الأربعاء ٢٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

زمن يتكرر

كانت عقارب الساعة النحاسية المعلقة في بهو "دار الموانئ" تشير إلى الخامسة مساءً، وهو التوقيت ذاته الذي لم يتغير منذ عقود في غلاف ذلك المكان الرتيب. الغرفة الواسعة تفوح برائحة الورق القديم والتبغ، حيث يجلس الحاج أمين بقامته المنحنية جوار النافذة العريضة المُطلة على ساحة البلدة القديمة، يراقب حركة البشر كعادته كل يوم. في الزاوية المقابلة، كان ابنه "سلام" يقلب ملفات تجارية بملل، بينما يتحرك الحفيد "إياد" ذو السبع سنوات بحيوية مفرطة، باحثاً بين الرفوف الخشبية عن شيء يثير فضوله، ليمثل الثلاثة معاً ثلاثة أجيال حُبست في مساحة واحدة.

من علياء نافذته، رأى الحاج أمين بائع الفطائر العجوز يجر عربته الخشبية ذات العجلات المتهالكة، وخلفه يركض فتيان يتبادلون الضحكات والشتائم الطفولية صاخبين. انقبض قلب الشيخ بنشيج صامت؛ فهذا المشهد ليس جديداً عليه، بل هو تفصيل حي نُحت في ذاكرته قبل ستين عاماً عندما كان هو من يركض في ذلك الزقاق. التفت بنظره إلى الجدار، لتقع عيناه على صورة فوتوغرافية باللونين الأبيض والأسود تجمعه بوالده وجده في نفس هذا البهو، وبنفس الترتيب الذي يجلسون به الآن، وكأن الزمن جمد ملامح الحكاية وأعاد تدوير الشخصيات فقط.

"التفاصيل لا تموت يا سلام، هي فقط تغير أثوابها وتعود لتسكننا من جديد"

قالها الحاج أمين بصوت مبحوح وهو يشير بيده المرتعشة نحو الساحة. نظر إليه سلام بنفاذ صبر، فقد سئم من قصص والده السبعينية عن الأيام الخوالي وعن "الزمن الذي يدور في حلقة مفرغة". التقط سلام رشفة من قهوته المُرّة، ودون أن يشعر، كرر ذات الحركَةِ التي كان جده يفعلها تماماً عندما يضيق ذرعاً بكلام الأبناء، متناسياً أن ابنه الصغير "إياد" كان يراقبه بدقة ليتعلم منه كيف يُدير ظهره للأمس.

مع هبوط غسق ذلك اليوم، بدأت أضواء الفوانيس القديمة الشاحبة في الساحة الخارجية تتأرجح تحت وطأة نسمات ربيعية باردة، لتلقي بظلالٍ طويلة مشوهة على جدران "دار الموانئ". لم تكن الأجواء داخل البهو أقل غموضاً؛ فقد تداخلت التفاصيل بشكل مرعب بين الماضي والحاضر. دخلت "الحاجة فاطمة"، زوجة أمين ورفيقة دربه الطويل، وهي تحمل صينية النحاس الثقيلة وعليها أكواب الشاي بالنعناع، تفوح منها رائحة الأمس البعيد. كانت خطواتها الوئيدة، المنهكة بفعل السنين، تعزف اللحن ذاته الذي كانت تعزفه أمها في هذا البيت قبل نصف قرن، وكأن النساء في هذه العائلة يورثن بعضهن ليس فقط ملامح الوجه، بل حتى مشية القدمين وطريقة وضع الأكواب على الطاولة.

دخل في تلك الأثناء "كريم"، الصديق المقرب لسلام وشريكه في التجارة، حاملاً معه حزمة من الأوراق والخرائط الجديدة لتوسعة الساحة وتطوير المباني القديمة. جلس كريم وبدأ يتحدث بحماس شديد عن هدم بعض الجدران العتيقة وإعادة بناء الساحة بأسلوب عصري يواكب العصر الجديد، متجاهلاً تماماً التاريخ القابع في زوايا الغرفة. هنا، شعر الحاج أمين بوخزة في صدره؛ فقد تذكر في تلك اللحظة بالذات صديق شبابه "محمود"، كيف وقف في نفس هذا المكان قبل أربعين عاماً، وكان يحمل مخططات مشابهة لهدم المقاهي القديمة وبناء مجمع تجاري، وكيف جادله حينها بنفس الحجج ونفس الحماس.

اتسعت دائرة النقاش لتتحول إلى مواجهة صامتة بين جيلين. سلام وكريم يمثلان المستقبل الذي يريد اقتلاع الجذور ليصنع مجداً سريعاً، بينما الحاج أمين يمثل الجدار الذي يتلقى الضربات ليحمي الذاكرة. وفي وسط هذا الصخب، كان الصغير "إياد" قد عثر على صندوق خشبي صغير مخبأ أسفل الخزانة، فتحه بفضول طفولي ليجد بداخله "دَوَّامَةً" خشبية قديمة (نحلة لعبة) وخيوطاً بالية. ركض الصغير إلى وسط البهو، ورمى اللعبة على الأرض لتدور في حلقة دائرية سريعة ومستمرة، محدثة طنيناً رتيباً جذب أنظار الجميع.

توقف الحديث فجأة، وشخصت الأبصار نحو اللعبة الدائرة. نظر الحاج أمين إلى الدوامة، ثم إلى ابنه سلام، ثم إلى حفيده، وشعر برعشة تسري في جسده. هذه اللعبة الدائرية لم تكن مجرد قطعة خشب؛ بل كانت تجسيداً حياً لزمنهم كله.

"انظروا إليها جلياً.. إنها تدور وتدور، تظن في كل لفة أنها تقطع مسافة جديدة، لكنها في الحقيقة ثابتة في مركزها، لا تغادره أبداً حتى تسقط."

انتهى النقاش دون قرارات، وحل الصمت مجدداً مع تراجع كريم وانسحاب سلام إلى مكتبه. اقترب الصغير إياد من جده، وجلس عند قدميه مطوقاً ركبتيه الصغيرتين بذراعيه، وسأله ببراءة: "جدي، هل سأصبح مثلك يوماً ما؟". ابتسم الشيخ بمرارة، ومسح على رأس الصغير بيده المرتعشة، ونظر إلى النافذة حيث كانت الساحة قد خلت من البشر تماماً، وبدت كمسرح مهجور ينتظر عرض الغد. علم الشيخ أن إياد سيكبر، وسيجلس يوماً ما على هذا الكرسي بذات الإنحناءة، ليراقب حفيداً آخر يركض في الساحة، في حكاية أزلية كُتب عليها أن تُعاد فصولها إلى الأبد، دون أن يملك أحدٌ القدرة على كسر الحلقة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى