السبت ١٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم محمد محضار

سفر في الاِرْتِدادِ الزّمني

كُنْتُ فِي خَلْوَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَقْهَى RIVER CLUBالُمطِلِّ عَلَى كُورْنِيشِ نَهْرِ سَبُو أَسْتَمْتِعُ بِلَحْظَةِ سَكِينَةٍ وَهُدُوءٍ، أُرَاجِعُ فِيهَا نَفْسِي، كَانَ النَّهْرُ مُتَدَفِّقاً وَقَدْ آنَسَ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ الدَّافِئَةِ الَّتِي كَانَتْ تُسْبِلُ عَلَيْهِ حَنَاناً يَتَجَاوَزُ المَدَى، عِنْدَمَا رَنَّ هَاتِفِي النَّقَّالُ، كَانَ المُتَّصِلُ صَدِيقِي، فَتَحْتُ الخَطَّ، وَحَيَّيْتُهُ بِحَرَارَةٍ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَحْوَالِهِ، أَخْبَرَني أَنَّهُ يَعِيشُ حَيَاتَهُ بِتَرْتِيبٍ خَارِجَ المَجَازِ، بَدَا لِي كَلَامُهُ غَيْرَ مُتَنَاسِقٍ، فَوَجَّهْتُ لَهُ سُؤَالاً مُبَاشِراً:

 قُلْ لِي بِحَقِّ السَّمَاءِ أَيْنَ أنت الآنَ؟؟؟

رَدَّ بِصَوْتٍ مُخَاتِلٍ :

 أَحِسُّ بِأَنَّنِي خَارِجَ الزَّمَنِ، وَلَا أَسْتَطِيعُ فَهْمَ مَا يَقَعُ حَوْلِي

أَيْنَ أَنْتَ؟؟؟

أَجَابَ:

 أَنَا موجود بِمَدِينَةِ خُرِيبْكَة

سَأَلْتُهُ عَنْ سِرِّ اخْتِيَارِهِ لِهَذِهِ المَدِينَةِ القَابِعَةِ فِي هَضْبَةِ الفُوسْفَاطِ، تَرَدَّدَ فِي الجَوَابِ وَتَلَكَّأَ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَنِي بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ السَّبَبَ، فَقَدْ خَرَجَ صَبَاحًا مِنْ شَقَّتِهِ، ثُمَّ رَكِبَ سَيَّارَتَهُ، وَضَغَطَ عَلَى دَوَّاسَةِ البِنْزِينِ، فَقَطَعَ مَسَافَاتٍ مُتَقَطِّعَةً دُونَ أَنْ يُعِيرَ انْتِبَاهًا لِلَوْحَاتِ المُدُنِ، وَلَا إِلَى إِشَارَاتِ تَحْدِيدِ السُّرْعَةِ أَوْ بَدَلَاتِ الطَّرِيقِ، وَقَالَ أَيْضًا إِنَّ الإِحْسَاسَ بِالزَّمَنِ وَالمَكَانِ لَمْ يَعُدْ يَدْخُلُ فِي حسْبَانِهِ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَرْتِيبِ أَوْرَاقِهِ بِشَكْلٍ يَسْمَحُ لَهُ بِالتَّعَامُلِ مَعَ الوَضْعِ بِشَكْلٍ مَعْقُولٍ .

سَأَلْتُهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِصَوْتٍ حَاد:

لَا أَفْهَمُكَ يَا صَدِيقِي، وَكَلَامُكَ يُخِيفُنِي؛ لِأَنَّهُ يَدُورُ فِي سِيَاقٍ يَبْدُو غَيْرَ وَاقِعِيٍّ، فَمَاذَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ أَجْلِكَ؟
أَجَابَ بِصَوْتٍ مُتَوَسِّلٍ:

اِفْعَلْ شَيْئًا يَا صَدِيقِي، فَخُرِيبْكَةُ جُزْءٌ مِنْ ذَاكِرَتِكَ، قُلْتَ لِي مِرَاراً إِنَّهَا حَاضِرَةٌ فِي لاوعيك، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

ارْتَشَفْتُ جُرْعَةً مِنْ كَأْسِ العَصِيرِ الَّذِي كَانَ أَمَامِي، ثُمَّ مَسَحْتُ حُبَيْبَاتِ العَرَقِ المُتَسَرِّبَةِ مِنْ جَبِينِي، وَنَقَلْتُ الهَاتِفَ إِلَى الأذُنِ الأُخْرَى وَقُلْتُ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ:

هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ بِأَنَّكَ مَوْجُودٌ حَالِيًّا بِهَذِهِ المَدِينَةِ؟!

نَعَمْ، لَقَدْ قَرَأْتُ اسْمَ المَدِينَةِ عَلَى لَوْحَةٍ عِنْدَ مَدْخَلِهَا وَأَنَا قَادِمٌ مِنَ الطَّرِيقِ الوَطَنِيَّةِ رَقْمِ12.

أَحْسَسْتُ مِنْ خِلَالِ رَنَّةِ صَوْتِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي كَلَامِهِ وَحَدِيثِهِ، وَأَنَّ بِإِمْكَانِي مَدَّ يَدِ العَوْنِ لَهُ لِلتَّكَيُّفِ مَعَ الوَضْعِ الَّذِي فَرَضَتْهُ الظُّرُوفُ عَلَيْهِ. طَلَبْتُ مِنْهُ تَحْدِيدَ مَوْقِعِهِ، فَقَالَ بِأَنَّهُ تَجَاوَزَ مَدْخَلَ المَدِينَةِ، وَوَصَلَ إِلَى "الدَّوْرَةِ" أَوْ مَا يُسَمَّى الطُّرُقَ الأَرْبَعَةَ، قُلْتُ لَهُ: "عَلَيْكَ أَنْ تَنْعَطِفَ إِلَى اليَسَارِ، عِنْدَمَا تَصِلُ إِلَى العَامرِيَّاتِ، تَرَحَّمْ عَلَى الأَمْوَاتِ وَالأَحْيَاءِ، وَلَا تَنْسَ طَلَبَ الرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ لِلْوَلِيِّ الصَّالِحِ "عَبْدِ الخَالِقِ"، ثُمَّ عَرِّجْ عَلَى "مْنِينَة"، وَاشْرَبْ مِنْ مَاءِ بِئْرِهَا هَنِيئًا مَرِيئًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ ."

تَوَقَّفَتِ المُكَالَمَةُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، عَلَى أَمَلِ اسْتِئْنَافِ الحَدِيثِ مُبَاشَرَةً، أَوْ عَنْ طَرِيقِ رَسَائِلَ صَوْتِيَّةٍ عَبْرَ "الوَاتْسَاب"، وَعُدْتُ أَنَا إِلَى أَجْوَاءِ سَبُو أُمَتِّعُ البَصَرَ بِسِحْرِ المَنْظَرِ الطَّبِيعِيِّ المُبْهِجِ، كَانَ المَقْهَى شِبْهَ خَالٍ، إِلَّا مِنْ أُسْرَةٍ شَابَّةٍ تَبْدُو سَعِيدَةً بِطِفْلِهَا الصَّغِيرِ الَّذِي كَانَ يُمَارِسُ شَغَبًا لَذِيذًا، وَكَهْلٍ صُحْبَةَ زَوْجَتِهِ وَهُمَا فِي حَالَةِ انْسِجَامٍ تَامٍّ، فِي هَذَا المُنَاخِ كُنْتُ أَجِدُ نَفْسِي مَحْظُوظًا وَأَنَا أَعِيشُ لَحْظَةً تَجْمَعُ جَمَالِيَّاتِ الوَاقِعِ وَالرَّاحَةِ النَّفْسِيَّةِ المُتَاحَةِ. رُبَّمَا كَانَ هَذَا سَبَبًا مُهِمًّا فِي اخْتِيَارِي لِهَذَا الفَضَاءِ كُلَّمَا زُرْتُ مَدِينَةَ القُنَيْطِرَةِ.

وَصَلَتْنِي فَجْأَةً رَسَالَةٌ صَوْتِيَّةٌ عَلَى "الوَاتْسَابِ"، فَتَحْتُهَا بِسُرْعَةٍ، كَانَتْ مِنْ صَدِيقِي الَّذِي كَانَ يَعِيشُ وَضْعًا غَامِضًا بِخُرِيبْكَةَ، كَانَ صَوْتُهُ مُضْطَرِبًا وَهُوَ يَقُولُ:

"صَدِيقِي العَزِيزُ، شَرِبْتُ مِنْ مَاءِ البِئْرِ المَعْلُومَةِ فَأَحْسَسْتُ بِرَعْشَةٍ شَدِيدَةٍ تَعْتَرِي كُلَّ مَنَاطِقِ جِسْمِي، فَهَرْوَلْتُ نَحْوَ سَيَّارَتِي دُونَ وَعْيٍ مِنِّي، وَإِذَا بِي أَنْدَفِعُ نَحْوَهَا، فَتَنْطَلِقُ بِي وَأَنَا جَاهِلٌ إِلَى أَيْنَ؟! فَجْأَةً تَوَقَّفْتُ عِنْدَ مَا يُشْبِهُ الضَّيْعَةَ، اقْتَحَمْتُ المَكَانَ بِجُرْأَةٍ لَمْ أَعْرِفْ سِرَّهَا، فَوَجَدْتُ نَفْسِي أَمَامَ حَظِيرَةِ خَنَازِيرَ، نَعَمْ خَنَازِيرَ حَقِيقِيَّةٍ مِثْلِ تِلْكَ الَّتِي يَأْكُلُهَا النَّصَارَى، وَإِذَا بِسَيِّدَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَخْبَرَنِي العَامِلُ المُشْرِفُ عَلَى الحَظِيرَةِ أَنَّ اسْمَهَا مَادَامُ مَارِيَانُو، وَهِيَ فَرَنْسِيَّةُ الجِنْسِيَّةِ وَتُشْرِفُ عَلَى (المَخْبَزَةِ الفَرَنْسِيَّةِ) الكَائِنَةِ بِالحَيِّ الأُورُوبِّيِّ، سَأَلَتْنِي مَنْ أَكُونُ، أَخْبَرْتُهَا بِأَنَّ اسْمِي بْن دَاوُودَ البَهْلَانِي، وَأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ سَبَبَ وُجُودِي فِي هَذَا المَكَانِ، لَكِنَّ الخَطِيرَ فِي الأَمْرِ أَنَّنِي اسْتَنْتَجْتُ مِنْ خِلَالِ حَدِيثِي مَعَهَا أَنَّ التَّارِيخَ قَدِ انْزَلَقَ إِلَى الخَلْفِ، فَالْعَامُ كَانَ 1967، وَالشَّهْرُ هُوَ أَبْرِيلُ ..."

أَعَدْتُ الِاسْتِمَاعَ إِلَى الرَّسَالَةِ الصَّوْتِيَّةِ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَأَحْسَسْتُ بِأَنَّ شَيْئًا غَرِيباً وَمُثِيراً فِي نَفْسِ الوَقْتِ يَقَعُ لِصَدِيقِي، كَلَامُهُ يَبْدُو غَيْرَ قَابِلٍ لِلتَّصْدِيقِ، وَلَكِنَّ السَّيِّدَةَ الفَرَنْسِيَّةَ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا شَخْصِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَقَدْ أُتِيحَتْ لِي الفُرْصَةُ فِي نفس السَّنَةِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا أَنْ أَزُورَ مَقَرَّ إِقَامَتِهَا وَأَنَا طِفْلٌ بِصُحْبَةِ وَالِدِي الَّذِي كَانَ يَعْرِفُهَا مُنْذُ سَنَوَاتِ الِاسْتِعْمَارِ، وَأُشَاهِدَ بِأُمِّ عَيْنِي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الطَّبِيعَةِ الخَنَازِيرَ وَهِيَ تَتَحَرَّكُ بَيْنَ بَقَايَا الخُضَرِ بِلَوْنِ جِلْدِهَا الوَرْدِيِّ؛ الكَثِيرُ مِنَ التَّفَاصِيلِ تُفْلِتُ مِنْ ذِهْنِي الآنَ، لَكِنَّ مَنْظَرَ الخَنَازِيرِ وَابْتِسَامَةَ صَاحِبَتِهِمْ لَا تَزَالُ تَسْكُنُ ذَاكِرَتِي.

وَصَلَتْنِي رَسَالَةٌ صَوْتِيَّةٌ ثَانِيَةٌ مِنْهُ فِي الوَقْتِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ مُنْصَرِفًا إِلَى اسْتِرْجَاعِ ذِكْرَيَاتِ الأَمْسِ البَعِيدِ. كَانَ صَوْتُ صَدِيقِي هَذِهِ المَرَّةَ يُسَيْطِرُ عَلَيْهِ الخَوْفُ وَالِانْزِعَاجُ:

"غَادَرْتُ حَظِيرَةَ الخَنَازِيرِ مُسْرِعًا وَأَنَا شِبْهُ غَائِبٍ عَنِ الوَعْيِ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ فَكَّرْتُ فِيهِ هُوَ شُرْبُ قَهْوَةٍ تُوقِظُنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، هَرْوَلْتُ حَتَّى رَأْسِ الشَّارِعِ، فَوَجَدْتُ نَفْسِي أَمَامَ حَانَةٍ تَحْمِلُ اسْمَ ( مَدَام قِيس)، هَرْوَلْتُ دَاخِلًا، كَانَ الفَضَاءُ يَحْتَضِنُ عَدَدًا مِنَ الرُّوَّادِ الجَالِسِينَ إِلَى طَاوِلَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَأَغْلَبُهُمْ يَحْتَسِي الجُعّةَ أَوِ النَّبِيذ الأَحْمَرَ، طَلَبْتُ مِنَ النَّادِلِ العَجُوزِ أَنْ يُحْضِرَ لِي قَهْوَةً (نصْ نصْ) صَغِيرَة، كَانَ مُعْظَمُ الحَدِيثِ الَّذِي يَجْرِي وَيَدُورُ بَيْنَ الزُّبَنَاءِ بِاللُّغَةِ الفَرَنْسِيَّةِ، زَادَ اسْتِغْرَابِي عِنْدَمَا لَاحَظْتُ أَنَّ اليَوْمِيَّةَ تُشِيرُ إِلَى نَفْسِ التَّارِيخِ الَّذِي قَالَتْهُ مَدَامُ مَارِيَانُو... أَوْشكُ عَلَى أَنْ أَفْقَدَ عَقْلِي!"

هَذِهِ الرَّسَالَةُ الجَدِيدَةُ مِنْ بْنِ دَاوُودَ زَادَتْ مِنْ تَأَكُّدِي أَنَّهُ يَعِيشُ لَحَظَاتٍ صَعْبَةً فِي ظِلِّ الزَّمَنِ المَاضِي الطَّارِئِ، فَحَانَةُ مَدَام قِيس مَكَانٌ لَا يُمْكِنُ نِسْيَانُهُ البَتَّةَ؛ خِلَالَ السِّتِّينِيَّاتِ، وَأَنَا طِفْلٌ، كُنَّا نَقْتَحِمُ فَضَاءَ الغَابَةِ المَخْزَنِيَّةِ لِاصْطِيَادِ العَصَافِيرِ، وَخَاصَّةً طَائِرَ "الجَوش"، وَنَتَسَلَّى بِإِخْرَاجِ العَقَارِبِ وَأَنْوَاعٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الأَفَاعِي مِنْ غِيرَانِهَا، ثُمَّ نَقُومُ بِوَضْعِهَا فِي عُلَبِ حَلِيبِ الأَطْفَالِ القَصْدِيرِيَّة وَنُشْعِلُ النَّارَ تَحْتَهَا وَنَحْنُ فِي أَقْصَى دَرَجَاتِ بَهْجَتِنَا، لَا نُحِسُّ بِالوَقْتِ وَلَا الطَّرِيقِ الَّتِي نَقْطَعُهَا حَتَّى نَصِلَ إِلَى "الدَّوْرَةِ"؛ كَانَ عَلَى اليَمِينِ -حَيْثُ يُوجَدُ اليَوْمَ فُنْدُقُ فَرَحٍ- بَيْتٌ لِمُوَاطِنٍ نِمْسَاوِيٍّ كُنَّا نُصَادِفُهُ فِي الطَّرِيقِ فَنُحَيِّيهِ، وَفِي الجِهَةِ المُقَابِلَةِ كَانَتْ تُوجَدُ مَحَطَّةٌ لِلْبَنْزِينِ وَحَانَةُ مَادَام قِيس.

صَدِيقِي يَعِيشُ الآنَ أَحْدَاثَ مَاضٍ عِشْتُهُ إِبَّانَ طُفُولَتِي، وَكَانَ وَالِدِي جُزْءًا رَئِيسِيًّا مِنْ هَذَا المَاضِي، بِاعْتِبَارِهِ كَانَ رَفِيقًا دَائِمًا لِي كَظِلِّي؛ فَقَدْ كَانَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ -بِحُكْمِ اشْتِغَالِهِ بِالتِّجَارَةِ وَصَدَاقَتِهِ المَتِينَةِ بِعَدَدٍ مِنَ المُقِيمِينَ الأَجَانِبِ، وَخَاصَّةً الفَرَنْسِيِّينَ- يَتَعَامَلُ مَعَهُمْ بِشَكْلٍ دَائِمٍ وَمُسْتَمِرٍّ، دُونَ قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يُتْقِنُ اللُّغَاتِ: الفَرَنْسِيَّةَ، وَالإِسْبَانِيَّةَ، وَاليُونَانِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ لَا تُوجَدُ لَدَى المُتَعَلِّمِينَ..

بَعْدَ تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ، قُمْتُ بِإِرْسَالِ رَسَالَةٍ صَوْتِيَّةٍ لِصَدِيقِي، وَرَاعَيْتُ أَنْ تَكُونَ مُطَمْئِنَةً: "صَدِيقِي العَزِيزُ، أَتَمَنَّاكَ بِخَيْرٍ، كُلُّ المَعْلُومَاتِ وَالمُعْطَيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ عَلَى لِسَانِكَ صَحِيحَةٌ مِائَةً بِالمِائَةِ، لَكِنَّهَا تَرْتَبِطُ بِفَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، وَمِنَ الصَّعْبِ عَلَى الإِنْسَانِ العَادِيِّ تَقَبُّلُهَا أَوْ تَصْدِيقُهَا، وَلَكِنَّنِي أُصَدِّقُكَ".

لَمْ أَتَلَقَّ مِنْهُ جَوَابًا، انْتَظَرْتُ لَحْظَةً ثُمَّ تَوَاصَلْتُ مَعَهُ عَبْرَ مُكَالَمَةٍ مَرْئِيَّةٍ، كَانَ وَجْهُهُ يَبْدُو شَاحِبًا وَعَيْنَاهُ جَاحِظَتَيْنِ، قَالَ إِنَّهُ غَادَرَ الحَانَةَ، وَانْعَطَفَ إِلَى اليَسَارِ فِي اتِّجَاهِ وَسَطِ المَدِينَةِ عَبْرَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقْسِمُ الغَابَةَ المَخْزَنِيَّةِ إِلَى قِسْمَيْنِ، ثُمَّ أَضَافَ مُسْتَدْرِكًا: "أَشْجَارُ الغَابَةِ تَبْدُو كَثِيفَةً، وَهِيَ خَالِيَةٌ مِنْ أَيِّ بِنَايَةٍ "

وَحَتَّى يُؤَكِّدَ لِي كَلَامَهُ، وَجَّهَ كَامِيرَا الهَاتِفِ نَحْوَ الغَابَةِ، لَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي مِنَ الدَّهْشَةِ فَصَرَخْتُ بِصَوْتٍ حَادٍّ: "سُبْحَانَ اللهِ! الغَابَةُ تَبْدُو عَذْرَاءَ، وَأَشْجَارُ الكَالِيتُوسِ تُعَانِقُ بَعْضَهَا، أَمَّا أَشْجَارُ العَرْعَرِ فَأَفْنَانُهَا تَتَشَابَكُ فِي حَمِيمِيَّةٍ لَا يُضَاهِيهَا إِلَّا دِفْءُ الأَيَّامِ الخَوَالِي

رَكَنَ بْنُ دَاوُودَ سَيَّارَتَهُ عَلَى أَطْرَافِ الطَّرِيقِ، وَتَابَعَ حَدِيثَهُ مَعِي قَائِلاً:

 هَا قَدْ رَأَيْتَ بِأُمِّ عَيْنَيْكَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ خُرُوجٍ عَنِ المَأْلُوفِ، فَالسَّفَرُ عَبْرَ الزَّمَنِ فِي اتِّجَاهِ المَاضِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فِي الحَيَاةِ العَادِيَّةِ

قُلْتُ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ طَابَعَ الشَّكِّ وَاليَقِينِ فِي النَّفْسِ الوَقْتِ:

 وَاللهِ يَا صَدِيقِي، مَا تَعِيشُهُ هُوَ ظَاهِرَةٌ طَارِئَةٌ نَادِرَةُ الحُدُوثِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مُسْتَحِيلَةً إِذَا تَمَّتْ فِي سِيَاقِ العَوَالِمِ المُوَازِيَةِ.
قَاطَعَنِي بِلَهْجَةٍ سَاخِرَةٍ:

تَبْرِيرُكَ يَحْتَمِلُ بَعْضَ الصِّحَّةِ، لَكِنَّهُ يَظَلُّ مُجَرَّدَ تَحْصِيلِ حَاصِلٍ، وَيَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ قَوِيٍّ يَكْشِفُ الحَقِيقَةَ.

هَتَفْتُ بِصَوْتٍ حَادٍّ:

 وَهَلْ هُنَاكَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ هَذَا الوَضْعِ الَّذِي تَعِيشُهُ حَالِيًّا؟! الغَابَةُ المَخْزَنِيَّةُ الَّتِي أَرَاهَا عَلَى شَاشَةِ الهَاتِفِ تَنْتَمِي لِحِقْبَةٍ زَمَنِيَّةٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالتَّارِيخِ الآنِيِّ.

بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، تَابَعْتُ كَلَامِي قَائِلاً:

 أَتَعْلَمُ أَنَّ الغَابَةَ الَّتِي تَقِفُ بِمُحَاذَاتِهَا تَكَادُ تُحَافِظُ عَلَى عُذْرِيَّتِهَا، وَشَكْلِهَا القَدِيمِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ خِلَالَ سَنَوَاتِ الِاسْتِعْمَارِ، كَمَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ أَهْلِنَا خِلَالَ عَقْدِ السِّتِّينِيَّاتِ مِنَ القَرْنِ المَاضِي؟

عَقَّبَ عَلَى كَلَامِي مُسْتَفْسِرًا:

 مَاذَا يَعْنِي هَذَا يَا صَدِيقِي العَزِيزُ؟ هَلْ أَنَا ضَحِيَّةٌ لِارْتِدَادٍ زَمَنِيٍّ طَارِئٍ؟

قُلْتُ وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِهِ:

 أَظُنُّ أَنَّهَا حَالَةٌ طَارِئَةٌ، وَلَنْ تَسْتَمِرَّ طَوِيلًا

ثُمَّ تَابَعْتُ وَأَنَا أَبْتَسِمُ:

 أتعلمُ أَنَّ "لِيُوطِي" شَخْصِيًّا -بَعْدَ بِدَايَةِ اسْتِخْرَاجِ الفُوسْفَاطِ بِمِنْطَقَةِ "بُوجْنِيبَةَ" سَنَةَ 1921- هُوَ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى إِنْشَاءِ الغَابَةِ المَخْزَنِيَّةِ كَحِزَامٍ أَخْضَرَ لِحِمَايَةِ بُيُوتِ وَمَكَاتِبِ المُهَنْدِسِينَ وَالتَّقْنِيِّينَ العَامِلِينَ بِمَنَاجِمِ الفُوسْفَاطِ، وَكَذَلِكَ المُعَمِّرِينَ الأَجَانِبَ وَسُكَّانَ المَدِينَةِ مِنَ الغُبَارِ الأَبْيَضِ النَّاعِمِ السَّامِّ المُنْبَعِثِ مِنْ مَعَامِلِ الغَسْلِ وَالتَّجْفِيف؟

قَاطَعَنِي مَرَّةً ثَانِيَةً بِتَأَفُّفٍ:

 وَلَكِنْ بِمَاذَا سَتُفِيدُنِي كُلُّ هَذِهِ المَعْلُومَاتِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَسْرُدُهَا؟!

أُرِيدُ الخَلَاصَ مِمَّا أَنَا فِيهِ يَا سَيِّدَ مَحْمُودُ.

طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يَرْكَبَ سَيَّارَتَهُ وَيَتَّجِهَ إِلَى وَسَطِ المَدِينَةِ، وَيَتَوَقَّفَ بِشَارِعِ "مُولَاي يُوسُفَ"، وَيَنْتَظِرَ اتِّصَالًا قَرِيبًا مِنِّي قَدْ يَحْمِلُ لَهُ الحَلَّ لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا المَأْزَقِ.

عُدْتُ لِاحْتِضَانِ مِيَاهِ النَّهْرِ المُتَلَأْلِئَةِ، وَمَنَحْتُ لِنَفْسِي فُرْصَةً لِأَخْذِ نَفَسٍ عَمِيقٍ أَحْسَسْتُ أَنَّ رِئَتِي فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ لِاسْتِعَادَةِ التَّوَازُنِ النَّفْسِيِّ وَالبَدَنِيِّ؛ لَقَدْ وَعَدْتُ صَدِيقِي بِأَنْ أَتَّصِلَ بِهِ وَمَعِي الحَلُّ، وَأَنَا أَعْلَمُ مُسْبَقًا أَنَّ مَا قُلْتُهُ مُجَرَّدُ كَلَامٍ وَهَرْطَقَات غَيْرِ مُجْدِيَةٍ.

كَانَ السُّؤَالُ المُحَيِّرُ الَّذِي شَجَّ رَأْسِي هُوَ: "كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْقَاذ بْنِ دَاوُودَ مِنْ هَذِهِ الدَّوَّامَةِ الَّتِي وَجَدَ نَفْسَهُ بَيْنَ بَرَاثِنِهَا؟!"

فَكَّرْتُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، وَلَمْ تَتَوَقَّفْ خَلَايَا دِمَاغِيَ الرَّمَادِيَّةُ عَنِ البَحْثِ عَنْ مَسْلَكٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعِيدَ بْنَ دَاوُودَ إِلَى الزَّمَنِ الفِعْلِيِّ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي دَوَّامَةِ المَاضِي.

أَفَقْتُ مِنْ سَهْوِي عَلَى صَوْتِ إِشْعَارٍ بِوُصُولِ رَسَالَةِ "وَاتْسَابٍ"، كَانَتْ مِنْ صَدِيقِي المَأْزُومِ، أَسْرَعْتُ أَفْتَحُهَا وَيَدَايَ تَرْتَعِشَانِ، ثُمَّ بَدَأْتُ بِالْتِهَامِ سُطُورِهَا:

"أَنَا الآنَ بِشَارِعِ مُولَاي يُوسُفَ، أَوْ (طَرِيقِ الجَرْدَةِ)، أَوْقَفْتُ سَيَّارَتِي أَمَامَ فِيلَا صَغِيرَةٍ، قِيلَ لِي إِنَّهَا تَخُصُّ مَادَامَ سَالِيرْنُو SALIRNO. بِمُوَاجَهَتِي (سَاحَةُ المُجَاهِدِينَ) الَّتِي تَحْتَضِنُ مَحَطَّةَ الحَافِلَاتِ التَّابِعَةِ لِـ(كَرَاجِ سَالِيرْنُو)؛ وَفِي الجِهَةِ المُقَابِلَةِ لِلْفِيلَا مَحَلٌّ لِلتَّجْهِيزَاتِ المَنْزِلِيَّةِ وَالإِلِكْتُرُونِيَّةِ بِعَلَامَاتٍ تِجَارِيَّةٍ شَهِيرَةٍ كُتِبَتْ عَلَى الجِدَارِ الخَارِجِيِّ بِحُرُوفٍ لَاتِينِيَّةٍ ضَخْمَةٍ ذَاتِ لَوْنٍ أَصْفَرَ فَاتِحٍ: (PHILIPS-SINGER)

وَفِي الوَاجِهَةِ الزُّجَاجِيَّةِ عُرِضَتْ أَجْهَزَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ: رَادْيُوهَاتٌ ضَخْمَةٌ، آلاتُ خِيَاطَةٍ بِاليَدِ، آلاتُ فَرْمِ اللَّحْمِ، وَأَيْضًا دُمًى وَلُعَبٌ وَأَدَوَاتُ البَسْتَنَةِ، مَحَلٌّ يَسُرُّ النَّاظِرِينَ بِحَقٍّ! قِيلَ لِي إِنَّ صَاحِبَ المَحَلِّ حَالِيًّا هُوَ الحَاجُّ مَسْعُودُ بْنُ مْحَمَّدْ الدُّكَالِي، وَقَدِ اشْتَرَاهُ مِنَ الإِسْبَانِيِّ جُوزِيف مُولَار"

اخْتَرْتُ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِرَسَالَةٍ صَوْتِيَّةٍ:

لَا تَخَفْ يَا صَدِيقِي، شَارِعُ مُولَاي يُوسُفَ هُوَ أَكْثَرُ الشَّوَارِعِ أَمَانًا، خَاصَّةً فِي الحِقْبَةِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُ أَطْوَارَهَا؛ فِي الجِهَةِ الَّتِي رَكَنْتَ سَيَّارَتَكَ بها هُنَاكَ أَيْضًا تَاجِرُ مُجَوْهَرَاتٍ شَهِيرٌ، ومخبزة (الطَّنْجِي)، وَكُشْكُ جَرَائِد، وَمَقْهَى (الأَطْلَس) الَّذِي يَنْتَمِي لِحِقْبَةِ الِاسْتِعْمَارِ، وَإِلَى جَانِبِ مَتْجَرِ الإِلِكْتُرُونِيَّات الَّذِي ذَكَرْتَ، هُنَاكَ (قَيْسَارِيَّةُ سَحْنُون) لِبَيْعِ المَلَابِسِ وَالمُجَوْهَرَاتِ، وَسِينِمَا (لُوكسْ). لَا تَخَفْ يَا صَدِيقِي أَنْتَ فِي لا تَخَفْ يَا صَدِيقِي أَنْتَ فِي أَمَانٍ، لِأَنَّ صَاحِبَ المَحَلِّ التِّجَارِيِّ PHLIPS
هُوَ أَبِي!... نَعَمْ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، الحَاجُّ مَسْعُودٌ هُوَ أَبِي، وَحَلُّ مُشْكِلِكَ بِيَدِهِ!"

رَنَّ هَاتِفِي، كَانَ المُتَّصِلُ طَبْعًا صَدِيقِي، وَالمُكَالَمَةُ عَبْرَ الكَامِيرَا؛ جَمِيلٌ أَنْ تَتَحَوَّلَ التِّكْنُولُوجْيَا الحَدِيثَةُ إِلَى وَسِيلَةٍ لِرَبْطِ المَاضِي بِالحَاضِرِ، وَالمُسَاهَمَةِ فِي صُنْعِ المُعْجِزَاتِ! كَانَ مُحَيَّا صَدِيقِي عَبْرَ شَاشَةِ الهَاتِفِ يَبْدُو بِمَلَامِحَ مُمْتَعِضَةٍ وَمَعَالِمِ خَوْفٍ يَصْعُبُ إِخْفَاؤُهَا، قُلْتُ لَهُ وَعَلَى وَجْهِي ابْتِسَامَةُ دَعْمٍ:

 دَعْنِي أَرَى صُوَرَ الشَّارِعِ عَبْرَ كَامِيرَا هَاتِفِكَ.

وَجَّهَ الكَامِيرَا نَحْوَ الشَّارِعِ، فَإِذَا بِي أَرَى مَمَرَّ السِّكَّةِ الحَدِيدِيَّةِ الَّذِي يَقْسِمُ المَدِينَةَ نِصْفَيْنِ: المَدِينَةَ القَدِيمَةَ وَالحَيَّ الأُورُوبِّيَّ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا الأَعْمِدَةَ المَصْبُوغَةَ بِاللَّوْنَيْنِ الأَبْيَضِ وَالأَحْمَرِ الَّتِي يَتِمُّ إِنْزَالُهَا كُلَّمَا رَنَّ جَرَسُ الإِنْذَارِ مُعْلِنًا قُرْبَ مُرُورِ القِطَارِ، وَعَلَى مَرْمَى حَجَرٍ مِنَ المَمَرِّ ظَهَرَتْ طَاوِلَاتُ مَقْهَى (الأَطْلَسِ) وَقَدْ جَلَسَ حَوْلَهَا بَعْضُ الزُّبَنَاء، وَنَقَلَتْ أَيْضاً كَامِيرَا الهَاتِف صُورَةً وَاضِحَةً لِبِنَايَةِ مَدَام سَالِيرْنُو؛ تِلْكَ السَّيِّدَةِ الإِيطَالِيَّةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي كَانَتْ تُقَدِّمُ لِي فِي مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ قِطَعًا مِنَ الشُّوكُولَاتَةِ الفَاخِرَةِ، لَا أَزَالُ أَتَذَكَّرُ أَنَّهَا أَهْدَتْنِي سَيَّارَةَ سِبَاقٍ سَنَةَ 1966م، ذَاتَ لَوْنٍ أَحْمَرَ، يُمْكِنُ تَحْرِيكُهَا بِدَوَّاسَتَيْنِ فِي الأَسْفَلِ عَنْ طَرِيقِ الضَّغْطِ عَلَيْهِمَا بِالتَّنَاوُبِ. لَكِنَّنِي تَسَمَّرْتُ فِي مَكَانِي وَأَصَابَنِي الذُّهُولُ، بَلْ شَعَرْتُ بِقُشَعْرِيرَةٍ تَمَسُّ كُلَّ مَنْطِقَةٍ فِي جِسْمِي عِنْدَمَا رَأَيْتُ رَأْيَ العَيْنِ مَحَلَّ وَالِدِي؛ وَظَهَرَتْ تِلْكَ الحُرُوفُ الصَّفْرَاءُ الضَّخْمَةُ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى أَسْمَاءِ المَارْكَاتِ العَالَمِيَّةِ الَّتِي تُبَاعُ الأَجْهَزَةُ المَنْزِلِيَّةُ وَالإِلِكْتُرُونِيَّةُ الحَامِلَةُ لِعَلَامَاتِهَا بِالمَتْجَرِ، وَبَرَزَتْ عَبْرَ الوَاجِهَةِ الزُّجَاجِيَّةِ بَعْضٌ مِنْهَا فِي أَوْضَاعٍ مُخْتَلِفةٍ لَكِنْ بِشَكْلٍ مُنَظَّمٍ وَجَذَّابٍ. طَلَبْتُ مِنْ صَدِيقِي أَنْ يَنْزِلَ مِنْ سَيَّارَتِهِ وَيَتَّجِهَ صَوْبَ وَاجِهَةِ المَحَلِّ، اسْتَجَابَ بْنُ دَاوُودَ لِطَلَبِي وَاسْتَحَثَّ الخُطَى نَحْوَ الوَاجِهَةِ، اسْتَطَعْتُ أَنْ أَرَى دَاخِلَ المَحَلِّ سِلَعًا مُتَنَوِّعَةً وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً فَتَحْتُ عَيْنَيَّ عَلَيْهَا خِلَالَ طُفُولَتِي وَمَا تَلَا ذَلِكَ مِنْ أَيَّامِ عُمْرِي، وَعَبْرَ الزُّجَاجِ رَأَيْتُ وَالِدِي يَجْلِسُ إِلَى مَكْتَبِهِ، وَإِلَى جَانِبِهِ طِفْلٌ فِي السَّادِسَةِ مِنْ عُمْرِهِ، لَمْ يُخَامِرْنِي شَكٌّ فِي أَنَّهُ أَنَا:

سَأَلَنِي صَدِيقِي بِصَوْتٍ مُضْطَرِبٍ:

 مَاذَا أَفْعَلُ الآنَ؟ أنتظر توجيهاتك عَلَّنِي أَخْرُجُ مِنْ هَذَا الوَضْعِ

أَجَبْتُ بِنَبْرَةٍ مُطَمْئِنَةٍ:

 اِسْمَعْ يَا ابْنَ دَاوُودَ، ادْخُل المَتْجَرَ بِرِجْلِكَ اليُمْنَى، وَسَلِّمْ عَلَى الرَّجُلِ الطَّيِّبِ الَّذِي فِي المَحَلِّ، وَقَبِّلْ خَدَّ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ فَهُوَ أَنَا! بَلِّغْ أَبِي سَلَامِي، وَاقْصُصْ عَلَيْهِ مَا أَنْتَ فِيهِ، وَسَيَمُدُّ لَكَ يَدَ العَوْنِ

تَوَقَّفَتِ المُكَالَمَةُ المَرْئِيَّةُ، وَعُدْتُ أَنَا مِنْ جَدِيدٍ إِلَى أَجْوَاءِ كُورْنِيشِ نَهْرِ سَبُو، حَيْثُ كَانَتْ تُخَيِّمُ عَلَى المَكَانِ حَالَةٌ مِنَ الهُدُوءٍ وَالسَكِينَةٍ، وَسَمَحْتُ لِنَفْسِي بِاسْتِرْجَاعِ لَحَظَاتٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ الخُرِيبْكِيِّ الجَمِيلِ، بِكُل تِلْكَ الظِّلَالِ الوَارِفَةِ الَّتِي كَانَتْ تُخَيِّمُ عَلَى مُحِيطِ بَيْتِنَا القَدِيمِ، وَبِكُلِّ تِلْكَ النَّسَمَاتِ العَطِرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُضَمِّخُ هَوَاءَ حَيِّنَا المَجِيدِ؛ فَفِي (سَاحَةِ المُجَاهِدِينَ) كَانَتِ الشَّمْسُ تَتَوَقَّفُ لِتَعَانُقَ النَّافُورَةَ الزَّرْقَاءَ، وَكَانَتِ الخَطَاطِيفُ تَبْنِي أَعْشَاشَهَا تَحْتَ نَوَافِذِ العِمَارَاتِ وَالمَغَانِي الحَانِيَةِ.
فَجْأَةً، أَمْسَكْتُ وَرَقَةً وَقَلَمًا وَكَتَبْتُ بِانْسِيَابِيَّةٍ لَمْ أَعْهَدْهَا فِي نَفْسِي:

عِنْدَ الرَّبْوَةِ الخَضْرَاءِ
وَمُفْتَرَقِ الطُّرُقِ الأَرْبَعَةِ
تَتَنَهَّدُ طُيُورُ الزَّرْزُورِ
عَلَى شَجَرِ العرعر
يَرْتَدُّ الزَّمَنُ نَاكِصًا
تَرْتَمِي الأَمَاكِنُ بَيْنَ ذِرَاعَيِ الذَّاكِرَة
بِلِبَاسٍ خَاطَتْهُ حُورُ الجُزُرِ الفِضِّيَّة.
تُومِضُ بَوَارِقُ المَحَجَّةِ البَيْضَاء
تَبْزُغُ سَرْبَةُ الخَيَّالَة
أَشُمُّ رَائِحَةَ البَارُود
لَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ، هُوَ عَامُ "سَبْعَةٍ وَسِتِّينَ"
أَنَا طِفْلٌ أُمْسِكُ بِيَدِ أَبِي، وَالخَيْلُ سَاطِعَةُ الغُبَار
الأَرْضُ تَبْتَسِمُ لِحَوَافِرِهَا فِي انْتِشَاءٍ
وَالسَّمَاءُ تَزْهُو بِنَقْعِهَا المُتَرَامِي
مَوْسِمُ المَدِينَةِ يَتَمَطَّى، يَمُدُّ فَسَاطِيطَهُ لِلْعَالَمِين
عَلَى أَعْتَابِ "العَامِرِيَّاتِ" تُقَامُ الوَلَائِمُ
يَحْتَفِي الأَمْوَاتُ وَالأَحْيَاءُ بِسُوَيْعَةِ اللَّمَّةِ.

حَقًّا، عِنْدَمَا تَلْتَقِي أَرْوَاحُ الأَمْوَاتِ بِـمُهَجِ الأَحْيَاءِ، فَالزَّمَنُ يَرْتَدُّ إِلَى الخَلْفِ، وَيَتَقَاسَمُ الجَمِيعُ سِرَّ اللَّحْظَةِ وَكُنْهَهَا بِكَثِيرٍ مِنَ التَّلَاحُمِ وَتَبَادُلِ الحُبِّ القَائِمِ بِإِرَادَةٍ قَدَرِيَّة حَتْمِيَّة يَصْعُبُ عَلَى غَيْرِ اللَّبِيبِ إِدْرَاكُهَا، أَوْ الوُصُولُ إِلَى دَرَجَةِ الوَجْدِ الَّتِي تَسْمَحُ لَهُ بِاخْتِرَاقِ الخَفِيِّ المُتَوَارِي خَلْفَ سُجُفِ الغَيْبِ، أَوِ الحَدْسِ الكَامِنِ بَيْنَ تَلَابِيبِ الذَّاكِرَةِ، رَغْمَ التَّمَاسِّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فِي النَّتِيجَةِ، وَالاِخْتِلَافِ فِي المَصْدَرِ وَالمَرْجِعِ.

بَعْدَ سَاعَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، رَنَّ جَرَسُ هَاتِفِي، كَانَتِ المُكَالَمَةُ مَرْئِيَّةً مِنْ بْنِ دَاوُودَ البَهْلَانِيِّ، تَرَدَّدْتُ فِي الإِجَابَةِ، وَمَسَّنِي خَوْفٌ وَجَزَعٌ كَبِيرَانِ أَنْ تَصِلَنِي مِنْهُ أَخْبَارٌ سَيِّئَةٌ، وَأَنْ يَضِيعَ فِي البُعْدِ الزَّمَنِيِّ الَّذِي دَخَلَهُ دُونَ عِلْمٍ أَوْ دِرَايَةٍ مِنْهُ. قَرَأتُ الفَاتِحَةَ، ثُمَّ فَتَحْتُ الهَاتِفَ وَأَنَا أَدْعُو اللهَ أَنْ يَكُونَ خَيْراً؛ ظَهَرَ صَدِيقِي بِوَجْهٍ يَتَهَلَّلُ فَرَحًا، وَقَدِ افْتَرَّ فَمُهُ عَنْ ابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ، سَأَلْتُهُ بِصَوْتٍ تَعْرُوهُ الدَّهْشَةُ:

 خَبِّرْنِي بِحَقِّ السَّمَاءِ.. مَاذَا حَلَّ بِكَ؟! هَلْ لَا تَزَالُ ضَائِعًا فِي ارْتِدَادَاتِ المَاضِي؟

رَدَّ بِنَبْرَةٍ وَاثِقَةٍ:

 قُضِيَ الأَمْرُ، وَوَالِدُكَ قَامَ بِاللَّازِمِ.

وبَعْدَ لَحْظَةِ صَمْتٍ قَصِيرَةٍ، أَدَارَ كَامِيرَا الهَاتِفِ، فَإِذَا هُوَ يَقِفُ بِمُحَاذَاةِ نَافُورَةِ الماء وقد تَوَسَّتطُهَا السَّاعَةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلْمَدِينَةِ، الَّتِي غَيَّرُوا لَوْنَهَا الأَبْيَضَ القَدِيمَ إِلَى لَوْنٍ أَسْوَدَ قَاتِمٍ لَا يَسُرُّ النَّاظِرِينَ!

شَعَرْتُ بِانْفِرَاجٍ نَفْسِيٍّ كَبِيرٍ؛ لِأَنَّنِي اسْتَطَعْتُ أَنْ أَكُونَ السَّبَبَ فِي إِنْهَاءِ مِحْنَةِ صَدِيقِي، أَنْهَيْنَا المُكَالَمَةَ وَوَعَدَنِي بِأَنْ يَبْعَثَ لِي رَسَالَةً صَوْتِيَّةً يَقُصُّ عَلَيَّ فِيهَا مَا عَاشَهُ مِنْ وَقَائِعَ بَعْدَ إِقْدَامِهِ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى مَحَلِّ وَالِدِي.

عَادَتِ الدَّعَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ لِتُخَيِّمَا عَلَى أَجْوَاءِ الفَضَاءِ السَّاحِرِ لِلْمَقْهَى الَّذِي بَدَأَ يَسْتَقْبِلُ زُبَنَاءَ آخَرِينَ، رَفَعْتُ يَدِي مُنَادِيًا النَّادِلَ الَّذِي هَرْوَلَ نَحْوِي مُبْتَسِمًا، طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يُحْضِرَ لِي عَصِيرَ مَنْجَا، وَ(إِكْلِير بالفَانِيلَا) احْتِفَاءً بِعَوْدَةِ بْنِ دَاوُودَ إِلَى الزَّمَنِ الحاضر والتاريخ الفِعْلِي.

رَنَّ هَاتِفِي المَحْمُولُ فَجْأَةً؛ كَانَ المُتَّصِلُ هَذِهِ المَرَّةَ زَوْجَتِي، سَأَلَتْنِي عَنْ أَحْوَالِي، فَأَخْبَرْتُهَا بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، وَتَلَافَيْتُ الحَدِيثَ عَنْ قِصَّة صَدِيقِي، وَحَدَّثْتُهَا عَنْ رُومَانْسِيَّةِ وَسِحْرِ الطَّبِيعَةِ، وَجَمَالِيَّة الفَضَاءِ الَّذِي أَجْلِسُ بِهِ، وَقُلْتُ لَهَا إِنَّ كُورْنِيشَ سَبُو أَشْبَهُ بِقَصِيدَةٍ شِعْرِيَّة مُرْسَلَة تَجْمَعُ بَيْنَ مُتْعَةِ الجَمَالِ وَالسِّحْرِ الخَالِصِ، وَحَدَّثَتْنِي هِيَ عَنْ أَسْعَارِ الخُضَرِ الَّتِي تُلهِبُ الجُيُوبَ، وَغَلَاءِ الفَوَاكِهِ وَاللُّحُومِ الَّتِي تُثْقِلُ كَاهِلَ الفُقَرَاء وَالبُورْجْوَازِيِّينَ الصِّغَارِ عَلَى السَّوَاء.

انْتَبَهْتُ فَجْأَةً إِلَى رَسَالَةٍ وَصَلَتْنِي أَثْنَاءَ حَدِيثِي إِلَى زَوْجَتِي، أَسْرَعْتُ أَفْتَحُهَا، فَكَانَتْ مِنْ صَدِيقِي:

"أَنَا الآنَ جَالِسٌ بِمَقْهَى (تَازَرْوَالْتْ)، قِيلَ لِي إِنَّهُ مَقْهًى شَعْبِيٌّ، وَمِنْهُ أَكْتُبُ لَكَ هَذِهِ الرَّسَالَةَ المُخْتَصَرَةَ؛ لِقَائِي مَعَ وَالِدِكَ كَانَ فَوْقَ السَّحَابِ، فَعِنْدَمَا دَخَلْتُ المَتْجَرَ وَجَدْتُ أَمَامِي رَجُلًا مَرْبُوعَ القَدِّ، أَبْيَضَ البَشَرَةِ، يَرْتَدِي قَمِيصًا رَمَادِيًّا وَسِرْوَالًا بِالنَّفْسِ اللَّوْنِ، فِي يَدِهِ سُبْحَةٌ، وَإِلَى جَانِبِهِ (طِفْلٌ) يَقِفُ عَلَى يَمِينِ المكْتَبِ، وَكَانَ هُنَاكَ أَيْضًا رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ العُمْرِ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ بِمُوَاجَهَةِ وَالِدِكَ الَّذِي سَمِعْتُهُ يُنَادِيهِ بِاسْمِ (الحَاجِّ فَوْزِي). أَلْقَيْتُ السَّلَامَ عَلَى الجَمِيعِ، فَابْتَسَمَ وَالِدُكَ فِي وَجْهِي وَسَأَلَنِي عَنْ حَاجَتِي، تَلَكَّأْتُ فِي الكَلَامِ، لَكِنَّنِي فِي آخِرِ الأَمْرِ تَغَلَّبْتُ عَلَى دَهْشَتِي، وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي، وَأَبْلَغْتُهُ سَلَامَكَ، تَأَمَّلَنِي مَلِيًّا ثُمَّ وَجَّهَ لِي الكَلَامَ بِنَبْرَةٍ مَقْصُودَةٍ:

 مَحْمُودُ مَا زَالَ طِفْلًا... فَكَيْفَ تَدَّعِي أَنَّكَ صَدِيقُهُ؟

قُلْتُ مُفَسِّرًا:

 لَا تَنْسَ يَا سَيِّدِي أَنَّنِي قَادِمٌ مِنْ حِقْبَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَأَنَّ وُجُودِي هُنَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الزمن المعتاد
ظَلَّ صَامِتًا رَدْحًا مِنَ الوَقْتِ ثُمَّ قَالَ:

 أسْأَلُ اللهَ أَنْ يَكُونَ خَلَاصُكَ عَلَى يَدَيَّ؛ لِأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ لِمَحْمُودٍ طَلَبًا حَتَّى وَلَوْ كَانَ فَوْقَ طَاقَتِي.
طَلَبَ مِنِّي الِانْتِظَارَ، ثُمَّ قَامَ مِنْ مَكَانِهِ وَدَخَلَ بَابًا كَانَتْ تَتَدَلَّى أَمَامَهُ سِتَارَةٌ زَرْقَاءُ، لَمْ يَتَأَخَّرْ طَوِيلًا وَعَادَ يَحْمِلُ قَارُورَةً زُجَاجِيَّةً وَغِشَاءً أُسْطُوَانِيَّ الشَّكْلِ، وَضَعَ الكُلَّ عَلَى المَكْتَبِ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يَفْتَحُ القَارُورَةَ:

 هَذَا مَاءُ زَمْزَمَ جَلَبْتُهُ مَعِي هَذِهِ السَّنَةَ مِنَ الدِّيَارِ المُقَدَّسَةِ، خُذْ وَاشْرَبْ جُرْعَةً.

أَمْسَكْتُ بِالقَارُورَةِ الزجاجية وارتشفت جرعَتين ثم طلب مني

الِاقْتِرَابَ مِنْهُ، أَزَالَ غِطَاءَ الغِشَاءِ وَأَخْرَجَ سِلْسِلَةَ أَوْرَاقٍ مَلْفُوفَةٍ بِشَكْلٍ دَائِرِيٍّ وَقَالَ:

هَذِهِ يَا وَلَدِي شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ تَخُصُّ جَدِّي الَّذِي قَضَى ثَلَاثِينَ سَنَةً مُعْتَكِفًا بِبَغْدَادَ المَحْمِيَّةِ، لَبِسَ الجُبَّةَ، وَأَكَلَ الرُّطَبَ، وَشَرِبَ حَلِيبَ النُّوقِ، وَأَوَى إِلَى نَفْسِهِ فِي مَغَارَةٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ، فَكَانَ نِعْمَ المرِيد! وَلَمَّا عَادَ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى دُكَّالَةَ، اتَّبَعَ نَهْجَ الفَلَاحِ وَالصَّلَاحِ، وَوَرِثَ عَنْهُ أَبِي هَذِهِ البَرَكَةَ، فَدَعْنِي أَرْقِيكَ، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ وَكَانَ مَا كَانَ؛ تَرَكْتُهُ يَرْقِينِي وَيُمِرُّ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِي، وَيَضَعُ الشَّجَرَةَ عَلَى هَامَتِي، شَعَرْتُ بِقُشَعْرِيرَةٍ غَرِيبَةٍ وَأَحْسَسْتُ بِنَسِيمٍ عَلِيلٍ يَهُبُّ عَلَيَّ، وَدَاهَمَ النَّوْمُ فجأة أَجْفَانِي، فَأَسْلَمْتُهُمَا لِلْكَرَى. وَعِنْدَمَا اسْتَيْقَظْتُ وَفَتَحْتُ عَيْنَيَّ وَجَدْتُنِي فِي سَيَّارَتِي أَجْلِسُ خَلْفَ عجلة القيادة، وَأَنَا بِالقُرْبِ مِنَ السَّاعَةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي تَتَوَسَّطُ تَقَاطُعَ شَارِعِ مُولَاي يُوسُفَ وَشَارِعِ الزَّلَّاقَةِ، وَقَارُورَةُ مَاءِ زَمْزَمَ بَيْنَ يَدَيَّ! اِلْتَفَتُّ فِي كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ، وَأَدْرَكْتُ أَنَّ رِحْلَةَ التِّيهِ قَدِ انْتَهَتْ وأنني عدت إلى الحاضر، فَحمَدْت الله واستغفرته وصلّيْت على النَّبي وآلهِ وصحْبِه."


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى