السبت ٢٥ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم الهادي عرجون

الافتراضي في لعبة السرد

من خلال المجموعة القصصية "أرشيف الرماد" للكاتب سعيف علي

يقول ألبرتو إيكو" إذا كانت عوالم التخييل السردي بالغة الضيق فلماذا لا نحاول بناء عوالم سردية، تكون بالغة التعقيد، ومتناقضة ومستفزة شبيهة في ذلك بالعالم الواقعي "(1).

1/ مقدمة:

"لماذا لا نحاول بناء عوالم سردية بالغة التعقيد؟":

ونحن نقلب هذا الرماد، وننظر من دائرة الضوء المطل على شرفة رجل يقلب ذاكرته يبتسم لصورة الطفل فيه حين يجمع ما تناثر من عبق الذكريات. وهو يمر بنا عبر مسارب القص الذي لا تحكمه الحسابات الطبيعية للزمن، حين ينتقل من شخصية إلى أخرى ومن زمن إلى زمن، ومن قصة إلى قصة، دون أن يكون له حدود، ليحملنا من واقع ضبابي إلى حقيقة يلفها السراب والغموض، ليعري الحقيقة، حقيقة الإنسان وكنه وجوده في الحياة، حين يقلب (أرشيف الرماد)، ليعرض علينا الشاعر والكاتب سعيف علي صفحات من أرشيف الذاكرة يعالج من خلالها قضايا عصره.

والغريب في قصص الكتاب أن الكاتب سعيف علي يعيد تفكيك الحقيقة ليعيد تركيبها بصور مختلفة عن الواقع، عندما يبتكر عوالم مختلفة مفتوحة على عديد التأويلات، حين يسافر بالقارئ في أمكنة عديدة وأزمنة مختلفة، يعالج من خلالها قضايا عصره بسخرية كاتب وقلق قارئ حول مواضيع شتى يطرحها لا ليجد حلولا بل لينقد الواقع ويلقي به على حبل غسيل الحياة، وقد فتح لنا باب الولوج لهذا الكتاب برسم جغرافية مرورنا عبر ثنايا النّصّ، حين يقول: " هذه ليست قصصا تسكن الحكاية بل رجاء يريد أن يحفظ ما يوشك أن يحترق مرة أخرى، لا بالنار بل برماد أكثر فتكا. وهو أمر لا يخص الهوس. بل يخص شيئا قريبا جدا من إمساك الأحلام قبل أن تفنيها الحقيقة وهو ما تنشده هذه القصص أن تنقذ الحكاية وترويها بعذوبة ماء اللغة وانسيابها"(ص 9)، ويترك لنا كيفيه الخروج منه، رغم ما صبغت عليه هذه النصوص من غموض.

2/ الافتراضي في لعبة السرد:

أرشيف الذاكرة واللاوعي: من واقع ضبابي إلى عوالم الهذيان والتحرر:

ففي (أرشيف الرماد) للقاصّ والشاعر التّونسي سعيف علي الصادر عن دار أبجديات للنشربسوسة سنة 2026، لا يروي لنا حدثا معيا ومستهلكا في الواقع بقدر ما يفكك الفكرة والحدث الواقع ويطرحه للمتلقي بشكل مختلف يمزج فيه الخيال بالواقع والمنطقي باللامنطقي والعقل الإنساني الثابت بالعقل الانساني المحلق نحو الخيال، لندرك أن الكاتب سعيف علي أدرك أن طرح المشكلة يبدأ في داخل الإنسان وتنتهي فيه، وأن اللاوعي ليس مادة خاملة، بل هناك من يعيش في تلك الأعماق، دون أن يطرح مشكلة أو حلا لمشكلة، ولكن الكاتب من خلال هذه النصوص يطرح المشكلة وينقدها في آن بطريقة ساخرة.

هي ورقات وأرشيف وذاكرة، إنها أحلام اليقظة التي أرّقت كيان شخصيات الكتاب، حينما يتفحص البطل رؤاه وأحلامه، من أجل المكاشفة، أو كشف خفايا الواقع المحيط بالذات الانسانية، فهي جملة من الحالات الوجودية من وجع وخوف ونسيان وارتباك، وقد ركز الكاتب هنا على ظاهرة النسيان لتظهر في شكل قبسات تبثها الذاكرة في شكل خلجات النفس والروح من حين لآخر بالتذكر والذكرى والهذيان التي ينشرها الكاتب أشرعة للهروب من الواقع، حيث يقول: "من هذا الغبي الذي يريد أن يفتح بابي ويقتحم وسعي. أنا الفضاء. لا قعر لي غير الهاوية. لكنني أستطيع أن أضيق حتى أدخل عين ابرة. سأضيق وأستمر في ضيق حتى أدخل رأس وأشعل فيه النار التي أشعلوها في قلبي" نص (متتالية الصحو والهذيان) (ص69)..

فهو يصنع من الذاكرة والفكرة والهذيان المفتعل نصا راقيا فيه من الصور الرائعة والمخيال، ما يجعل نصه يبحر بنا نحو عوالم الإنعتاق والتحرر من سلطة الكاتب العادي الذي يصارع نصه فيصرعه. ولكن هذه الذاكرة تقارع الآخر تتخفى بستاره، كأن الآخر هنا مصدر راحة نفسية ومصدر بحث عن الذات وأحيانا يكون أحن عليه من الذات.

فالكاتب مرتبط بواقع أليم وبماض يسبح في وجع ويغرق فيه، فهو يرمي شباكه في خواطر الآخرين ليفتح أبواب عواطفهم وخلجات أنفسهم يطوعها ويبثها كما يراها في كتاباته.

كما أن هذا الحوار الهادئ تارة والمتشنج تارة أخرى بين الراوي وشخصيات أقاصيصه ما هو إلا نوع من الصراع الداخلي الذي ظهر على نفسية هذه الشخصيات.

ليطلق العنان لهمساته وهي تطرق أذن القارئ وهي تشق طريق القلب. "نزلت إلى الشارع داخل الرواية" (ص 22)، خاصة عندما نلمس ميل الكاتب إلى استخدام المفردات ذات العلاقة الوطيدة بحياة المبدع اليومية وخاصة عندما يتعلق الأمر بالحضور المكاني ليصف الراهن الموجع والألم بجمل قصيرة تلقي أثرا ووقعا بقبساتها التي تنير درب الكلمات كما يظهر أن القاص قد عالج العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بطريقة ساخرة فيها من العبث والسخرية القاتمة الشيء الكثير، وهذا ما يبدو جليا في نص (عطلة رسمية) بقوله: "وقف ينظر إلى اللوحة، والعرق يتصبب، لم يكن عرق الحر بل عرق الخزي المطلق، عرق الانسان الذي يكتشف أنه كان يقاتل طواحين هواء طوال الوقت. شعر فجأة أن كل المدينة تسخر منه بصوت واحد وتضحك حتى البكاء" (ص88).

كما يعتمد الكاتب في أسلوب القص على لعبة مكانية هي أقرب الى الأحلام، وتصوراتها، وهي علامة دالة تشير الى الحديث عما يحيط به من ظروف طبيعية واجتماعية وسياسية ...، لنكتشف مع تتالي الأحداث وأقوال الشخصيات وأفكارها والعلاقة السببية بين الأحداث والمواقف التي يمنحها معنى، ولكن نتساءل مع تتالي أحداث القصة وما يرمي الكاتب بثه في المتلقي على لسان شخصياته، كيف يمكن لنا أن نفسر مثل هذه الأفكار وهذه الأحداث دون أن نصدق في الوقت نفسه أن الكاتب سعيف علي يدلنا في بعض فواصل أقاصيصه إلى جغرافية المرور إلى خباياها في كتاباته. فهو يحدثنا بأسلوب لا يمكن المرور به دون أن يلمس كل المناطق المرئية وغير المرئية فينا لكنه في الآن نفسه يعبر عن حالة جسدية ونفسية تنتاب الشخصيات، تجعلك في دوامة وصراع نفسي ينتابك حتى أنك لا تعرف هل أنت القارئ أم المقروء عنه.

3/ أسلوب التجريب و لعبة القص:

آليات التجريب السردي: تداخل الأصوات واستدعاء التراث:

اعتمد الكاتب سعيف علي على أسلوب التجريب الذي يعتبره النقاد إنقلابا على القوالب الكلاسيكية في السرد والوصف والكتابة القصصية والروائية الكلاسيكية باستعماله لهذا الأسلوب الذي يضفه محمد الباردي بقوله: " ...التجريب يشخص فترات القطيعة في التواصل الإبداعي، ويوافق بالنسبة إلى الكاتب والقارئ تحررًا من المصطلحات السائدة ويمكن أن نعتبر الأدب التجريبي كل أدب يرفض الاستناد إلى قواعد معينة، ويتجه إلى التجديد على مستوى الأشكال، الموروث منها، والمستورد من الآداب الأجنبية " (2) ففيها يتقاطع التاريخ مع الواقع والمتخيل بالأسطوري والخيال الشعبي بالموروث ليختزن مسرح الأحداث كل هذه الدلالات والإيحاءات التي عبر عنها الراوي على لسان شخصياته.

حيث يتجلى التجريب في المجموعة القصصية أرشيف الرماد من خلال السخرية والنقد ويظهر ذلك في نص (مانيفستو الخياط )، الخياط الذي تمرد داخل رواية غير مكتملة بحذف أحداث وإضافة أحداث أخرى ليضع القارئ في حلقة من الافتراضات من خلال إقدام الكاتب على وضع تلك المفارقة بينه وبين السارد، وقد مثل حضور الكاتب سعيف علي الصوت الموضوعي أحيانا والمسيطر على النص السردي "أنا شخص عادي في الرواية ولا أريد أن أقول إلى بطل. لا لأني أكره البطولة، لكن لأنني لا أملك جميع خيوطها " من خلال امتلاكه لتفاصيل الأمكنة وخبايا الشخصيات عندما يجعل الراوي أو شخص آخر داخل النص قريب منه لينقل إليه الحكاية فيكون بذلك منغمسا في كتابة نصه داخل النص الذي نقرأه، ليكون الكاتب والسارد هو نفسه للأحداث التي نشاهدها.

وقد اختار هذا الأسلوب وسيلة للتحرر من الظروف القاهرة، والتحرر أيضا من سلطة الواقع ليبحث عن الذات التي تعشق الانطلاق والتحرر، أسلوب استعمله لدفع الأذى وتفريغ الطاقة الانفعالية بنقد ساخر تجاه الواقع وشخصياته التي تتحرك في فلك القص ويظهر ذلك من خلال تورط المشاهد في أحداث فلم سينمائي ليصبح جزء من أحداثه في قصة (تلفزة) بقوله: " كأنها ترى وجهي المرتسم في وهج الشاشة في غرفتي المظلمة. تتحرك شفتاها. يصلني صوتها واضحا، عابرا كل المسافات: "حاذر. أنت جزء من هذا...حاول مساعدتي""(ص101).

بالاضافة إلى استحضار شخصيات روائية كشخصية:(دون كيخوت وخليفة الأقرع) التي تدور في فلك السرد، شخصيات رغم ما فيها من اختلاف فقد أحسن الكاتب توظيفها بحنكة وحكمة جاءت لتخدم النص وترفع من قواعده وأسسه لنحلق معه في أبعاده ورؤاه.

توظيف العامية التونسية والمزج بين الواقعي والمتخيل:

أما بخصوص اعتماد اللهجة التونسية المحلية في مواضع عدة كما في قوله:"بلي يعز عليكم، ادعوا لابني بالرحمة.حرقة فقده تتقد في قلبي. دهسته كرهبة وفرت"(نص هوامش أصلية)، (ص 74)، فإن الكاتب لا يعتمد عليها لزخرفة مواضع الحوار والسرد فقط بل لجأ إليها لكون اللهجة العامية هي ترجمة للواقع نفسه، حيث إن اللهجة العامية في العموم هي أداة التواصل في المجتمعات العربية فهي لغة الحياة تستعمل بالبيت، والشارع، والعمل. وهي بالتالي تعكس نبض الشارع والمخزون النفسي للأوساط الريفية والشعبية التونسية وتصوير للحياة اليومية المعيشة.

وهذا ما جعل أقاصيصه تتأسس على التنوع والتباين والفوضى والغموض تطرح علينا أفكار الكاتب بطريقة مشوشة وهو نهج من الكتابة اعتمده عدد من الكتاب العرب، فالأقاصيص شملت في جوانحها جملة من الفنون ( قصا وإخبارا بالإضافة إلى الخيال ) معتمدا على الوصف الدقيق للأشياء، كأنه ينقل لنا أحداث فلم سينمائي أو يظهر لنا جوانب دقيقة من صورة فوتوغرافية أراد تجسيدها في لوحات فسيفسائية جمعها من كل شيء بطرف يرتبها ويركبها كلعبة طفل وهو يشدها تارة ويسوي تعاريجها ليضعنا في قالب الأحداث السياسية التي واجهتها تونس، والمتناقضات التي عاشتها والتي انعكست بصورة سلبية على أفراد المجتمع التونسي وعلى نفسية الكاتب عموما الذي يعيش شعورًا مزيجًا من الإحباط والحزن والتمرد والرفض.

إنّ ما يميز الكتابة عند سعيف علي في هذه المجموعة القصصية هو مقدرته الواضحة على المزج ما بين الواقعي والتاريخي من ناحية والمتخيل والافتراضي من ناحية أخرى فهو يبحر بنا في مسارب نجهلها دليلنا فيها هو ذلك القبس من النور والعصا التي تقود صاحبها إلى حيث يريد دون أن يخطئ الطريق ذلك هو سعيف علي يدخل بنا نحو طلاسم قصصية لا يتقن كنهها إلا هو فهو البطل تارة و تارة السارد و تارة أخرى ذلك المراقب الذي يراقب شخصياته القصصية " شعرت بمعنى عميق يتسلل إلى مسافر دون تذكرة سفر ليس فقط في القطار بل في الحياة كلها" (ص 28)، ليزرع أنفاسه فيها يتمرد عليها تارة بقصص واقعي خيالي ألبسها جبة الواقع ومرر أنامله بين ثنايا التاريخ وقبض قبضة من أثر الرماد لينثره وكذلك سولت له أقاصيصه، رغم ما يكتنف هذه الأقاصيص من غموض طريقا نكتشفه كلما أعدنا القراءة لنكتشف فيها عمق ما يرمي الإفصاح عنه.

فالكاتب سعيف علي جعل من التاريخ والوثائق والشهادات الواردة بأرشيف الرماد مجرد خلفية للتعبير عن آرائه بغوصه في عمق الواقع الأليم والخيال وهذا ما يبين أن شخصيات أقاصيصه لا يمكن تجسيدهم في شخصيات معينة ولا يمكن حصرهم في إطار مكاني وزماني معينين فبناء الشخصية في نصوص سعيف علي مرتبط بقدرته على القص وعملية الابداع والابتكار والبراعة في التشكيل، بالاضافة إلى مقدرته على فهم الشخصيات واستيعاب سلوكها وتصرفاتها المفتعلة وغير المفتعلة. فهو يقفز بنا من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان يشق بنا مسالك التاريخ حيث بدت هذه الشخصيات تتستر وراء ستار التاريخ لفضح وضع سياسي واجتماعي في حقبات زمنية مختلفة.

وهنا أعود إلى ما قاله "جان كلود رونو" في كتابه " كلام الراوي ": " إن أولى أدوات الراوي هي ذاته، لا أقول صوته فقط ولكن شخصيته، جسده، مدى اللذة التي يشعرها حين يروي". فالكتابة هي المتنفس الوحيد والورقة هي الشيء الوحيد الذي تبثه أفراحك وأحزانك وينصت لك بصمت وامعان دون أن يقاطعك أو يوقفك عند عتبة واحدة، سواء أردتها أو لم تردها.

وللإشارة فإن الكتابة الروائية والقصصية لم تعد ترتكز على مقوماتها التقليدية فحسب بل طورت أساليبها واتخذت مسارا جديدا في الكتابة تمثل في التجريب أو الكتابة التجريبية التي تمثل بالضرورة الفصل والانقطاع عن وسائل الكتابة التقليدية التي كان يتبعها كتاب الرواية والقصة في العالم العربي، لذلك سعى الكاتب إلى البحث عن وسائل جديدة تسهم في تطوير الأشكال التقليدية لفن الكتابة السردية، وهو ما جعل الأديب المعاصر يستثمر التراث والتاريخ والأسطورة في كثير من الأعمال الأدبية المختلفة، رغبة في إنتاج تجارب فنية متميزة ومتفردة. وهو ما ساهم في ظهور موجة جديدة في الفن الروائي والقصصي ليكون توظيف التراث بكل مجالاته التاريخية والثقافية والأسطورية في هذه المرحلة أحد التيارات الأساسية لعملية التجريب الفني في الحركة السردية العربية المعاصرة.

4/ السخرية والتكثيف واستخدام الرمز:

التكثيف الشعري والرمز: من تفاصيل الأشياء إلى عبثية الذبابة:

والمتتبع لهذه الأقاصيص قراءة تستوقفه صور الأفكار والخيال والأحلام التي يتشكل بها الخطاب القصصي والتي يمكن تشبيهها بالسطور الشعرية في قصيدة الومضة التي تضع الصورة والرمز والمعنى في جملة واحدة، والتي استند إليها الكاتب في تقديم عمله القصصي، بالإضافة إلى الشخصيات التي خدم النص ولم تفشل في إنجاز برامجه السردية، ولم تقف عاجزة أمام متاريس الواقع وتتحول إلى شخصيات مهمة تخدم السرد.

كما يعتمد في كتابة قصصه على المفارقة، والسخرية، والتكثيف، واستخدام الرمز وغيرها من أساليب كتابة القصة القصيرة، بالإضافة إلى الاعتماد على الخاتمة المتوهجة الواخزة المحيرة، واختيار العنوان الذي يحفظ للخاتمة صدمتها.
كما أنه يقدم نصه على طبق من المفردات المنتقاة بعناية، يحترم الأشياء الدقيقة والصغيرة في نصوصه، حتى الكراسي والطاولات والأبواب والقهوة والقطار والمقهى ودرجات السلم حبة التمر والخوخ، واللعبة والرماد والطرقات، فكل شيء له أهمية وله دور في سير الأحداث، "حاولت الاسراع لكن الطريق كانت كارثة تمتد كأفعى سوداء تحت ضوء النهار الخافت ..." (ص123)، وكذلك في نص (ذبانة)، حين يجعل من ذبابة حدث مختلف بنيت عليه قصة كاملة فيها حوار باطني فلسفي إن صح التعبير للدكتور أحمد الزيات مع ذاته ليتعرى الانسان أمام ذاته ويسقط من علياء تعنته وتكبره حفاظا على هيبته، وهذه الحادثة ذكرتني بما رواه الجاحظ عن قاضي البصرة، يقال له عبد الله بن سوار، مع الذبابة التي سقطت على أنفه فأطلت المكث، ثم تحولت إلى مؤق عينه، ففضحت هيبته بقوله في النهاية "وقد علمت أني عند الناس من أزمت الناس، فقد غلبني وفضحني أضعف خلقه، إنها نفس النهاية " ونفس الموقف كلاهما يصارع العبث " ذبانة ذبانة كانت في القهوة طلبت فقط أن يغيروا الفنجان"(ص54)، فهو يحرص على كشف الفكرة وإعطائها رمزية تفضح الهم الإنساني وتعاليه وتنقده، والمتأمل لقصص سعيف علي يلاحظ ذلك التداعي الحر لشخصياته جراء تلك المسلمات التي فندها وأسقطها من أعلى جبل الحقيقة، كما في قصة (ريح الشمال)، ليلى التي تكتب رسائل تعارف في جريدة لتكتشف أن ساعي البريد يحتفظ بها "أخرج لفافة ضخمة من الرسائل مربوطة بشريط مطاطي أحمر بال. قال: وجدناها في درج سامي بالصدفة. أنا آسف يا ليلى.صدر قرار بإيقافه وتحويليه إلى التحقيق في العاصمة. ثمة شكاوي من الجيران عن تأخير البريد"(ص113)، فلا مجال لأن يقف القارئ ويتوقف عند نهاية آمنة بل يجعله في حيرة يتبعها زخم من الأسئلة تعرقل سير تأمله، فالقارئ متعود على نصوص تمد لك خيط المفتتح ليمسك بزمام أحداثها وتأملاتها ليصل في النهاية إلى النهاية الآمنة، ولكن لا توجد نهايات آمنة مع سعيف علي فالقصة عنده لا تنتهي أو تنتهي مفتوحة على العديد من التأويلات.

5/ بناء الشخصية والترابط النصي:

امتداد الشخصيات والذاكرة الطفولية: توفيق وأرشيف الرماد:

كما نلاحظ أن هذه الأقاصيص تختلف وتتفق أحيانا في مواضيعها سواء كان ذلك تصريحا أو تلميحا، وهذا التنوع لا ينفي عدم ارتباطها ببعضها البعض، فشخصية توفيق في قصة (جرح في اللوحة)، "ساكن جديد... اسمه تقريبا توفيق، يسكن في الدور الخامس"(ص34)، هي امتداد لشخصية توفيق الذي يتشارك معه في الاسم في قصة (صندوق عم علي)، وإمتداد لتلك الشخصية، "كان توفيق واقفا يكاد من طوله يسد المدخل "(ص40)، يقول "تيري اوزوالد ":" إن المجاميع الأقصوصية تتفق - بالرغم من تنوع الأقصوصات- في نسيج شبكات قصصية شديدة الترابط، إذ تنشئ كثيرا من التراسلات بين مختلف النصوص التي تبدو متناظرة".

لتنطلق الذاكرة الطفولية في قصة (أرشيف الرماد)، في شكل صور تذكارية سواء كانت تلك الذكريات من ذاكرة الطفل أو الذاكرة المجتمعية فلا قدرة للانسان عموما على العيش بدون تلك الذاكرة الطفولية "داخل كل واحد منا، طفل يلعب الغميضة وحيدا على أمل أن يعثر عليه أحد"(ص7)، التي تحمل ذلك الزخم من المشاعر المدفونة والذكريات التي تشكلت بمضامين ومعاني متعددة لينتقل من الواقع السلبي إلى الفعل الإيجابي، ليبدأ سر أرشيف الرماد الذي يمثل الذاكرة والذي بدأ باحتراق دار الثقافة محمد الشروش أثناء الثورة التونسية، تتقاطع فيه الحقيقة مع الخيال، وتتشابك فيه ذاكرة الطفل التي تحرك في داخلنا تلك الاستجابات المختزلة والدلالات التي تتولد عنها الأسئلة، ومع هذا تُرسم الفكرة وتكبر، لنكتشف أن أرشيف الرماد الذي جمعه الأطفال الثلاثة في علب، "سنحمل هذا الرماد. سنحفظه في هذه العلب. كي لا ينسى أحد ما حدث هنا بالضبط" (ص136)، فأرشيف الرماد يمكن أن يكون ملاذا للتعبير عن الواقع أكثر من الكلام عنه. فهي تعبير عن روح القارئ الذي يجد بعضا من أنفاسه في هذه النصوص كما يعبر عن محيطه ومجتمعه الذي هو جزء من الإطار الزماني والمكاني الذي كتبت فيه هذه النصوص.

6/ الخاتمة:

فسيفساء أدبية تنقذ الحكاية من الاحتراق:

وفي الختام يمكن القول أن المجموعة القصصية للكاتب سعيف علي هي مجموعة قصصية تأخذ من الواقع الشيء الكثير فهي أقاصيص متنوعة المشارب والأنواع سافر بنا صاحبها بين روحه وأفكاره ليجمع لنا نصوصا تنوعت فيها الأصوات وتعددت في ثناياها أنماط الكتابة بمختلف مشاربها فجاءت فسيفساء أدبية وهو بذلك ينزاح إلى ضرب من التحليل النفسي لشخصياته التي تبدو شخصيات مركبة بثت خواطرها وأفكار صاحبها بأدوات فنية جمعت بين القص الأدبي وبين المذكرات والحكايات الخيالية.

وأخيرا يمكن القول بأن الكاتب سعيف علي قد أمعن في التحليق والإبحار في سماء المعاني المتعددة لنصوصه، ليجس بأفكاره وكلماته قضايا مهمة وشحها بأسلوب جميل تساعد على كشف خطوط أقاصيصه المحورية التي تشغل الكاتب، ليترك لنا جانبا من التخيل في الجمل والمعاني التي يحس بها ويبثها فينا كلما انتقلنا من نص إلى آخر.

ألبرتو إيكو: ست نزهات في غابة السرد.

محمد الباردي، الرواية العربية والحداثة، ص 71.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى