السبت ٢٤ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

تاج من زجاج

لم تكن أمي ترتدي تاجًا، لكن البيت كان يعرف جيدًا أنها ملكته. كانت تستيقظ قبل الجميع، وتنام بعد أن تطمئن إلى أن كل شيء في مكانه، وكل قلب لديه ما يسدّ حاجته، وكل حزن في البيت يستند إلي كتفاً من حديد.

كانت إذا دخلت المطبخ دبّت الحياة في أوانيه، وإذا جلست إلى مائدة الطعام بدا لنا أن العالم، رغم اتساع قسوته، ما يزال بخير.

كنا نراها امرأة لا تنحني، كأن التعب تحاشاها وخُلق للآخرين، وأن الحزن حين يطرق بابها يخلع حذاءه احترامًا لهيبتها. كانت تعرف كيف تدبّر القليل ليكفي الجميع، وكيف تخفي ضيقها خلف ابتسامة تمنحنا شعورًا زائفًا بأن الحياة لا تُرهقها، وأن قلبها خزان عطاء لا ينفد.

كبرنا تحت ظلّ عظمتها، حتى نسينا أنها امرأة، وأن للملكات قلوبًا لا تحميها التيجان، وأن الأيدي التي ترفع البيوت على أكتافها قد ترتجف من كلمة عابرة.

في إحدى الأمسيات، عدت إلى البيت مثقلًا بخيبة لم أجد لها مخرجًا. ألقيت حقيبتي، وجلست صامتًا، وحين سألتني أمي عمّا بي، أجبتها بفظاظة لم أكن أقصدها: أرجوكِ، دعيني وشأني! أنتِ لا تفهمين شيئًا.

سكتت...لم تجادلني، ولم تذكّرني بكمّ المرات التي حملت فيها همومي قبل أن أعرف كيف أعبّر عنها. اكتفت بأن وضعت كوب الشاي قرب يدي، ثم انسحبت بهدوء.

كان ذلك الصمت أشدّ إيلامًا من أي عتاب.

في تلك الليلة، مررت قرب غرفتها، فرأيت الضوء يتسلل من تحت الباب. لم أكن أنوي التجسس، لكنني سمعت شهقة مكتومة، أعقبتها كلمات متقطعة: يا رب، أعنّي على ما تبقّى من عمري، ولا تجعلني عبئًا على أولادي.

تسمّرت في مكاني.

أمي؟ أهذه أمي التي كنت أظن أن الدموع لا تعرف طريقًا إلى عينيها؟ أهذه المرأة التي كانت تجمع شتاتنا كلما بعثرتنا عواصف الحياة، تحتاج بدورها إلى من يجمع شتاتها؟

دفعت الباب برفق، فوجدتها جالسة على طرف السرير، تمسح عينيها بطرف منديل قديم. لم تكن تبكي بسبب كلماتي وحدها؛ كانت تبكي ذلك العمر الذي أنفقته في إرضاء الجميع، وتلك المخاوف الصغيرة التي خبأتها طويلًا حتى صارت أثقل من قدرتها على الاحتمال.

جلست بجانبها، وأمسكت يدها. بدت لي أصغر مما عهدتها، لا لأن السنوات انتزعت من ملامحها شيئًا، بل لأنني رأيت أخيرًا ما كان يخفيه كبرياؤها من تعب.
قلت بصوت خافت: أمي، هل تتألمين كثيرًا؟

ابتسمت ابتسامة مرتجفة، وقالت:

. يا بني، الأم لا تتوقف عن الألم، لكنها تتعلّم كيف تخبّئه كي لا يخاف أبناؤها

ثم سكتت قليلًا، وأضافت:

لكنني أحيانًا أتمنى لو يسألني أحدهم عن قلبي، لا عن الطعام الذي أعددته، ولا عن الثياب التي غسلتها، ولا عن الأشياء التي نسيت شراءها. أتمنى أن يراني أحدكم متعبة قبل أن أضطر إلى السقوط.

شعرت يومها بالخجل من كل مرة حسبت فيها صبرها واجبًا، وصمتها رضا، وتضحيتها أمرًا طبيعيًا لا يستحق الامتنان. أدركت أن الأمومة لا تنزع عن المرأة حقها في الضعف، وأن قدرتها على احتمال العالم لا تعني أنها لا تحتاج إلى من يحميها من قسوته.

في الصباح التالي، وجدتها تعدّ الفطور كعادتها. كان البيت يستعيد نظامه المعتاد، وكانت هي ترتدي ملامحها القوية من جديد. غير أنني لم أعد أرى القوة بالطريقة نفسها؛ فقد صرت ألحظ ارتجاف يدها حين تحمل الأواني الثقيلة، وتنهيدتها حين تظن أن أحدًا لا يسمعها، وتلك النظرة التي تسرح بها بعيدًا كلما سألها أحدهم إن كانت بخير، فتجيب بسرعة:

أنا بخير، ما دمتُم بخير.

اقتربت منها، وانتزعت الملعقة من يدها، وطلبت منها أن تجلس.

ضحكت قائلة:

ومن سيهتم بكم إن أنا جلست؟

أجبتها:

نحن، يا أمي. حان الوقت لنهتم بمن اهتمّت بنا طوال عمرها.

نظرت إليّ طويلًا، ثم جلست. لم تبكِ هذه المرة، لكنها وضعت يدها على يدي، وضغطت عليها كما كانت تفعل حين كنت طفلًا أخاف الظلام.

عندها فهمت سرّ التاج الذي لم أره فوق رأسها يومًا.

لم يكن من ذهب، ولا مرصعا من زمرد، بل من كل ما بذلته دون أن تطلب مقابلًا، ومن كل مرة أخفت فيها وجعها كي تمنحنا الطمأنينة. كان تاجًا يرفعها فوق قدرتنا على فهمها، لكنه مصنوع من زجاج؛ شفافًا بما يكفي لنرى من خلاله عظمتها، وهشًّا بما يكفي ليتحطم بكلمة قاسية أو إهمال طويل.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أريد لأمي أن تكون ملكة لا تنحني، بل امرأة تستطيع أن تبكي دون أن تعتذر، وأن تتعب دون أن تشعر بالذنب، وأن تخلع تاجها متى شاءت، فتجد من يحبّها حتى وهي بلا عرش.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى