الثلاثاء ١٦ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

بين التجلّي والانمحاء: دينامية الصورة الشعرية

قراءة في قصيدة "البحث عن وردة الصقيع" لـ صلاح عبد الصبور

القصيدة

البحث عن وردة الصقيع

الشاعر صلاح عبدالصبور

أبحثُ عنك في ملاءة المساء
أراك كالنجوم عاريه
نائمة مبعثره
مشوقة للوصل والمسامره
واقتداح الخمر والغناء
وحينما تهتزُ أجفاني
وتفلتين من شباك رؤيتي المنحسره
تذوين بين الارض والسماء
ويسقط الاعياء
منهمرا كالمطره
على هشيم نفسي الذابلة المنكسره
كأنه الإغماء
أبحث عنك فى مقاهي آخر المساء والمطاعم
أراك تجلسين جلسة النداء الباسم
ضاحكة مستبشره
وعندما تهتز أجفاني
وتفلتين من خيوط الوهم والدعاء
تذوين بين النور والزجاج
ويقفز المقعدُ والمائدة الهباء
ويصبح المكان خاوياً ومعتماً
كأنه الصحراء
أبحث عنك في العطور القلقه
كأنها ُتطل من نوافذ الثياب
أبحث عنك في الخطى المفارقه
يقودها إلى لاشئ، لا مكان
وهم الانتظار والحضور والغياب
أبحث عنك في معاطف الشتاء إذ ُتلف
وتصبح الاجسام في الظلام
تورية ملفوفه، أو نصبا ً من الرصاص والرخام
وفي الذراعين اللتين تكشفان عن منابت الزغب
حين يـُهل الصيف
ترتجلان الحركات الملغزه
وتعبثان في همود الموت والسموم والرخام
حين يدور العام
أبحث عنك في مفارق الطرق
واقفة، ذاهلة، في لحظة التجلى
منصوبةً كخيمة من الحرير
يهزها نسيم صيفٍ دافئ،
أو ريح صبح ٍ غائم ٍ مبللٍ مطير
فترتخى حبالها، حتى تميل في انكشافها
على سواد ظلي الاسير
ويبتدي لينتهي حوارنا القصير.

تنهض قصيدة "البحث عن وردة الصقيع" لدى صلاح عبد الصبور على حركة دؤوبة لا تهدأ، حركة بحث تتخذ من اللغة جسداً لها ومن التخييل فضاءً مفتوحاً، بحيث لا يعود السؤال عن المحبوب سؤالاً عاطفياً بسيطاً، بل يتحول إلى سؤال وجودي متشعب، يختبر فيه الشاعر حدود الإدراك الإنساني وقدرته على الإمساك بما يتشكل ثم يتلاشى في اللحظة نفسها.

منذ الاستهلال، لا يضعنا النص أمام مشهد واضح، بل أمام كثافة غائمة، فـ"ملاءة المساء" ليست مجرد ظرف زماني، بل هي نسيج رمزي يلف العالم ويجعله أقرب إلى حلم بصري منه إلى واقع قابل للقبض، ولهذا تأتي صورة الحبيبة متشظية، موزعة على هيئة نجوم، لكنها في الوقت ذاته "عارية" و"مبعثرة"، أي فاقدة للتماسك الذي يسمح بتحويلها إلى كيان محدد، وكأن الشاعر منذ البداية يضعنا داخل تجربة رؤية تتأسس على الانفلات لا على التحقق.

أبحثُ عنك في ملاءة المساء
أراك كالنجوم عاريه
نائمة مبعثره

ومن هذا المدخل، تتصاعد الرغبة لا بوصفها رغبة مكتملة، بل بوصفها وعداً دائم التأجيل، إذ تنفتح على صور الأنس والوصال والخمر والغناء، غير أن هذه الصور لا تُعاش بقدر ما تُستدعى كاحتمالات، فالرغبة هنا لا تجد موضوعها بل تتغذى على غيابه، وكلما ظنت الذات أنها اقتربت من لحظة تحقق، انكسرت هذه اللحظة فجأة، لا بسبب قوة خارجية، بل بسبب هشاشة الإدراك ذاته، إذ يكفي أن "تهتز الأجفان" حتى تنفلت الصورة من شباك الرؤية، وكأن المشكلة ليست في الحبيبة بوصفها موضوعاً بعيداً، بل في الرؤية نفسها بوصفها أداة عاجزة عن التثبيت.

مشوقة للوصل والمسامره
واقتداح الخمر والغناء
وحينما تهتزُ أجفاني
وتفلتين من شباك رؤيتي المنحسره

وهنا يبدأ التحول الأكثر عمقاً في القصيدة، حيث لا يعود البحث فعلاً محايداً، بل يتحول إلى عبء يثقل الذات ويستنزفها، فالإعياء لا يأتي كعرض جانبي، بل كنتيجة مباشرة لمحاولة الإمساك بالمستحيل، ويتخذ صورة المطر المنهمر، غير أن هذا المطر، بدلاً من أن يكون باعثاً للحياة، يصبح قوة انهيار تسقط على "هشيم النفس"، في مفارقة دقيقة تقلب الرموز المألوفة وتعيد توظيفها داخل سياق الانكسار، بحيث يغدو البحث نفسه تجربة استنزاف وجودي لا وعد خلاص.

ويسقط الاعياء
منهمرا كالمطره
على هشيم نفسي الذابلة المنكسره
كأنه الإغماء

ومع اتساع مساحة البحث، ينتقل الشاعر من الفضاء الداخلي إلى الفضاءات العامة؛ المقاهي والمطاعم، أي إلى أماكن يُفترض أنها تعج بالحياة والوجوه والأصوات، لكنه لا يعثر فيها إلا على تمثيلات عابرة للحضور، حضور يبدو مكتملاً في لحظته الأولى، من خلال الضحك والبشاشة، ثم ينهار فجأة ليترك المكان خالياً ومعتماً، وكأن الشاعر لا يصف مشهداً خارجياً بقدر ما يكشف عن آلية داخلية تجعل كل حضور قابلاً للتحول إلى فراغ، وكل امتلاء مؤقتاً بطبيعته.

أبحث عنك فى مقاهي آخر المساء والمطاعم
أراك تجلسين جلسة النداء الباسم
ضاحكة مستبشره
وعندما تهتز أجفاني
وتفلتين من خيوط الوهم والدعاء
تذوين بين النور والزجاج
ويقفز المقعدُ والمائدة الهباء
ويصبح المكان خاوياً ومعتماً
كأنه الصحراء

وتتعمق هذه الرؤية حين يبدأ الشاعر بتفكيك العلامات الحسية نفسها، فالعطر لم يعد دالاً على حضور ثابت، بل صار قلقاً، كأنه يطل ولا يستقر، والخطى لم تعد تقود إلى وجهة، بل إلى "لا شيء"، إلى فراغ تتساوى فيه احتمالات الحضور والغياب، وهنا تبلغ القصيدة مستوى من التجريد يجعل التجربة برمتها تدور داخل دائرة مغلقة، حيث لا يكون الانتظار مرحلة نحو الوصول، بل حالة قائمة بذاتها، مكتفية بدورانها الداخلي.

أبحث عنك في العطور القلقه
كأنها ُتطل من نوافذ الثياب
أبحث عنك في الخطى المفارقه
يقودها إلى لاشئ ،لا مكان
وهم الانتظار والحضور والغياب

وعند هذه النقطة، يبدو أن النص قد استنفد كل وسائل البحث الممكنة، ومع ذلك لا يتوقف، بل يواصل توسيع دائرته ليشمل الفصول، الأجساد، والتحولات الزمنية، كأن الشاعر يحاول أن يقول إن ما يُبحث عنه ليس موجوداً في موضع بعينه، بل هو موزع في العالم كله، أو بالأدق، غائب عن العالم كله، وهذا ما يجعل "وردة الصقيع" رمزاً بالغ الكثافة، لأنها تجمع بين الجمال والهشاشة، بين الظهور المؤقت والاندثار السريع، فهي زهرة لا تزدهر إلا في لحظة زوالها، ولا تُدرك إلا وهي تنسحب.

وفي هذا الامتداد المتوتر، تتهيأ القصيدة لبلوغ لحظة تبدو كأنها ذروة الكشف، حيث تظهر الحبيبة في مفارق الطرق، في نقطة التقاء المسارات، في ما يشبه الوعد النهائي بالوصول، لكنها لا تظهر بوصفها كياناً صلباً، بل كخيمة من حرير، أي كهيئة قابلة للاهتزاز والانهيار، تخضع لأدنى حركة من نسيم أو ريح، مما يجعل لحظة التجلّي نفسها محكومة بالزوال منذ ولادتها، وكأن النص يصرّ على أن كل اقتراب يحمل في داخله بذرة الفقد.

أبحث عنك في مفارق الطرق
واقفة، ذاهلة، في لحظة التجلى
منصوبةً كخيمة من الحرير

وبهذا المعنى، لا تعود القصيدة مجرد تجربة حب، بل تتحول إلى تأمل عميق في طبيعة الوجود الإنساني، حيث لا يُعاش الشيء إلا بقدر ما يفلت، ولا يُدرك إلا بقدر ما يتبدد، ويغدو البحث نفسه قدراً لا فكاك منه، لا لأنه يقود إلى نتيجة، بل لأنه يكشف، في كل مرة، عن هشاشة العلاقة بين الذات والعالم، وعن ذلك التوتر الدائم بين الرغبة في التحقق واستحالة الاكتمال…

يبلغ النص في امتداده اللاحق درجة أعلى من التوتر الدلالي، إذ لا يكتفي الشاعر بتدوير ثيمة البحث داخل فضاءات المكان والزمن، بل ينقلها إلى مستوى أكثر تركيباً، حيث يغدو الجسد نفسه حقلاً للتأويل، وتتحول تفاصيله إلى إشارات ملغزة لا تمنح يقيناً بقدر ما تفتح احتمالات لا تنتهي. هنا، لا يعود الجسد حضوراً مكتملاً، بل نصاً آخر داخل النص، تُقرأ فيه العلامات وتُساء قراءتها في آن، وتبدو الذراعان، بما تكشفانه من "منابت الزغب"، وكأنهما لحظة عابرة بين انكشاف واحتجاب، بين طفولة الجسد ونضجه، بين البراءة والرغبة، غير أن هذه العلامات لا تقود إلى وضوح، بل إلى مزيد من الالتباس، إذ "ترتجلان الحركات الملغزة"، وكأن الحركة ذاتها تفقد معناها الثابت وتتحول إلى إيماءة مفتوحة على تأويلات متناقضة.

أبحث عنك في معاطف الشتاء إذ ُتلف
وتصبح الاجسام في الظلام
تورية ملفوفه، أو
نصبا ً من الرصاص والرخام
وفي الذراعين اللتين تكشفان عن منابت الزغب
حين يـُهل الصيف
ترتجلان الحركات الملغزه

ومن خلال هذا التحول، يرسخ صلاح عبد الصبور فكرة أن الحضور الإنساني لا يُدرك بوصفه كياناً مباشراً، بل بوصفه طبقات من التورية، حيث يغدو الجسد "ملفوفاً"، أي محتجباً حتى وهو ظاهر، ويتحول إلى ما يشبه النصب، أي إلى شكل صلب فاقد للحياة، في مفارقة تضعنا أمام ازدواجية عميقة: حضور يبدو كثيفاً لكنه في حقيقته جامد، وظهور يحمل في داخله غياباً كامناً. ومن هنا، لا يكون الانتقال بين الفصول مجرد خلفية زمنية، بل بنية رمزية تعكس تبدل حالات الإدراك، فالشتاء بما فيه من تلافٍّ وانغلاق يقابله الصيف بوصفه لحظة انكشاف، غير أن هذا الانكشاف لا يمنح يقيناً، بل يكشف عن مزيد من الغموض، وكأن الزمن لا يحلّ الإشكال بل يعمّقه.

وتعبثان في همود الموت والسموم والرخام
حين يدور العام

إن عبارة "حين يدور العام" لا تأتي بوصفها توصيفاً عابراً لحركة الزمن، بل بوصفها إعلاناً عن دائرية التجربة، حيث لا يقود الزمن إلى تطور خطي أو خلاص نهائي، بل يعيد إنتاج الحالة نفسها في أشكال مختلفة، وهو ما يجعل البحث فعلاً دائرياً لا يتقدم بقدر ما يدور حول ذاته، وكل محاولة جديدة ليست إلا تكراراً مغايراً لمحاولة سابقة. وفي هذا السياق، تتكثف المفارقة بين الحركة الظاهرة (البحث، الانتقال، التتبع) والسكون العميق الذي يحكم النتيجة (اللاوصول، الفراغ، التلاشي)، وكأن النص يشيّد عالماً تتحرك فيه الأشياء بلا غاية، وتتكاثر فيه الإشارات دون أن تفضي إلى معنى مستقر.

ومع اقتراب القصيدة من نهايتها، يعود الشاعر إلى مفارق الطرق، لكن العودة هنا ليست تكراراً بسيطاً، بل إعادة صياغة للذروة نفسها، حيث تتكثف كل التوترات السابقة في مشهد واحد، تقف فيه الحبيبة "ذاهلة" في لحظة تجلٍّ تبدو كأنها الوعد الأخير، غير أن هذا الوعد لا يلبث أن يتكشف عن هشاشته، فالصورة التي يمنحها الشاعر لهذه اللحظة، صورة "الخيمة من الحرير"، تحمل في داخلها عناصر الانهيار، فهي منصوبة، نعم، لكنها قابلة للاهتزاز، جميلة في شفافيتها، لكنها ضعيفة في بنيتها، وما إن يمر نسيم أو ريح حتى تبدأ بالارتخاء، أي بالتفكك التدريجي الذي ينتهي بانكشاف كامل.

أو ريح صبح ٍ غائم ٍ مبللٍ مطير
فترتخى حبالها، حتى تميل في انكشافها
على سواد ظلي الاسير

في هذا المشهد، لا يكتفي النص بتقديم الحبيبة بوصفها كياناً متلاشياً، بل يعكس أيضاً صورة الذات الشاعرة، التي تظهر هنا كـ"ظل أسير"، وهي صورة بالغة الدلالة، إذ تشير إلى أن الذات لم تعد فاعلاً حراً في تجربة البحث، بل أصبحت محكومة بما تبحث عنه، أسيرة له حتى في غيابه، وكأن البحث لم يعد فعلاً إرادياً، بل قدراً يفرض نفسه على الكائن. إن الظل، بطبيعته، لا يمتلك استقلاله، بل يتحدد بوجود شيء آخر، وهذا ما يجعل صورة "الظل الأسير" تعبيراً دقيقاً عن ذات فقدت مركزها، وصارت تابعة لشيء لا يمكن الإمساك به.

ويبتدي لينتهي حوارنا القصير.

تأتي هذه الخاتمة مكثفة إلى حدٍّ لافت، إذ تختزل التجربة كلها في مفارقة زمنية حادة: الحوار يبدأ لينتهي في اللحظة نفسها، مما يعني أن التواصل، الذي يُفترض أن يكون غاية البحث، لا يتحقق إلا بوصفه لحظة عابرة لا يمكن تثبيتها. هنا، يصل النص إلى ذروته الفلسفية، حيث لا يعود الفشل في الوصول نتيجة لظروف خارجية، بل جزءاً من طبيعة الوجود نفسه، حيث كل بداية تحمل نهايتها في داخلها، وكل لقاء مشروط بزواله.

وبهذا الامتداد، تتكشف "وردة الصقيع" بوصفها أكثر من مجرد صورة شعرية؛ إنها استعارة مركزية تختزل رؤية صلاح عبد الصبور للوجود، حيث الجمال لا يُفهم إلا عبر هشاشته، وحيث الحضور لا يُدرك إلا عبر غيابه، وحيث البحث لا يقود إلى الاكتمال بل إلى وعي أعمق باللااكتمال. إن القصيدة، في بنيتها الكلية، لا تقدّم إجابة بقدر ما تؤسس لسؤال دائم، سؤال يجعل من التجربة الإنسانية حالة من التوتر المستمر بين الرغبة في الإمساك بالعالم واستحالة هذا الإمساك، بين الحلم باليقين والانغماس في الاحتمال، وهو ما يمنح النص طاقته المفتوحة على قراءات لا تنتهي، ويجعله نصاً يقاوم الإغلاق، كما تقاوم "وردة الصقيع" نفسها أي محاولة للقبض النهائي عليها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى