باب لا يحتاج مفتاحا
في المساء
نافذة مفتوحة أكثر من اللازم.
دخل برد غريب
وضع على الطاولة ورقة فارغة.
قلّبتها.
وجهها الآخر أبيض أيضًا.
أشياء أحتفظ بها بلا سبب:
مفتاح صغير،
تذكرة حافلة قديمة،
زر أسود،
صورة رجل يشبهني من بعيد.
كلما اقتربت، اختفى.
أضع الصورة في الدرج.
ليلًا، حركة خفيفة هناك.
كأنه يحاول الخروج.
لا أفتح.
يكفيني ما خرج مني.
ذات مرة انتظرت عند آخر الشارع.
مطر هادئ، لا يشبه انتظاري.
ساعة. ثم سنتان.
ثم لم أعرف من أنتظر:
الرجل، أم الشارع.
صار الشارع أطول.
كل صباح يمتد قليلًا،
يُسحب نحو مكان لا أعرفه.
في آخره باب.
لا بيت خلفه. باب فقط.
أحيانًا مفتوح.
أحيانًا صوت أمي، باسمي القديم.
لا أذهب.
حتى الأسماء تكبر، ثم تضيق.
في المطبخ
ساعة متوقفة منذ سنوات،
وتغيّر الوقت رغم ذلك.
عقربها واقف عند الثالثة.
كل نظرة، شيء آخر يموت.
مرة الصيف.
مرة شجرة.
ومرة أنا.
لا شيء درامي.
استيقظت،
ولم أجد الشخص الذي أعرفه
في الجهة الأخرى من السرير.
ترك جسده وذهب.
منذ ذلك اليوم
أرتدي جسدًا ليس لي.
أحيانًا يضيق.
أحيانًا ينسى يدي
ممدودة نحو مقبض الباب.
يقولون: من نحب يبقى في الذاكرة.
لا أصدق.
الذاكرة بيت سيئ:
أشياء تسقط من السقف،
غرف تختفي،
نوافذ تبدّل أماكنها.
دخلتها ذات ليلة.
أبي على الأرض، يصلح حذاءه.
لم يرفع رأسه.
قلت: أبي.
قال: ليس بعد.
وواصل عمله.
جلست إلى جواره.
لم أسأل.
بعض الأجوبة تفسد ما نحب.
في صدري شيء.
ليس حزنًا.
الحزن أكثر تهذيبًا.
يركض فجأة، ثم يتوقف،
كأنه تذكّر شيئًا.
أضع يدي فيهدأ.
أرفعها فيعود.
هكذا نمضي معًا،
أنا وهذا الشيء —
قلبي، ربما،
أو حيوان صغير ضلّ طريقه إليّ.
لم أعد أنتظر.
لا لأنني شُفيت.
كلمة كبيرة.
لكنني تعبت من الكرسي قرب الباب.
والكرسي صار يعرف.
كل مساء أدخله الغرفة.
كل صباح أجده عند النافذة.
لا أعرف من يعيده.
الريح، ربما.
أو الرجل في الصورة.
أو أنا، حين أنسى الليل.
أمس جاء من يشبهني.
وقف عند الباب. لم يدخل.
نظر طويلًا. قال: ما زلت هنا؟
قلت: نعم.
ضحك. قال: إذن أنا الذي ضللت.
ومشى.
لم أغلق الباب خلفه.
منذ ذلك الحين، البيت مفتوح.
تدخل أشياء كثيرة:
غبار، رائحة خبز،
ورقة شجرة، صوت سيارة بعيدة،
ويد أحيانًا لا أعرفها.
أتركها تمر.
الآن الليل خلف الزجاج.
أمدّ يدي إلى النافذة.
باردة.
أقول: لا تنتظري.
لا أعرف من أخاطب.
تدخل الريح.
تأخذ الورقة البيضاء،
تدور بها، ثم تلصقها في وجهي.
أضحك.
لأول مرة لا أحاول أن أفهم.
في الخارج، خطوات تبتعد.
تتوقف لحظة.
كأنه التفت.
ثم يكمل.
وأبقى أنا، والنافذة مفتوحة،
والبيت الذي لا أعرف متى صار بيتي.
في الصباح، المفتاح على الطاولة.
أو لا.
لا فرق.
ثمة أبواب لا تحتاج مفتاحًا
كي تبقى مغلقة.
