الثلاثاء ١٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم جمال سلسع

الطائرات الورقية

قصيدةٌ وقراءةٌ نقدية

عندما يتناول الشاعر (الطائرات الورقية)، ينظر إلى صورها ودلالاتها بطريقة تختلف في رؤاها عن رؤى الكاتب والسياسي.
وعندما تناول الشاعر جمال سلسع هذه القصيدة، تبين لنا صحة ما تم طرحه في هذا المجال.

أمام هذه القصيدة نطرح الأسئلة النقدية التالية:-

ما هي الفكرة الجديدة التي طرحها الشاعر؟

هل كانت هذه الفكرة سطحية؟ ام كانت العمود الفقري للقصيدة؟

هل هذه الفكرة تناولت تجديدا شعريا في الرؤى؟

ما أهمية هذه الفكرة في لغة المقاومة؟

هل ارتفع النص اﻷدبي إلى مسيوى هذه الفكرة؟ وكيف؟

كيف كان استخدام الشاعر للصور الشعرية ودلالاتها؟

الفكرة الجديدة:

يحوّلُ الشاعر الرمز البسيط إلى طاقة مقاومة وتجديد، وهو أساس اﻹبتكار في القصيدة، إذ خلق المعادلة الرمزية بين اللحظة الزمنية والطائرة الورقية، فرفعها إلى مستوى.(زمني- وجودي)

اللحظة تتجسد ورقة تحلق بحثا عن النصر والفجر والشمس،

والفكرة المحورية الجديدة تتجسد في (أنسنة- تأليه اللحظة العابرة) وتجسيدها في طائرة ورقية، وإعطائها دورا في العمل المقاوم، عندما حوَّلها إلى لحظة تاريخية فائقة القدرة، وهي تخرج من وجع الصمت والمأساة، إلى الشمس والحرية.

مدى عمق الفكرة في النص اﻷدبي؟

لقد تواجدت هذه الفكرة وتعمقت واستقرت في الصور الشعرية ودلالاتها وبنائها الفني، وجاءت لازمة متكررة وليست زخرفية.

(هي طائرة ورقية)،(واللحظة طائرة ورقية)، وبنى عليها النص اﻷدبي، ومن الجدير ملاحظة أن الشاعر في كل تكرار يعطي بعداً جديدا:-

مرة تبحث عن مفتاح النصر، ومرة أخرى تنقشُ دائرة الفجر، وتارة تعبر المأساة والموت. فجعل من هذه الفكرة العمود الفقري للقصيدة.

نستطيع التأكيد على الطرح من خلال المستويات التالية:-

*الرموز العقائدية واﻹنسانية:-

استحضر الشاعر الموروث الديني المسيحي (الجلجلة والصلب) وجعل منه معادﻻ موضوعيا لتجربته الشعرية، واكمل هذا اﻹستحضار بِ (القمح)، أي اﻹنتصار والخصب، كما انتصر السيد المسيح بعد الصلب والجلجلة بقيامته من الموت، مؤكدا أن التضحيات هي الشرط اﻷساسي للإنتصار والخصب.

*اﻹنزياحات الصورية:-

إذ تجد عمق الصور الشعرية في مثل هذه العبارات:-

(تجبل لون الوقت بشمس أبدية)و (تولد فيها لحظة تاريخ تجتاز ظلام القبر) وهنا يتجاوز الشاعر الجغرافيا والمكان، من أجل تشكيل الزمان من خلال نقش (دائرة الفجر).

*التحوّل السايكولوجي للذات:-

النص الشعري قام بكسر المأَساة كقدرٍ يحاصرُ اﻹنسان، إذ جعل من (اللحظة – الطائرة الورقية) هي اﻹرادة التي تعبر المأساة، وتقطف غصن الحرية.

التجديد الشعري في الرؤى:-

استطاع الشاعر تحويل (الطائرة الورقية) من رمز مادي نضالي، إلى نص ميتافيزيقي للزمن واﻹنتظار واﻹنبعاث، من خلال الصور السلبية واﻹيجابية التي أوجدها في النص الشعري:-

)القبر – الفجر)، (الصمت – الصرخة)، (الدم _ الحرية)

فمنح القصيدة طابعاً تأملياً بعيدا عن المباشرة السياسية المعتادة في أدب المقاومة، إذ أعطى ﻷدوات الفعل المقاوم تعريفاً، بعيداً عن اﻹتكاء التقليدي لمفردات القوة الصريحة، أو الرثاء، والبكائيات، فارتقى باﻹمكانية المتاحة البسيطة:-

)لا تملك غزة إلَّا طائرة ورقية).

واعتبرها اﻹرادة الحقيقية للنصر، وتفجير بركان التاريخ.

ربط اللحظة بالخلود:-

إذ حوَّل اللحظة الهاربة في الزمن،إلى كائنٍ حيٍّ (يسأَلُ خُطاك)، (ويوّبخ الصمت):-

(لماذا الصّمت ومفتاح الصبحِ يُطلّ كموجٍ، بين يَديك البحر؟)

حيث يكتشفُ رؤيا الذات، وطريق المقاومة حقيقة حاضرة.

أهمية الفكرة في المقاومة:-

لما جعل الشاعر من (الطائرة الورقية) هي اللحظة، فقد أَعطى للمقاومة معان أخرى جديدة:-
مقاومة بالصبر واﻹنتظار، ومقاومة بالذاكرة والتاريخ (تولد فيها لحظة تاريخ)، ومقاومة باﻷمل (ﻻ تملك غزة إلَّا طائرة ورقية)، مما يجعلنا أمام قراءة المقاومة، ليست كفعلٍ عنيف فقط، بل كموقف وجودي يومي بسيط، يحمل طاقة رمزية نضالية. مما يُعيدُ الثقة للروح المقاومة، بأنَّ التفوق المادي لا يحسم المعركة أمام اﻹرادة، ما دام بين يدي الشعب الفلسطيني اﻹمكانات المتاحة (البحر بين يديك) كافية لاحداث التغيير، إذ أن الطائرة الورقية قد هزت (ليل الليل) فهمى تاريخها كبركان يكتب ملحمة الحرية.

مدى ارتقاء النص الشعري إلى مستوى الفكرة؟ وكيفية ذلك؟

لقد ارتقى النص الشعري ليوازي الفكرة، عندما تطورت الصور الشعرية من البحث عن المفتاح، إلى نقش الفجر، إلى كتابة ملحمة الحرية، فحقق تصاعداً درامياً موازياً لدلالات الفكرة، وقد جاء ذلك عبر آليات فنية وبنائية محكمة:-

التداعي الموسيقي واﻹيقاعي السلس:-

جعل الشاعر من ايقاع التفعيلة ما يعكس حركة الطائرة الورقية، في انطلاقها وهبوطها :-

(تمشي... تركض...تعبر...تقطف...)

فأَوجد تطابقاً بين الحركة الفيزيائية للرمز، والحركة اﻹيقاعية للنص.

البناء التكراري:-

تكرار جملة (هي طائرة ورقية) و (اللحظة...) كان تكراراً تصاعديا، يعطي في كل مرة بعداً جديداً (من البحث عن المفتاح) كما أَشرت إلى ذلك سابقاً، (حتى كتابة الملحمة).

التكثيف والتركيز:-

استخدم الشاعر لغة مكثفة ومشحونة بالعاطفة والرمز،فربط البعد الميداني (غزة) بالبعد اﻹنساني والعقائدي الشامل
(الصليب، القمح، الجلجلة، البحر، الشمس اﻷبدية)

فارتفع بهذا النص من لحظة انفعال مؤقت، إلى وثيقة شعرية أدبية خالدة.

الصور الشعرية ودلالاتها:-

نلاحظ أنّ الصور الشعرية في هذه القصيدة، مركبة ومتحركة، تتجاوز الوصف الظاهري والتقليدي،ﻷنها تتعمق في التجربة الوجودية والفلسفية:-

صورة الطيران:-

(تبحث عن مفتاح النصر) إذ يمنحها الشاعر رسالة (المفتاح)،فتتحول إلى كائن له إرادة وهدف.

الصور الدينية – الرمزية:-

(الصلب والقبر)

(تجتاز ظلام القبر) و (لا ينمو بغير صليب_ حقل القمح)

هنا يستدعي الشاعر الموروث الديني المسيحي في الجلجلة والصلب، والموت والقيامة واﻹنتصار، إذ أنَّ هذا النصر لا يأتي بدون فداء وتضحية.

صور الفجر والضوء مقابل الظلام:-

(بدأت تنقش دائرة الفجر) و(تفتح أبواب الصبح)و (يعبر ظلمة وقت).

نلاحظ تكرار تنائية (الفجر – الظلام) مما يعطي دلالة الصراع القائم بين اﻷمل والقهر. والطائرة الورقية هي القادرة على العبور، من عتمة الواقع إلى اشراق الصبح.

الصور الحركية المتلاحقة:-
(تمشي... تركض...) حركة متسارعة تصف اضطراب اللحظة وتخبطها، كما تصف حركة الطيران في صعودها وهبوطها. مما يعطي دلالة على القلق وصعوبة الوصول إلى اليقين، أي الغموض والحصار.

صورة المأساة المفترسة:-

(والمأساة تحوم وتأكل أرضك)، حيث يجسد المأساة ككائنٍ مفترسٍ، وهي استعارى توحي باﻹحتلال، يقابلها

(تقطف غصن الحرية)، صورة شعرية للحرية تقطف كثمرة، رغم اﻹفتراس المر.

الصور البحرية والموجية:-

(ومفتاح الصبح يطل كموج – بين يديكَ البحر)

وهنا يشبه الشاعر الفجر بالموج، لكنه بعيد المنال

(البحر بين يديك وليس في قبضتك) مفارقة شعرية بين قرب اﻷمل وصعوبة اﻹمساك.

صورة الصمت والعذاب (الجلجلة):-

(تخرج من وجع الصمت—وتعبر جلجلة الموت)

وهو خروج الصمت من عذاب الجلجلة، أي اﻹنتصار.

الخاتمة البركانية والملحمية:-

استطاع الشاعر أن يمنح اللحظة بعداً كونياً هائلاً، عندما شبه التاريخ بالبركان (اﻹنفجار، التدفق، عدم التوقف).

وهكذا اختتم القصيدة بارتقاء الطائرة الورقية الهشة، إلى (ملحمة) خالدة. وهي مفارقة تجعل من الورق الهش، أعظم المواقف النضالية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى