حين تصبح الحقيقة خوارزمية من يقرر ما نراه؟
في الماضي، كان الإنسان يبحث عن الحقيقة. يقرأ الصحف، ويقارن بين المصادر، ويستمع إلى أكثر من رأي قبل أن يُكوّن موقفه. أما اليوم، فقد تغير المشهد بهدوء لم ينتبه إليه كثيرون. لم نعد نحن من نبحث عن الحقيقة دائمًا، بل أصبحت الحقيقة هي التي تأتي إلينا، بعد أن تختارها لنا خوارزميات لا نعرف كيف تعمل، ولا من صممها، ولا لماذا فضّلت خبرًا على آخر، أو فكرة على غيرها.
لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسيلة لعرض المحتوى، بل أصبحت محررًا خفيًا يقرر ما يستحق أن يُرى، وما ينبغي أن يظل بعيدًا عن الأنظار. وما يراه شخص في مدينة ما قد لا يراه آخر يعيش في المدينة نفسها، لأن لكل منهما شاشة مختلفة، وتجربة مختلفة، وعالمًا رقميًا خاصًا به.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه العملية تحدث في صمت. فلا أحد يخبر المستخدم أن ما يشاهده ليس صورة كاملة للعالم، وإنما صورة اختارتها خوارزمية بناءً على اهتماماته السابقة، وعمليات البحث التي أجراها، والمقاطع التي شاهدها، والمنشورات التي توقف عندها لبضع ثوانٍ. وهكذا، يتحول الإنسان تدريجيًا إلى سجين لما يحبه، دون أن يشعر.
في البداية يبدو الأمر مريحًا. فالمنصة تعرف ذوقك، وتقترح عليك ما يناسبك، وتختصر عليك عناء البحث. لكن مع مرور الوقت، تبدأ دائرة المعرفة في الضيق. فأنت تقرأ الأفكار التي تشبه أفكارك، وتشاهد التحليلات التي تؤكد قناعاتك، وتلتقي بأشخاص يكررون ما تؤمن به. وكلما طال بقاؤك داخل هذه الدائرة، ازداد اقتناعك بأن العالم كله يفكر بالطريقة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة. فالتكنولوجيا التي وُجدت لتفتح العالم أمام الإنسان، قد تدفعه أحيانًا إلى العيش داخل غرفة مغلقة، جدرانها مصنوعة من آرائه هو. وما إن يظهر رأي مختلف، حتى يبدو غريبًا، أو صادمًا، أو غير منطقي، لا لأنه كذلك بالفعل، بل لأنه لم يعد جزءًا من المشهد الذي اعتاده.
ولم تعد الخوارزميات تكتفي باقتراح ما نحب، بل أصبحت تتعلم كيف تحافظ على انتباهنا لأطول وقت ممكن. فهي تدرك أن الإنسان يتفاعل مع الأخبار المثيرة أكثر من الأخبار الهادئة، ومع الغضب أكثر من النقاش المتزن، ومع الصراع أكثر من التوافق. لذلك، يصبح المحتوى الأكثر انتشارًا ليس بالضرورة الأكثر صدقًا، وإنما الأكثر قدرة على جذب الانتباه.
وهكذا، تتحول الحقيقة إلى منافس في سباق لا يفوز فيه دائمًا. فالمعلومة الدقيقة تحتاج إلى وقت لفهمها، أما الشائعة فتنتشر بسرعة لأنها تثير المشاعر قبل أن تخاطب العقل. ومع كل مشاركة وإعادة نشر، يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، لأن الناس غالبًا ما يتذكرون ما أثار انفعالهم، لا ما صححه لاحقًا.
ولا يعني ذلك أن الخوارزميات شر في ذاتها. فهي أدوات صنعت لتسهيل الوصول إلى المعرفة، وتنظيم الكم الهائل من المعلومات التي ينتجها العالم كل يوم. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى سلطة غير مرئية، تؤثر في طريقة تفكير الإنسان دون أن يشعر. فالخطر ليس في أن تقترح عليك ما تقرأ، بل في أن تحدد، بصورة غير مباشرة، ما الذي لن تقرأه أبدًا.
ولعل الإنسان المعاصر يواجه اليوم مسؤولية جديدة لم تكن مطروحة على الأجيال السابقة. لم يعد يكفي أن يسأل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ بل أصبح عليه أن يسأل أيضًا: لماذا ظهرت لي هذه المعلومة تحديدًا؟ ولماذا غابت غيرها؟ فالسؤال عن مصدر الخبر لم يعد وحده كافيًا، بل أصبح السؤال عن طريقة وصوله إلينا جزءًا من البحث عن الحقيقة.
وربما يكون الحل أبسط مما نتصور، لكنه يحتاج إلى جهد. أن نخرج، بين الحين والآخر، من دوائرنا الرقمية الضيقة. أن نقرأ لمن يختلف معنا، وأن نراجع قناعاتنا، وأن نتذكر أن العالم أكبر من الصفحة التي نقلبها على هواتفنا. فالعقل الذي لا يرى إلا ما يحب، يفقد ببطء قدرته على الاكتشاف.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل ما نراه على شاشاتنا هو العالم كما هو، أم هو العالم كما قررت الخوارزميات أن نراه؟ فربما لم تعد المعركة الحقيقية بين الحقيقة والكذب، بل بين الإنسان الذي يختار ما يعرفه بنفسه، والإنسان الذي يترك للخوارزمية أن تختار عنه ما يعتقد أنه الحقيقة.
