأت تلوح بوادره، وقد عبر عنه في النص بشكل واضح عندما قال: ولا أحس بعنفوان الموت، فقد كان الشاعر يرقد على سيري المرض والموت يحدق به، ولو نظرنا على خلفية العنوان نجده يستحضر ألواحاً تلونت بين البني والأسود وتخللها اللون الأخضر واللا زوردي، وهذه العلامات لها دلالات جاءت تجسد فقرات تضمنها النص، فهذه الألواح تذكر بأسطورة جلجامش أو لنقل ملحمة جلجامش الموغلة في التاريخ وقد كانت في مكتبة أشور بانيبال في العراق، وهذه الألواح وصلت إلى اثني عشر لوحاً، وقد عزف الشاعر على اللوح الحادي عشر الذي حمل فقرة الطوفان وقد كان امرئ القيس قد أشار غليها وهو يكتب معلقته التي مطلعها:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْملِ
ومن يسبر غور المعلقة يجد الطوفان الوارد في معلقة امرئ القيس وقد ختم بها معلقة مستقاة من اللوح الحادي عشر لملحمة جلجامش، وهذا يؤسس للملحمة العربية التي نظمها امرؤ القيس، وجاءت الجدارية لتقدم النموذج من خلال التركيز على جلجامش وملحمته وصراعه مع الموت فجلجامش ولد لأم من طبقة الآلهة ولأب من طبقة البشر، وقد كتب الخلود في الأسطورة للآلهة والموت للبشر فقد صارع جلجامش الموت لينتصر عليه وقصة النبتة والحية معروفة في التاريخ عندما حصل على نبتة الحياة وجلس ليستريح من عناء السفر ونزلت إلى واحة ليستحم وترك النبتة على اليابسة فجاءت الأفعى وأكلتها، وتغيير جلد الأفعى يعزى وفق الأسطورة لتلك الحادثة.
أما الطوفان الذي ذكره امرؤ القيس فنجده في الأبيات الآتية:
أحارِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَهُ
كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِبٍ
أَمان السَّلِيْطَ بالذُّبَالِ المُفَتَّلِ
قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ حامر
وبَيْنَ إكام، بُعْدَمَا مُتَأَمَّلِي
فأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ عن كل فيقةٍ
يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ
وَلاَ أُطُماً إِلاَّ مَشِيداً بِجِنْدَلِ
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً
مِنَ السَّيْلِ وَالغُثّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
كَأَنَّ أباناً فِي أفانين ودقه كَبِيْرُ
أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
وأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَهُ
نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المحملِ
كَأَنَّ سباعاً فِيْهِ غَرْقَى غُديّة
بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عَنْصُلِ
عَلَى قَطَنٍ، بِالشَّيْمِ، أَيْمَنُ صَوْبِهِ
وَأَيْسَرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُل
وَأَلْقى بِبَيسانَ مَعَ الليلِ بَرْكَهُ
فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ
وفي جدارية محمود درويش نجد الاسطورة التي جسدتها الملحمة متحدثة عن جلجامش وأنكيدو قد ضمنها الشاعر في جداريته، وقد حزن جلجامش على أنكيدو وقد فارق الحياة، ليبحث جلجامش عن الخلود الذي لا يجده سوى في بناء جدار على مدينته مدينة اوروك، ليكتب للمدينة البقاء، وقد قلده محمود درويش في الجدارية عندما لون احد الألواح باللون الاخضر الذي ظهر على الغلاف ليقول درويش:
خضراء، أرض قصيدتي خضراء عالية
ولعل درويش أراد لفلسطين أن تبقى حاضرة ومحررة وخضراء مثلما نظر جلجامش إلى أوروك
وقد جسد درويش تجربة الملحمة في جداريته فقال:
جلجامش الخضراء من زمني إلى زمني... يكسرني الغياب كجرة ماء صغيرة... نام أنكيدو ولم ينهض
أما فلسفة الشاعر فقد وثقها بما قاله طرفة بن العبد في معلقته
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى...
وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العاذلات بشربة...
كميت متى تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف محنبًا...
كسيد الغضا نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن، والدجن معجب...
ببهكنةٍ تحت الطراف المعمد
وتلك الفلسفة التي تركز على الوجودية، فطرفة يرى أن الحياة في شرب الخمرة وإقراء الضيف والتمتع بالنساء .
