الاثنين ٢٧ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين تصبح البدايات أصعب من النهايات

الخوف من الخطوة الأولى

يُقال إن لكل رحلة بداية، وإن أصعب ما فيها هو اتخاذ الخطوة الأولى. وربما تبدو هذه العبارة، لكثرة ترديدها، أقرب إلى الحكمة المألوفة منها إلى الحقيقة العميقة. لكن التأمل في حياة الإنسان يكشف أن كثيرًا من الأحلام لا تموت لأنها مستحيلة، ولا لأن أصحابها يفتقرون إلى الموهبة أو الإمكانات، وإنما لأنها لم تبدأ أصلًا. فقد بقيت حبيسة التردد، تنتظر اللحظة المثالية، والظروف المثالية، والنسخة المثالية من صاحبها، حتى انقضى الوقت وبقيت مجرد احتمال لم يتحول إلى واقع.

منذ سنواته الأولى، يتعلم الإنسان أن النجاح يحتاج إلى التخطيط، وأن القرارات الكبيرة ينبغي أن تُدرس بعناية. ولا شك أن الحكمة تقتضي التفكير قبل الإقدام، غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول التفكير إلى حالة دائمة، ويصبح الاستعداد أهم من الفعل، حتى يجد الإنسان نفسه يقضي سنوات في رسم الطريق أكثر مما يقضيها في السير فيه.

ولعل أكثر ما يجعل البداية صعبة أن الإنسان لا يخاف مما يعرفه، بل مما يجهله. فكل خطوة جديدة تحمل قدرًا من الغموض؛ مشروع لا يعرف إن كان سينجح، وكتاب لا يدري إن كان سيجد قراءه، وعلاقة لا يعرف إلى أين ستقوده، وقرار قد يغير مسار حياته بأكملها. وهكذا، يبدو البقاء في المكان المألوف أكثر أمانًا، حتى وإن كان أقل سعادة.

ومن هنا، ينشأ وهم خطير؛ وهو أن الانتظار سيمنح الإنسان مزيدًا من اليقين. فيؤجل مشروعه حتى يكتسب خبرة أكبر، ويؤجل حلمه حتى تتحسن ظروفه، ويؤجل قراره حتى يختفي خوفه. لكن الأعوام تمر، ويبقى الخوف على حاله، لأن بعض أنواع الشجاعة لا تُولد قبل البداية، بل تولد خلالها.

وقد ساهم العصر الحديث في تعميق هذا الشعور. فقصص النجاح التي نراها اليوم غالبًا ما تعرض النتيجة، لا البداية. نرى الشركة بعد أن أصبحت عالمية، ولا نرى أيامها الأولى، ونقرأ الكتاب بعد أن أصبح الأكثر مبيعًا، ولا نرى عشرات المحاولات التي سبقته، ونشاهد الرياضي وهو يرفع الكأس، ولا نرى السنوات الطويلة التي قضاها في التدريب. وهكذا، يقارن الإنسان بدايته المتعثرة بنهاية الآخرين اللامعة، فيظن أن الفارق بينهما أكبر مما هو عليه في الحقيقة.

ومن المفارقات اللافتة أن الإنسان قد يقبل الفشل إذا جاء بعد محاولة صادقة، لكنه يجد صعوبة في مواجهة احتمال الفشل قبل أن يحاول. ولذلك، فإن كثيرًا من الأحلام لا تهزمها العقبات، بل يهزمها الخيال. فالإنسان يبني في ذهنه سيناريوهات للخسارة قد لا تحدث أبدًا، ويعيش آثارها النفسية قبل أن يختبر الواقع نفسه.

لكن الحقيقة أن الحياة لا تكافئ من ينتظر الكمال، بل من يبدأ رغم نقصه. فما من مشروع بدأ كاملًا، ولا كتاب كُتب من مسودته الأولى بلا تعديل، ولا إنسان أصبح خبيرًا قبل أن يكون مبتدئًا. فالبداية ليست دليلًا على الجاهزية، بل هي الطريق إليها.

ولعل أجمل ما في الخطوة الأولى أنها تغيّر الإنسان أكثر مما تغيّر الظروف. فهي تعلمه ما لم يكن ليتعلمه من القراءة وحدها، وتكشف له قدراته التي لم يكن يعرفها، وتجعله يكتشف أن كثيرًا مما كان يخشاه لم يكن بالحجم الذي تخيله. فالحركة تزيل من الغموض ما لا تستطيع سنوات التفكير أن تزيله.

ولا يعني ذلك أن كل بداية تنتهي بالنجاح، فبعض الطرق تنتهي بالإخفاق، وبعض المشاريع تتوقف، وبعض الأحلام تتبدل. لكن حتى هذه النهايات تمنح الإنسان معرفة لا يحصل عليها من الوقوف مكانه. فالخطأ الذي يأتي بعد تجربة يضيف إلى الخبرة، أما الخوف الذي يمنع التجربة فلا يضيف إلا مزيدًا من الخوف.

وربما لهذا السبب، فإن الفارق الحقيقي بين من يحققون أحلامهم ومن يظلون يحلمون بها، ليس أنهم أقل خوفًا، بل أنهم لم ينتظروا اختفاء الخوف كي يتحركوا. فقد أدركوا أن الشجاعة ليست غياب التردد، وإنما القدرة على السير رغم وجوده.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: كم حلمًا بقي مؤجلًا لأن صاحبه كان ينتظر اللحظة المناسبة؟ وكم فرصة ضاعت لأن الإنسان أراد أن يبدأ وهو مطمئن تمامًا؟ فربما لم تكن البدايات صعبة لأنها مجهولة، بل لأنها تتطلب من الإنسان أن يؤمن بنفسه قبل أن يمتلك أي دليل على أنه سينجح.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى