المفاهيم بين السقف المعرفي التَّمَثُّلِيِّ والمدى الإدراكي
هذه أفكار سريعة على هامش متابعتي لتغريدات الفيلسوف وعالم الاجتماعي الفرنسي إدغار موران.
في تاريخ الأفكار بشكل عام، ليست الأفكار هي التي تقود الفكر، وليست الأفكار هي التي تُطوِّر المعرفة، بل المفاهيم، لأن المفاهيم هي القدرة التوليدية المعرفية الأولية Capacité générative cognitive primaire التي توفر للأفكار وجاهتها وقيمتها داخل إطار ما يمكن اعتباره نظرية أو زاوية نظر معرفية ممكنة؛ كل مفهوم يُصطَنَعُ في مختبر الحقل الفكري، يتيح مستوى ممكنا من الوجود المفاهيمي Conceptogenic plane of immanence، أي سيرورة تدفق للفكر المُشَاكِلِ لطبيعة المفهوم ومَدَارِهِ المعرفي الدال عليه والمُسْتَدَلِّ به إجرائيا ومنهجيا في التطبيق والتحليل والتوظيف والاستشهاد والتداول والاستعمال.
المفاهيم وَحَدَاتٌ دالة في ذاتها من حيث هي خوارزميات ذهنيةmental algorithms، وهي أيضا وَحَدَاتٌ دالة على ما يقع في مدى تمثيليتها المعرفية من أفكار وتصورات ومناهج وبرامج وعمليات تحليلية؛ في كل نسق فكري وفي كل نظرية من أي نوع تجد الأفكار مشدودة لمفاهيم، وتجد هذه المفاهيم مشدودة لِتَصَوُّرٍ، وتجد التصور مشدودا لوعي خاص، وتجد هذا الوعي الخاص مشدودًا للحظة تاريخية معينة وسياق ثقافي خاص.
ولهذا السبب يمكن اعتبار الفكر نفسه المحتوى الأَفْكَارِيِّ The ideational content المترتب نسقيا على الإنشاءات المفاهيمية Constructions conceptuelles. والدليل على ذلك أن كلمة "الأفكار" التي تعامل معها أفلاطون بوصفها مفهوما فلسفيا شكلت الإطار المفهومي الأساسي لمجمل الصرح الفكري ذي الصلة بعالم المثل، فكان تحويل كلمة "الأفكار" إلى إنشاءٍ مفهومي بمثابة طاقة توليدية للفلسفة الأفلاطونية نفسها. كما أن تحويل كلمة الشك إلى مفهوم فلسفي قاد ديكارت إلى بناء صرحه الفكري العقلاني موفرا بذلك إمكانية ربط سيرورة الفكر الفلسفي بالقدرة التوليدية المعرفية التي أتاحها مفهوم الكوجيطو. والأمر نفسه بالنسبة لمجمل المفاهيم الأخرى، مثل المحاكاة عند أرسطو، والدياليكيتيك عند هيغل، والظاهراتية عند إدموند هوسرل، والتفكيكية عند جاك ديريدا، والتناص عند جوليا كريستيفا، وموت المؤلف عند رولان بارث، الخ.
ولذلك يمكن القول إن المفاهيم -بالمعني الوظيفي والأدائي للكلمة- فعالية مفاهيمية لتوليد الأفكار Efficacité Conceptuelle Idéo-Génératrice.
إن التفاعل بين الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسياسية في لحظة تاريخية معينة يُنْشِىءُ حالة ذهنية خاصة، وهذه الحالة الذهنية تسمى عادة وعيا أو تحولا أو منعطفا أو تيارا أو فلسفة أو نظرية أو "روح العصر" Air du temps بالتعبير الفرنسي أو إبستيمي بتعبير ميشيل فوكو. وسواء سُمِّيَتْ تلك الحالة الذهنية بهذا الاسم أو ذاك فإنها تقدم نفسها دائما كحالة تَمَوْقُعٍ ذهني وفكري A moment of intellectual and mental positioning. وإذا كانت كل فترة تاريخية تنتج حالة ذهنية تُشَاكِلُهَا، فإنها تُنتج أيضا مفاهيمها الخاصة، أي أدواتها الذهنية الأَدَائْيَةَ Performance-based mental tools.
ومن هذه الزاوية، يبدو المفهوم نفسه حالة ذهنية وتَمَوْقُعًا فكريا يترتب عنهما شكل من الأداء الفكري الذي لا يحتكم –غالبا- لقيمة ما يقدمه من أفكار بقدر ما يحتكم لسلطة وشرطية المفهوم The conditionality of the concept.
ولهذا السبب يمكن القول إن المفهوم إطارُ تَحَيُّزٍ Bias framework لأن الحالة الذهنية التي يستضمرها والتموقع الفكري الذي يدل عليه ويُسْتَدَلُّ به في الفهم والتوظيف والاستعمال يجعلان منه:
إطارًا اختزاليا Reductionist framework (يلغي التفاصيل ويميل إلى التحيز والتعميم)،
أداة فكرية إسقاطية Outil de pensée projectif (تتأمل الواقع في مرآة المفهوم بدل تأمل المفهوم في مرآة الواقع)،
أداة تصنيف مسبق Pre-classification tool (كل ما يدخل تحت المفهوم فهو قيمة تحليلية مطابِقة، وكل ما لا يدخل تحت المفهوم فهو النمط المُسْتَبْعَدُ The excluded pattern)،
أداة توجيه إدراكي Cognitive guidance tool ( ما يقع خارج المفهوم يقع بالضرورة خارج الاستكشاف والدراسة، أي خارج مدى العقل النظري والتحليلي).
من الناحية الإبستيمولوجية، يمكن القول إن الوعي الإنساني يملك القدرة على رؤية الأشياء المتحققة ماديا وحِسِّيًا (مثل الشجرة، والجبل)، ويملك القدرة على استبطان الأشياء المعنوية المتحققة تَمَثُّلِيًّا بدون صورة دالة عليها في الحس (مثل السعادة، والإيمان، والروح، والجنة)، لكن اكتمال الوعي الإنساني بالعالم لا يتحقق دون وعي مرافِق وضروري، وهو الوعي بأن كل الظواهر والأشياء ليست مجرد موضوعات بل هي مسميات ضرورية ومحتمَلة في الوقت نفسه، ولذلك لا بد من التعرف عليها بأسمائها. ولهذا السبب فالكلمات والمصطلحات ليست مجرد مداخل معجمية واصطلاحية، بل هي الشكل التَّعَرُّفِيُّ الضروري الذي يجعل أشياء العالم مُصَنَّفَةً حسيا وإدراكيا، وقابلة للفرز والتعيين والاذْتِهَانِ والتَّمَلُّكِ معرفيا وتَمَثُّلِيًّا؛ هذا النوع من التملك المعرفي والتَّمَثُّلِيِّ هو الذي يضفي الألفة على العالم، وهو الذي يتيح للإنسان تلك القدرة على سلك الظواهر والأشياء في ترابطات.
المفاهيم بدورها تقوم بهذا الدور، تطرح نفسها كَوَحَدَاتِ فَرْزٍ وتَعْيِينٍ، كأُطُرٍ ذهنية صِنَافِيَّةٍ Classification mental frameworks، لكنها ليست تصنيفا للمعاني بل تصنيفا لأدوات إنتاج المعنى؛ المفاهيم إذن أدواتُ أَرْشَفَةِ نماذجِ الوعي التي تنشأ سياقيا في مرحلة تاريخية معينة، وتتحول إلى:
مصفوفات فكرية استقطابية Polarized thought matrices تُعَزِّزُ انتشارَها مؤسسات إنتاج المعنى، وجماعات المؤازرة والولاء الفكريين Intellectual support and loyalty groups: كل مفهوم أو مَتْنٍ اصطلاحي يجدان لهما جماعات الاستعداد التقبلي Receptive readiness groups؛ أي الجماعات المستعدة لِتَلَقُّفِ المفهوم وترويجه وتَبَنِّيهِ والرَّطَانَةِ الاستعراضية به Showcase jargon، بل وحتى تمجيد مُنْتِجِهِ. ومن أمثلة ذلك، مفهوم "موت المؤلف" الذي اصطنعه رولان بارث؛ بدا هذا المفهوم مصفوفة فكرية استقطابية، وبدت جماعات الاستعداد التقبلي (البنيويون) متحمسة لهذا المفهوم إلى حد الهلوسة، دون مساءلةِ وَجَاهَتِهِ الفكرية وقيمته أو لا قيمته المعرفية.
المفاهيم من حيث هي أدواتُ أَرْشَفَةِ نماذجِ الوعي تتحول أيضا إلى بُؤَرِ وَعْيٍ تَقْيِيدِيٍّ Foyers de conscience restrictive: المفهوم ليس مجرد أداةِ أرشفة الوعي، بل هو شكل الوعي وقد صار مفهوما. والوعي لا يكون وعيا متجليا لذاته إلا إذا كان وعيا بنمط الروابط التي يقيمها بين الظواهر والأشياء. وإذا اعتبرنا –من الناحية الإبستيمولوجية- أن الترابط بين الظواهر والأشياء إما أن يكون ترابطا كليا Macro-correlation (وهذا ما حاول إدغار موران Edgar morin تقديمه في كتابه حول الفكر المُرَكَّب Introduction à la pensée complexe - 1990) أو ترابطا جزئيا Partial-correlation (وهذا منتهى ما يمكن أن يصل إليه أي وعي مهما كانت موسوعيته)، فإن المفهوم بطبيعته هو أداة اصطناع الترابط الجزئي: إنه حَيِّزُ تَمَوْقُعٍ فكريٍّ ضيقNarrow intellectual positioning space مهما كانت رحابته الحقيقية أو الادعائية. والدليل على ذلك أن إدغار موران الذي أقام الدنيا وأقعدها من خلال نظريته حول "الفكر المُرَكَّبِ"، اصطنع مفهوما يدعي الإمكانية الفعلية لاحتواء الحيز الممتد والمعقد Complexus، لكن تغريداته في "تويتر" (سابقا وإيكس حاليا) تكشف أفكارا ومواقف إيديولوجية تتنكر لما سماه "المبدأ الهولوغرامي" Principe hologrammatique، ويسقط في نوع من التبسيط الذي يصل أحيانا إلى مستوى السذاجة التي تتناقض كليا مع مفهوم ونظرية "الفكر المركب".
ما الذي يعنيه ذلك من الناحية الإبستيمولوجية؟
يعني أن المفهوم قد يكون منصة توليد للفكر، لكن الفكر قد يكون مشدودا للمفهوم أكثر من ارتباطه بالواقع. وفي هذه الحالة يحصل التناقض بين أداة الوعي المفترض (المفهوم) وحدود الفكر المشدود للتجريد والتجزيء. مفهوم "الفكر المركب" عند إدغار موران مشدود لحالة من الوعي الضيق الذي لا يرى العالم في كثافته المركبة والمعقدة بل يراه من خلال ترابطاته الجزئية، فيفصل مثلا –في تعليقاته على الصراعات الدولية في منصة X- بين الاقتصاد السياسي وبين ظواهر ومظاهر الفقر والظلم الاقتصادي والاجتماعي. ويفصل بين منطق التنافس المتوحش حول الموارد والمصالح واقتصاد السلاح والحروب والنفط وبين مشاكل التهميش والفقر والتخلف التي تعاني منها الدول الفقيرة. وبدل التفكير بمنطق الفكر المركب الذي خصص له كتابا في 158 صفحة (Introduction à la pensée complexe - 1990) يسقط في تغريدات أشبه بيوتوبيا إنسانية غنائية وساذجة مشدودة لوعي لا يرى الترابط الكلي Macro-correlation بل يرى الترابط الجزئي ويحسبه وعيا مركبا، ويسقط أحيانا كثيرة في تغريدات انطباعية وسطحية.
السؤال الذي يطرح نفسه حين تقرأ كتاب "الفكر المركب" وتقرأ تغريدات صاحب الكتاب هو: أين الخلل بالضبط؟ هل في المفهوم أم في الوعي بالمفهوم؟ هل في أداة الفكر أم في الفكر نفسه؟ هل في القيمة السوسيولوجية والأكاديمية لإدغار موران أم في مواقفه وتحليلاته الإيديولوجية؟
من زاوية نظري الشخصية، المشكلة تقع -جوهريا- في التعارض بين السقف المعرفي التَّمَثُّلِيِّ Le plafond cognitif représentationnel الذي يدعيه المفهوم وبين المدى الإدراكي الممكن للتعقد الوجودي L’étendue cognitive possible de la complexité existentielle. ينطوي كل مفهوم على خَصَاصٍ إدراكي Déficit cognitif؛ لا يتعلق هذا الخصاص بالمفهوم فقط، بل يتعلق بالطريقة الذي يدرك بها العقل الإنساني حدود ما دل عليه المفهوم وحدود تطابقه مع الواقع وقدرة هذه المطابقة على أن تكون حقا وعيا استبصاريا بحقيقة الواقع.
