تداخل علم البلاغة مع علوم التواصل
الأستاذ المحاضر: محمد الإدريسي
ماستر: التأويليات و الدراسات اللسانية
الفصل السابع
وحدة: نظريات البلاغة
موضوع عرض حول:
"تداخل البلاغة مع علوم التواصل"
الإسم الكامل للطالبة : فاطمة الخراز
الأبوجي : 18038936
السنة الدراسية: 2023\2024
"تداخل علم البلاغة مع علوم التواصل"
الخلاصة:
في هذا العرض البسيط، تم تسليط الضوء على زاوية صغيرة من زوايا البلاغة اللامتناهية التفصيل والشرح و التفسير، حسب ما تقتضيه ظروف العمل والنطاق المسموح.
يقال (بلغ مقصوده من الشيء) أي وصل المرء إلى ما يريده، و هو فعل يتطلب العزيمة والقوة والصبر في كل مناحي الحياة. أما بخصوص موضوعنا المطروح فهو يشير إلى بلوغ القصد عبر اللغة و الكلمات المستعملة لهذا القصد المطلوب؛ ألا وهو ما يصطلح عليه بالبلاغة أي فنون التأثير على المستمع بالحجج و البراهين والأدلة قصد بلوغ الإقناع، أو الرضوخ للرأي، أو الخنوع للأمر، و يكون ذلك عبر الكلام المنسق المنطقي المنمق و المطرز الفصيح، حيث لا مجال للجدال فيه كأنه المغناطيس أو سحر مبين. فالبلاغي يعد شديد الذكاء و البداهة والفصاحة في مسألة تطريز الكلمات.
كان للمجتمع العربي في الجاهلية، باع كبير في طرح البلاغة الشفهية الموزونة، لما يمتاز به من مخزون معجمي فريد، وصناعة الشعر المعجز في نظمه و فهمه، فكانت اللغة العربية هي الموروث الثقافي الحضاري للجزيرة العربية، و مع مجيء الإسلام، تم الحفاظ على أركان قواعد اللغة ونشرها في كل أسقاع العالم عبر الغزوات والفتوحات ونشر الدعوة المحمدية، لتفيد وتستفيد من لغات الشعوب الأخرى، و التي تتسم هي الأخرى بطابع بلاغي مخالف في لغتها المتداولة بين أفراد مجتمعاتها.
يقال أن الكلمات في العصور الإنسانية الأولى، كانت تدخل في عداد السحر، ولا تزال تحتفظ لعصرنا المتمدن، بقوة سحرها القديم، قبيل الحرب العالمية الثانية تم العودة لبلاغة القدماء التي كانت تقوم على التحاور البلاغي بين الأطراف المتنازعة بعيدة عن الحروب، و أكست البلاغة الجديدة حلة عصرية للبلاغة الكلاسيكية، لما رأت فيها من محسنات و منافع تعود على المجتمعات بالخير، بغض النظر عن مستوى أخلاقياتها ودوافعها المضمرة. فالخطيب البليغ يستطيع أن يذكي و يؤجج الانفعالات داخل النفس البشرية، ليكون التأثير شاملا كل الأفراد في المجتمع، لذلك يوجب الحذر من الكلام البلاغي المدجج "خفية" بأسلحته الجمالية المهيمنة .
الكلمات المفتاحية: البلاغة ـ البلاغة العربية ـ أعلام البلاغة ـ البلاغة عبر العصور ـ البلاغة و الفلسفة ـ البلاغة الجديدة ـ موقف اللسانيات من البلاغة العربية .
الله ولي التوفيق
1 ـ تعريف البلاغة:
تعددت التعريفات و الشروح حول توضيح المعنى الإجمالي لمفهوم البلاغة، من قبل روادها و المشتغلين في حقلها، و صنعتها و فنونها، و لم يكفيكم المعاجم و المصنفات فحسب، بل تعدى ذلك وضع قوانين و تحقيقات في المستوى الهادف؛ لأسر عقول المخاطبين، و لتتفاعل قلوبهم مع كل المواقف الكلامية التي يتوخاها المخاطبون؛ لتؤدي المعنى الأسمى بعبارة واضحة صريحة صحيحة فصيحة.
البلاغة قبل كل شيء، هي فن من الفنون يعتمد على صفاء الاستعداد الفطري، و دقة إدراك الجمال، ليس هناك فرق بين البليغ و الرسام (١) فالأول يختار من الألفاظ لنسج قصيدته أو خطابه، و الثاني يختار الألوان المناسبة لرسم لوحاته و تحفه. كلاهما يخلص بتحفة فنية تأخذ من خياله و مقاصد قريحته؛ فالبليغ لا بد له من سلامة للذوق من تأليف يكسبه قوة و تأثيرا؛ لأن البلاغة لا تقتصر على اللفظ وحدة؛ و إنما تتعداه إلى كنه المعاني و تذوق سلامة الانسجام بينهما.
1 ـ 1 ـ أساليب الصور البلاغية:
أ ـ الأسلوب العلمي: يستدعي الفكر المستقيم و المنطق السليم(2) الذي يخاطب العقل لا الحواس و يتطلب البنى الفكرية في الذهن البشري، قصد شرح الحقائق العلمية و ما يغشاها من غموض و التباس. و يختار ما يختار من الألفاظ ما يراه شفافا و سهلا غير قابل للشكوك و إثارة الإرتباك.
ب ـ الأسلوب الأدبي: يعتمد على العواطف و الخيال، و الإحساس المرهف و الإعجاز اللفظي، و هو يعاكس الأسلوب العلمي، كمن يكلم البدر و يخاطب البحر و يصاحب الجبل و يهزم الأعاصير. كلها صور من خياله تدعم صنعته الأدبية في بلوغ مقاصد أسلوبه.
ج ـ الأسلوب الخطابي: يعد أكثر الأساليب خطورة على سامعيه؛ لأنه يهدف إلى إثارة حماس الجماهير(3) ، و إلهاب روح الجماعة، نظرا لما يتميز به الخطيب من قوة في شخصية المتكلم، و علو في المقام من خلال نبرات صوته، و حدة نظراته و أناقة مظهره و استحسان مخارج ألفاظه، أما الخطبة فتكون قوية الحجة، متينة الأركان، بليغة الحجج في الأمثال و التركيز على التكرار في النقط القوية النافذة للنفوس.
(1) علي الجارم ، مصطفى أمين. البلاغة الواضحة. ( البيان و المعاني و البديع ) .للمدارس الثانوية . الناشر دار المعارف .1999. ص: 8
(2) المرجع نفسه، ص : 12
(3) المرجع نفسه، ص: 16
— -
1 ـ 2 ـ كيف تشكلت البلاغة العربية:
أ ـ العقيدة:
من الأصول الثقافية التي شكلت البلاغة العربية، التي تؤكد أنها علم عربي صرف، هي العقيدة الإسلامية، كونها فرضت قضايا الإعجاز القرآني، بما فيها خلق القرآن إشكالية ( القديم و الحديث) لدى علماء الكلام، كذلك قضية المجاز، وهذه القضايا خاصة بالبيئة العربية، و لا يمكن أن تراها في بيئات أخرى كاليونانية أو الفارسية أو الهندية.
إن التذكير سيكون عبثي، أن نقول عن الثقافات الكبرى، كانت تنجز تحولاتها على متن جسور فارقة )1( فحضارة اليونان كان تحولها الحضاري من النص التراجيدي إلى النص الفلسفي، وحضارة روما من الخطابي إلى النص القانوني، كذلك الحضارة العربية من النص الشعري إلى النص المعرفي.
عندما فرغ أهل البلاغة من الألفاظ الدالة على الاعتقاد الروحي للأركان الخمس، لجئوا إلى السيطرة على العلم اللغوي الشامل)2( فالعلم اللغوي بما هو علم الخطاب، قد تعددت أفنانه حتى اشتبكت، وكان أن
لجأ أهل الضاد إلى إحدى آليات الاشتقاق المتاح، تلك القائمة على استثمار واستنباط المصدر الصناعي، وجيء بالتأويل، وإذا بالصراع يتحول إلى ائتلاف حتمي، للشيوع الكوني للمعرفة، حيث الفكر المجرد من كل إكراهات الغلبة. بالتالي سجلت الخطابة و البلاغة الإقناعية)3( حضورا صلبا لدى الفرق الكلامية، التي ستعتمد على الأدلة و البراهين والحجاج في مواجهة الجدال حول معجزة القرآن.
1) ("التأويلات والفكر العربي" منشورات مختبر التأويليات و الدراسات النصية واللسانية، تنسيق و إشراف: محمد الحيرش (كلية الآداب و العلوم الإنسانية بتطوان)، دار الفاصلة للنشر، طنجة، المغرب
مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2020، ص:19
(2) المرجع نفسه، ص: 20
(3) المرجع نفسه، ص: 24
السؤال المطروح هو: هل سجلت "الخطابة" تخوفا على الشعر العربي؟ لأن تعدد المذاهب الكلامية و الفرق، كان لا بد أن يواجه ببلاغة الحجاج القوية، و بلاغة إقناعية، ليست من صنعة البلاغة "الجمالية" التي تعتمد على التأنق في العبارة، وهي بلاغة الشعر، هذه الأخيرة يمكن تخيلها في العصر الجاهلي، وفي صدر الإسلام، و إلى نهاية العصر الأموي، لكن مع بداية العصر العباسي، وظهور علم الكلام، و الترجمات التي أتت من اليونان، اكتشف كتابين للفيلسوف أرسطو وهما (كتاب الخطابة) و هو الكتاب الذي كان له وقعا قويا يفوق شأنه (كتاب الشعر)؛ فالعرب ليسوا بحاجة لمن يعلمهم فنون الشعر.
والخطابي يجب عليه أن يتعمق بالبلاغة الإقناعية، عندما يتعلق الأمر بالتأثير في المستمع بفصيح و وضوح العبارات . و نذكر على سبيل المثال المناظرة التي كانت معتادة(4) بين المسلمين و المجوس، على أسس أخلاقية و قواعد منطقية مضبوطة.
ب ـ التأليف:
من المعلوم أن الذين عالجوا التأليف في البلاغة العربية، ليسوا من العرب، لكنهم عالجوه من داخل الثقافة العربية و ليس من خارجها، وهي من أنتجت هذا الفكر الغزير، نذكر على سبيل المثال سيبويه الفارسي (148 هـ 180هـ) إمام النحاة، أنه فحص اللغة من داخل الثقافة العربية، كذلك أبو عبيدة ابن المثنى البصري ( 209 و) مؤسس علم البيان، و بشار ابن برد (96 هـ 168هـ ) شاعر البلاغة، و كان ينتمي لطبقة الموالي، يرى ابن جني في (كتاب الخصائص، ص: 358، المكتبة الشاملة) " أن ما قيس على كلام العرب، فهو من كلام العرب" . أما المفكر العلامة محمد حسين الطبطبائي (1321 هـ ) فيقول " أن ما يرى من تشبيهات و حكم عند العرب، إنما هي من واقع بيئتها"، ليؤكد أن الذين درسوا قضايا البلاغة العربية ينتمون لبيئتها، و هي طرائق العرب في الإبانة و ما كتبوه في التأليف، هؤلاء وغيرهم، كانوا يرسخون للبناء القويم في التقعيد للبلاغة العربية.
(4) ـ المرجع نفسه، ص: 325
ج ـ أسس نشأة البلاغة العربية:
و هذا يحيل القول أن التأليف كان مفاده استحضار حسنات اللغة، و تحفة كتاب (البديع) للخليفة العباسي الأديب الشاعر عبد الله ابن المعتز، الذي ألفه سنة 274 هـ ، وما يحتويه من ( سجع وطباق و مقابلة وتورية وتضمين وتكرار..1) فالبلاغة القديمة تميزت بالتعليم مع هؤلاء النبغاء من المؤلفين.
فالأقوال الواصفة للبيئة العربية، كانت بمثابة التمهيد و النواة لعلم البلاغة، التي تعبر عن عقليتها و بيئتها
وهي الأصيلة التي لم تتأثر بأي تدخل، و لا فراغ ثقافي في العصور الأولى، و العقول العربية تميل إلى الإفصاح و الكشف، و لا تميل الكناية و التعريض، فالفصل و الوصل2 لزومي في النص العربي، لأنه يؤكد أن العقلية العربية صبغت بالإفصاح و المكاشفة و المحسوس، هذه الأقوال هي التي شكلت البلاغة العربية و صبغتها. كيف استمرت هذه البلاغة متماسكة؟ و لماذا تتهم اللغة العربية بأنها بلاغة الشاهد و المثال؟ و أنها تهتم بمحتوى الجزئي ولا تهتم بالمحتوى الكلي؟
أسئلة تجيب عنها العقول العربية التي تجندت وصبرت و تصدت لهجمات اللهجات الدخيلة من ناحية، واجتهادا لحفظ الموروث اللغوي العربي الذي يحدث به القرآن الكريم اللسان الفصيح.
(1) جميل الحمداوي، من البلاغة الكلاسيكية إلى البلاغة الجديدة، مقالة في مجلة (الجديد و الحصري) الإلكترونية
المحكمة، ص: 5
(2) جاء في الباب الثامن من كتاب (جواهر البلاغة) في المعاني و البان و البديع، للكاتب احمد الهاشمي، مؤسسة هنداوي للنشر و التوزيع، 2019 ص ـ ص: 197 ـ 196 في تعريف: الفصل و الوصل، أنه العلم بمواقع الجمل و الوقوف على ما ينبغي أن يصنع فيها من العطف و الاستئناف، و الوصل: عطف جملة على أخرى بالواو، لصلة بينهما، او الصورة و المعنى، أو لدفع اللبس. أما الفصل: ترك الربط بين الجملتين، إما لأنهما متحدتان صورة و معنى، و إما لأنه لا صلة بينهما في الصورة أو المعنى.
2 ـ حفظ بلاغة الشعر العربي:
إن بلاغة الشعر العربي، لدى ابن حازم القرطاجي (994 ـ 1064) صاحب (منهاج البلغاء) تقع في دائرة أوسع؛ كونه "صناعة البلاغة" أو "علم البلاغة " و الذي يضم صناعة الشعر بالخطابة(1)، و الصناعة هي الملكة و الإدراك و التعقل و المعرفة الكلية المتصفة بالوحدة و التعميم.
و الشعر يحيل أهمية عالية تميزه عن الخطابة، لدوره الفعال في حياة الجماعة، و ما دام علما للبلاغة فهو يتعامل مع الكلمات المنتظمة في سياق متميز، و يشترك في علوم اللغة أو اللسان، لكن خصوصيته تكون على مستوى التشكيل و التأثير(2)، و قد يشترك علم البلاغة مع علوم اللغة في دراسة ظاهرة واحدة، لكن طرائقها تكون مختلفة.
قد نقول، أن علم البلاغة عام، و علم الشعر خاص، و الشعر في نظر ابن حازم ليس مجرد طبع(3)؛ وإنما هو معرفة بمجموعة من القوانين الإنسانية في الجانب الفطري المرتبط بالحساسية التلقائية التي يتميز بها الشاعر، و الجانب المرتبط بالأصول المتعارف عليها؛ لذلك كان القدماء يؤمنون بجدوى التعليم، وذلك بملازمة(4) شاعر آخر مدة طويلة، لنجد أن كل شاعر أخذ من شاعر قبله.
لقد أوضح ابن حازم في نقده، الصلة بين الشعر و التاريخ، لأنه كان يعاني من "فوضى القيم" و اضطرابها المصاحب لسقوط و انهيار(5) الجماعة، فكان عليه أن يواجه الإحساس العام بهوان الشعر في مجتمع ينهار فيه كل ما هو أصيل.
في هذا الصدد يؤكد أن افتقاد مفهوم الشعر الكامل، يعني غياب العلم به ليؤدي ذلك إلى هوان الشعر و الشعراء، و افتقاد المجتمع وسيلة من وسائل تطور الحياة، ولا تطور؛ للشعر إلا بالعودة إلى المتنبي. هذا للقديم كان جليا عليه التعصب أكثر من غيره. هؤلاء البلغاء القدماء من الشعراء، الذين لا معرج لأرباب البصائر في إدراك حقائق الكلام؛ إلا على ما أصلوه.
خلاصة القول:
أن العمل بالشعر، يعني الوعي بخصوصية وتميز مادته عن غيرها، أي خصوصية العلم، و هو الوعي بقوانينه التي تميز الجيد من الرديء؛ لذلك يندفع ابن حازم معيدا للشعر قيمته؛ ليصحح الطباع و يهدي الشاعر و المتذوق، و يسد الطريق أمام أخساء الشعر(6) وأنداله، فإذا نجح الجهد، كان النجاح منهجا للأدباء و سراجا للبلغاء.
(1) جابر عصفور، (مفهوم الشعر)، دراسة في التراث النقدي، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الخامسة 1995، ص: 156
(2) المرجع، نفسه، ص: 157
(3) المرجع، نفسه، ص: 164
(4) المرجع، نفسه، ص: 165
(5) المرجع، نفسه، ص: 167
(6) المرجع، نفسه، ص: 17
3 ـ أعلام البلاغة العربية:
باقتضاب شديد، أذكر أبرز الأقلام التي حفظت للبلاغة العربية أصولها، و بريق شعاعها، وجمال معانيها وقوة بنيتها، وسلامة قواعدها اللغوية، التي تناغمت مع أصول الفقه، و اشتد عودها بحجج القرآن الكريم.
ـ الجاحظ ( 255 ت) : لا يختلف اثنان، على أن أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري الملقب بالجاحظ ، و هو الأديب العربي البلاغي المعتزلي، أول من أعطى البلاغة اهتماما أكبر و أشمل في كتابه ( البيان و التبيين) الذي برز للوجود في أربع مجلدات، شملت ملاحظات بلاغية، على ما دونه من أقوال في آداب العرب و الفرس و العجم و الهند و اليونان، و ما أضافه من آراء خاصة به في قضايا البلاغة، من التشبيهات و الاستعارات و المجازات؛ ليقوم في خطوة غير مسبوقة(1) منه، لكن هذه الجهود ظلت ناقصة؛ لأنه لم يسلك طريقا قواعد البلاغية؛ و إنما تاه في شعاب الأمثلة والنماذج الإخبارية.
ـ عبد القاهر الجرجاني (471 ت) : هذا العالم البلاغي النحوي من أهل علم الكلام، هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمان بن محمد من أهل جرجان في إيران، جاء بعد أن أخذ المشتغلون بالبلاغة العربية يستقلون في التخصص؛ ليقعد لعلم المعاني(2)، في كتابه (دلائل الإعجاز)، و علم البيان في كتابه (أسرار البلاغة)، لتنحصر جهود البلاغيين من بعده فقط في جمع و تبويب واختصار علوم البلاغة.
ـ السكاكي( 626 ت) : هو سراج الدين أبو يعقوب يوسف ابن أبي بكر السكاكي الخوارزمي المولد، البلاغي الذائع الصيت، لما له من علم الفلسفة و المنطق و أصول الفقه، صاحب المجلد (مفتاح العلوم ) الذي قسمه إلى ثلاث أقسام (3) ( علم الصرف ـ علم النحوـ علم المعاني و البيان)، و قد انكب في شرح و تفصيل هذه العلوم، ثلة من خيرة و فضلاء علماء(4)البلاغة من بعده، لا يسع المقام لذكر أسمائهم وأعمالهم التي عززت من انتشار العلوم العربية و الإسلامية.
(1)علي الحازم و مصطفى أمين ( البلاغة الواضحة) في "البيان و المعاني و البديع مع الدليل" .طبعة جديدة مصححة و منقحة. الطبعة الثانية .2019. مؤسسة الرسالة ناشرون . ص : 19
(2) المرجع نفسه، ص: 14
(3) المرجع نفسه، ص: 15
(4) المرجع نفسه،ص، ص: 15 ـ 17
4 ـ البلاغة عبر العصور:
تحتمل السفسطائية الأولى، بالتأثير الإيجابي و السلبي وفقا لاستخدامها، و أهدافها، و مدى مصداقيتها، فالبلاغة التي تمارس في التجمعات العامة و المحاكم حسب أفلاطون، قد أثبتت فشلا ذريعا(1) في تكوين أتباع للمثل الرفيعة، لأنهم تظاهروا بامتلاك المعرفة، و آرائهم كانت كفيلة بإسقاط الخطابة من مقامها الرفيع، فصارت الضرورة لإعادة هيكلة الخطابة من جديد إلى مستوى محترم، بعدما كانت تقنية فاسدة. بعد أن أدان أفلاطون الخطابة في محاورة جورجياس، عاد لإنصافها في محاورة فايدروس، من خلال الدعوة إلى خطابة فلسفية، مفادها الجمع بين موهبة الخطيب و معرفته و تدريبه؛ لأن تراعي أحوال(2) المخاطب النفسية و الروحية، تقيم الاعتبار للسياق الخاص بها، و حسب ما يؤثر على الناس من حجج. لقد منح أفلاطون دورا بيداغوجيا للتعبير عن الفكر الفلسفي. بذلك تعانق الفلسفة الخطابة في نوع من التقارب بينهما، و بعيدا عن أسلوب الإدانة و التشهير، و في خطابة أرسطو، فنحن نرى امتدادها في مدرسة بروكسيل، لا سيما لدى شاييم بيرلمان Chaim Perlman في مشروعه للتأسيس لبلاغة جديدة تبعث الحياة في إرث مجيد على حد قوله، تأخذ بالمرجح من زاوية منطقية مأخوذة بفهم آليات الفكر، أكثر من اهتمامها بالفصاحة، من خلال تحليل وسائل البرهنة التي تستخدمها العلوم الإنسانية، والقانون، والفلسفة، بمعنى دراسات الحجاج(3) التي يعرضها ( الإشهاريون و السياسيون في خطبهن، و المحامون و القضاة في مرافعاتهم و قضاياهم، و الفلاسفة في مصنفاتهم). كانت الخطابية Rhétorique أي صناعة تحسين القول، تهدف إلى دراسة وسائل الاستدلال الصالحة للتأثير في المستمعL’ auditoire بقصد تصديقه للدعاوي المعروضة(4) عليه، ليقبلها و يذعن لها.
4 ـ 1 ـ الخطابة و الفلسفة:
لتفسير التدني المتزايد لقيمة الخطابة(5)، تم استحضار الحكم في نهاية العصور القديمة، و فقدت المجالس القديمة التشاورية كل سلطة سياسية، بالتحديد السلطة القضائية لمصلحة الإمبراطور و المنصبين من الموظفين التابعين له، وتولد ذلك عن عملية تنصير العالم الغربي.
(1 ) البلاغة و تحليل الخطاب، مجلة فصلية علمية محكمة، (البلاغة و الفلسفة)، العدد: 17 بني ملال، المغرب،2023 ص: 131
(2) المرجع نفسه، ص: 137
(3) المرجع نفسه، ص: 137
(4) المرجع نفسه، ص: 138
(5) المرجع نفسه، ص: 140
كون الركون إلى سلطة الكنيسة، كافيا لمعرفة مدلول الوحي و أهميته في كل أمور الخلاص، ما دام الرب مصدر الحقيقة ومعيار كل القيم، تبقى الخطابة و الفلسفة تابعان للاهوت المسيحي(6).
إن المذهب العقلي و التجريبي، هيمنا على الفلسفة الحديثة، و أغلقا الباب في وجه الخطابة، باعتبارها تقنية للعرض و تشكيلة للأفكار، كذلك نبذت الرومانسية الخطابية، باعتبارها "تزيين أسلوبي" واختزلت7 في هذا الدور، تدريجيا منذ نهاية القرن السابع عشر. منذ الثلث الأخير من القرن الماضي، أصبحنا نسمع بانبعاث بطيء لأهمية الخطابة، في امتداد التيارات الفلسفية التي طبعت التجديد الفلسفي منذ قرن تقريبا، الحياة و القيم إلى الفلسفة البراكماتية، هذه التيارات المختلفة اتخذت موقفا مضادا لأي نوع من أنواع النظريات التي كانت تهمل دوما المظهر الخطابي للفكر، معتبرة أن اللغة المستعملة لا يمكن أن تقوم سوى بدور معرقل للمعرفة(7)، و على عكس ذلك، لم تعترف الفلسفات المعاصرة بدور اللغة باعتبارها أداة ضرورية للتواصل الفلسفي فحسب، بل فهمت أن اختيار و صيغة لغوية ما ليس اعتباط و لا مجرد نسخ للواقع، و اللغة ليست حجابا تكفي إزاحته، أو جعله شفافا لفهم الواقع كما هو.
4 ـ 2 ـ البلاغة الجديدة (شاييم بيرلمان) نموذجا:
في هذه الورقة، يقول رائد التجديد البلاغي، البلجيكي البولاندي شاييم ببرلمان Chaïm Perlman (1920 ـ 1984)، بمشاركة زميلته لوسي أوربرخت تيتيكا Tytekaـ Lucie Olbrechts (1899 ـ 1987) الذي رأى في الحجاج الأرسطي Ethos طوق نجاة؛ لما آلت إليه أوروبا إزاء الحربين العالميتين الأولى والثانية، من دمار وخسائر في الأرواح، و ما تخلف عن ذلك من اليتامى و الأرامل، وأن لغة الحرب ليست بلغة إقناع و لا لغة تواصل يرقى إليها المجتمع الإنساني، لذلك لجأ لما سماه بالبلاغة الجديدة، ليعيد الحجاج القناعي، بمنظور جديد وحلة جديدة، مفادها استعارة تقنيات الإقناع Persuasionلا الاقتناع، وتندس في وسائل الإعلام بالدرجة الأولى و السياسة و المجتمع، سعيا وراء النفعية والدبلوماسية، تجبر المتلقي على الرضوخ لنعومة وقوة حجاجها، دون أن تنتظر منه القبول أو الرفض؛ بغية التأثير، و القصد تأسيس فلسفة أكثر نفع وقيمة(8)، لما يبعثه المتكلم من مفعول لدى الجمهور المخاطب. وهذه الأطروحة رغم تعارضها مع التقليد الفلسفي، فهي تعد غير اعتباطية و تلائم الفكر المعاصر، كونها تعيد الاعتبار لمفهوم الحجج العامة، لأن الفلسفة انصرفت لتفسير الطبيعة، و تخلت عن تخصصها الخطابي.
(6) ـ المرجع نفسه، ص: 141
(7) ـ المرجع نفسه، ص: 142
(8) ـ جريدة أنفاس (إشكالية الحجج العامة بين الفلسفة و البلاغةـ شامير بيرلمان) ترجمة أنوار طاهر،العدد 15 ، 2017
5 ـ موقف اللسانيات الحديثة من البلاغة العربية:
تعد كلمة لسانيات، ليست بغريبة عن التراث العربي كما سلف الذكر، فهناك من الأسماء اللامعة الكثيرة التي اجتهد أصحابها في هذا الحقل قبل غيرهم، لكل من هؤلاء اللسانيين العرب، كان لهم الفضل في الاهتمام باللغة من الناحية (النحوية و الصرفية و المعجمية و الدلالية..) و كل من اهتم باللغة يعد لسانيا. أما اللسانيات الحديثة، فهدفها وضع قوانين علمية للغة، ووضع قواعد منضبطة لجميع اللغات و تعريفها، لذلك قيدت "بالحديثة"؛ فللغة الصحيحة، هي التي يحتاج إليها المعاصرون، لتكون تربة خصبة (1)، تؤدي كلماتها المهمة التي لا تلبس في معانيها ولا في تشابهها، و أنها تعطي مساحة لاختراع المفردات الجديدة، التي تتطلبها الحاجة الملحة و المتزايدة في صنعتها. لا شيء أثمن في الحياة من اللغة المتقنة المستحسنة؛ لأنها وسيلة التفكير، و التواصل في البيت و الشارع و العمل، هي السلوك التداولي بين الأفراد؛ فالكلمات هي من تقرر توجهاتنا، و تقوم سلوكنا كما لو كانت أوامر(2) مطاعة.
و من أسباب تأخر تطور اللغة العربية، هو العقلية القديمة في التوجه اللغوي(3)، و هي التي أوجدت لنا نزوعا أدبيا و اجتماعيا يحن إلى الماضي، في حين الوجوب التوجه نحو المستقبل، و البلاغة العتيقة التي تعلم في المدارس و الجامعات، هي بلاغة العواطف و الإحساس، و بالتي تعتبر عرقلة (4) في ما يخص العلوم الدقيقة، لما بها من معاني ليست محكمة المعنى، و ما تلحقه من تباعد بين الكاتب و القارئ. أما اللغة الراهنة، من منظور عصري، تضم العلم و الفن و الفلسفة، يمكن القول أنها تحتوي على كلمات جديدة، و الجمل الذهنية الرائقة. يمكنها أن تعطي روحا جديدة للكلمات القديمة، بعد تداولها في المجتمع و تعود عليه بالخير الكثير(5). لقد التزمت البلاغة العربية بالنص الفصيح، و يقال أن البلاغيين لم يواكبوا العصر و توقفوا عن التطور، دون مسايرة اللغات التي تتطور، و يعيب أحمد الشايب اللساني المعاصر، في كتابه (الأسلوب، 1939 ص : 25 ) على أن البلاغة العربية تعجز عن مسايرة الفنون الأدبية و تسمى قسم الابتكار Invention (كالقصة و المقالة و الرسالة والوصف والمناظرة والتاريخ) فالنص الفصيح من وجهة نظر المجددين، يعيق التقدم اللغة العربية.
(1) ـ سلامة موسى ( البلاغة العصرية و اللغة العربية)، إصدار1945، إصدار النسخة: دار النشر هنداوي، المملكة المتحدة، 2011 ، ص:8
(2) ـ المرجع نفسه، ص: 9
(3) ـ المرجع نفسه، ص: 10
(4) ـ المرجع نفسه، ص:11
(5 ) ـ المرجع نفسه،ص:13
الخاتمة:
إن الحديث عن البلاغة العربية، يظل حديث ذو شجون، و لا يسع المقام في هذه السطور القليلة التوسع في الحديث عن البلاغة العربية و الخطابة البلاغية، و لا القدرة على الإسهاب في الاستشهاد بالأصول و الجذور في هذا الجنس (الثقافي ـ العلمي) من أجناس التداول الإنساني العربي، فقد تضاربت الآراء و الجدال و النقاشات، تتناول البلاغة في مهدها عند شعراء الجاهلية، و هم في تخوم شبه الجزيرة العربية، تحت قبة السماء المتلألئة بالنجوم، مع الكلمة المسافرة بخيالهم كفرس أصيل مطيع، لأسمى مدارك الذات ودهاليز الوجدان. في مرحلة نضوج هذه البلاغة، إزاء القرن الثالث و الرابع الهجري، مع تقويتها بفنون الخطابة الإغريقية، لتعزيز اللغة بالأساليب الحجاجية؛ كي تكون ندا في موقف دفاع عن الدعوة المحمدية، انكب المترجمين عربا كانوا أم أعاجم مستعربين من الفرس و الروم الذين دخلوا الإسلام، على ترجمة الموروث الإغريقي، بمباركة البلاط العباسي، حيث رأى في الاستقاء من معين ثقافة أخرى، فيض خير على الأمة الإسلامية، و زيادة في توسع منارات علومها، و ازدهار آفاقها واتساع مداركها و تلاقح شعوبها. فكانت بغداد قبلة العلماء والفلاسفة و النوابغ، من علماء الفلك و الطب و الكيمياء وعلوم اللغة بشتى منابعها؛ فالبلاغة العربية التي حللت النص القرآني، و فسرت البيان النبوي، وعالجت أقوال و أساطير العرب شعرا و نثرا، أحقا تكون عاجزة عن تحليل على تحليل نص" قد لا تتوفر فيه شروط فصاحة الكلمة أو المعنى، هنا يأتي سؤال آخر: كيف للبلاغة العربية أن تحلل الخطاب العامي؟ (فاللهجات و الخطاب الشعوبي و لغة الجسد...) كلها ينبغي أن تندرج فيما يسمى بعلم اللغة الاجتماعي، و هذا ليس معنيا من البلاغة بشيء، ونحن نعي أنها البلوغ و الانتهاء في المعنى المعجمي، لأن الخطاب العامي لا يتوفر على معايير الجودة في الكلام؛ ومخالف للقياس اللغوي. ناهيك على تناقض في الحروف، و غرابة في الخطاب و تنافر في الكلمات، وتعطيل لفظي و معنوي و ضعف تأليف. من منظور آخر؛ لولا البناء المحكم الذي رسخ للبلاغة، لما ساهمت في إيصال معنى الموروث اليوناني الفلسفي في أطباق ذهبية، محملة بثمرات العقول العبقرية العلمية والفلسفية التي تم التنكر لها ، بل طمس أسمائها و مسح ذكراهم و سرقة لب فكرها (كالفارابي و الكندي و ابن سينا و إخوان الصفا و ابن جني و الخوارزمي و الرازي و الزمخشري و ابن حزم الأندلسي... ) و اللائحة طويلة عريضة يجف في تعدادها المداد و يعتصر لذكراها الفؤاد. إن البلاغة العربية، جعلت هذه الأمة تترابط بخيط واه كخيط العنكبوت، لولاها لما بقي بين العرب من اتصال ولا وصال، و هذا (التواصل) الضئيل نجده محصورا في التعليم الأكاديمي و الأدبي و العقدي. فالرسول الكريم كان فصيحا وخطيبا مفوها يؤدي الرسالة ببلاغة لا يشق لها غبار، و تشخص لها الأبصار، و تردد معانيها كل الأقطار.
تم بحول الله يوم: 27\01\2024
فهرس العرض:
1 ـ تعريف البلاغة :
1 ـ 1 ـ أساليب الصور البلاغية
1 ـ 2 ـ كيف تشكلت البلاغة العربية
2 ـ حفظ بلاغة الشعر العربي
3 ـ أعلام البلاغة العربية
4 ـ البلاغة عبر العصور:
4 ـ 1ـ الخطابة و الفلسفة
4 ـ 2 ـ البلاغة الجديدة ( شاييم بيرلمان) نموذجا
5 ـ موقف اللسانيات من البلاغة العربية
الخاتمة.
المراجيع المعتمدة
1 ـ علي الجارم ، مصطفى أمين. البلاغة الواضحة. ( البيان و المعاني و البديع ) للمدارس الثانوية . الطبعة الأولى الناشر دار المعارف .1999.
2 ـ "التأويلات والفكر العربي" منشورات مختبر التأويليات و الدراسات النصية واللسانية، تنسيق و إشراف: محمد الحيرش (كلية الآداب و العلوم الإنسانية بتطوان)، دار الفاصلة للنشر، طنجة، المغرب
مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 2020، ـ
3 ـ جميل الحمداوي، من البلاغة الكلاسيكية إلى البلاغة الجديدة، مقالة في مجلة (الجديد و الحصري) الإلكترونية المحكمة.
4 ـ جابر عصفور، (مفهوم الشعر)، دراسة في التراث النقدي، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الخامسة 1995
5 ـ علي الحازم و مصطفى أمين ( البلاغة الواضحة) في "البيان و المعاني و البديع مع الدليل".طبعة جديدة مصححة و منقحة. الطبعة الثانية .2019. مؤسسة الرسالة ناشرون.
6 ـ البلاغة و تحليل الخطاب، مجلة فصلية علمية محكمة، (البلاغة و الفلسفة)، العدد: 17 بني ملال، المغرب،2023
7 ـ جريدة أنفاس (إشكالية الحجج العامة بين الفلسفة و البلاغةـ شامير بيرلمان) ترجمة أنوار طاهر،العدد 15 ، 2017
8 ـ سلامة موسى ( البلاغة العصرية و اللغة العربية)، إصدار1945، إصدار النسخة: دار النشر هنداوي، المملكة المتحدة، 2011
