الجمعة ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم هيثم أبو الغزلان

المثقف الفلسطيني بين الدور المطلوب ومحدودية التأثير

تتداخل التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية مع التحديات التي تواجه المثقف الفلسطيني، الذي لا يقف خارج أزمتها، بل هو جزء من أسئلتها وتعقيدات مشهدها.

فتُطرح إلى جانب وجود الاحتلال والانقسام السياسي وأزمات المؤسسات الثقافية، أسئلة حول دور المثقف نفسه، بل وقدرته على تجديد أدواته لجهة أداء دوره النقدي المستقل في مساءلة الواقع، وكشف التناقضات، والمساهمة في تشكيل الوعي العام.

أسئلة

وبناء عليه تبرز أسئلة عديدة في هذا الجانب: هل تكمن الأزمة في تراجع دور المثقف الفلسطيني، أم في تحول علاقته بالسلطة والمجتمع، وبقدرته على مراجعة أدواته وخطابه؟ وما هي حدود قدرته على أداء دور نقدي مستقل في ظل وجود ضغوط سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة؟

يتضح من خلال الإجابة على هذه الأسئلة أنّ الأزمة الثقافية الفلسطينية أزمة مركبة وليست وليدة اللحظة، وقد لا تكون أزمة في نقص المثقفين أو في النصوص، إنما أزمة في البنية التي ينتج فيها المثقف، وفي اللغة التي تفكّر بها المؤسّسة، وفي علاقات هذا وذاك بالسياسي وسلطته.

وسعى الدكتور فيصل دراج في كتابه "بؤس الثقافة في المؤسّسة الفلسطينية" في العام 1996، إلى تشخيص العلاقة المأزومة بين الثقافة والمؤسّسة السياسية الفلسطينية.. والتحذير من أن تتحول الثقافة الفلسطينية من محتوى عابر إلى معيار ثقافي يعيد تشكيل الهوية نفسها وفق "نظام التفاهة"، وعندها لا يمكن لها أن تهزم الثقافة النقيضة، ما دامت عاجزة عن نقد تصوّرها لنفسها، فضلًا عن قدرتها على منازلة سردية الآخر النقيض.

وهذا يطرح سؤالًا حول مدى قدرة المثقف على أداء دور نقدي مستقل في ظل الضغوط السياسية والاجتماعية، ووجود جملة من التحديات التي تحيط به: الاحتلال والانقسام السياسي وأزمات المؤسسات الثقافية. وهذا يعني أن المثقف يتأثّر ببنية المجتمع والسلطة والواقع الوطني، بحسب ما تطرح الباحثة تمارا الطاهر في دراستها "أسئلة المثقف الفلسطيني"، والتي ترى أن المثقف له دور يجب أن لا يقتصر على إنتاج الأدب أو المعرفة، بل يشمل مساءلة الواقع، وكشف التناقضات، والمساهمة في تشكيل الوعي العام. وفي الإطار نفسه يرى إدوارد سعيد في كتابه "تمثيلات المثقف"، أنّ على المثقف واجبٌ أن يؤدّي وظيفة عامة تتجاوز اختصاصه المهني؛ فيطرح الأسئلة المحرجة، ويقاوم إخضاع الحقيقة لمصالح السلطة والمال، ويدافع عن القضايا التي يجري تهميشها.

أهمية مضاعفة

وفي هذا السياق، يكتسب دور المثقف في الحالة الفلسطينية أهمية مضاعفة؛ إذ تتداخل مهمته مع وجود الاحتلال والتهجير والأسر وتفكّك المجتمع واستهداف الذاكرة والهوية. ما يضيف عليه جملة من المهمات تتعلّق بحماية الذاكرة الفلسطينية، وإنتاج خطاب نقدي، وإبراز الصورة الحقيقية للفلسطيني، والعمل على إيجاد مساحات من الحوار تتيح الاختلاف من دون إلغاء أو تخوين. وعليه أن يجمع أيضًا بين استقلال الفكر، والانخراط بقضايا المجتمع، وإنتاج المعرفة، والاستعداد للنقد الذاتي. وهذا يحتّم عليه أن يكون منسجمًا بطرحه الالتزام بالقضايا العادلة حتى عند تعارضها مع مصالحه، فلا يكون معارضًا لسلطة إذا كان تابعًا لسلطة أخرى.

وبهذا المعنى فإن المثقف ليس هو الأعلى صوتًا في المجتمع، بل الأكثر قدرة على فهمه، وكشف تناقضاته، والدفاع عن كرامة الإنسان وحريته.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى