الإنسان على حافة المعنى في قصص لمصطفى يعلى
(حكاية مجنون، ذاكرة رجل هش، عند ربوة متاخمة للغابة)
ملخّصات القصص
حكاية مجنون
تبدأ بأسطورة حب “مجنون بهيجة” ضمن سلسلة العشاق الخالدين. ينتظرها الشاب في محطة القطار بلهفة وفرح شديدين بعد نجاحها في امتحان مهم. تتقاطع بخطين سرديين: خط المجنون (الانتظار/الهوس)، خط بهيجة (الرحلة/التوقع). تبلغ الذروة في الاعتداء داخل القطار. تنتهي بـ انفجار القطار/انفجار العقل.
ذاكرة رجل هش
تتناول القصة حياة رجل متقاعد قضى أربعين عامًا يعمل بجد وانضباط. حسّاس بشكل مفرط، يعاني من انكسارات عاطفية، غير قادر على الحسم، يعيش في الماضي. في أحد الأيام، يذهب إلى مقر عمله، وخلال سيره، تستعيد ذاكرته سنوات التعب والوحدة وخيبة الحب وضغوط العمل. وعندما يصل، يكتشف أنه لم يعد موظفًا، فيشعر بمرارة الزمن الذي مضى، وبالهشاشة التي تركتها السنوات في نفسه.
عند ربوة متاخمة للغابة
تحكي القصة عن رجل فقد والده وعمه وصهره في حادث غامض قيل إن الخنازير البرية تسببت فيه. يذهب إلى ربوة قرب الغابة حاملًا بندقيته، عازمًا على الانتقام. يقضي عدة ليالٍ ينتظر ظهور الخنازير، بينما تتصارع داخله مشاعر الحزن والشك والغضب. وفي النهاية، لا ينجح في تحقيق انتقامه، ويبقى وحيدًا في مواجهة خوفه وألمه الكبير.
أمام هذه القصص الثلاث، أشعر كأننا ندخل ثلاث مرات إلى الغرفة نفسها… غرفة الإنسان حين يضيق به العالم.
في "حكاية مجنون"، نرى إنسانًا يبالغ في الحب حتى يتحول إلى طاقة لا يحتملها الواقع.
وفي "ذاكرة رجل هش"، نرى إنسانًا يعود إلى ذاته، فيكتشف أن ذاكرته ليست ملاذًا، بل حقل شظايا.
أما في "عند ربوة متاخمة للغابة"، فنواجه إنسانًا خرج لينتقم، فإذا به يقف وجهاً لوجه أمام خوف بدائي لا يستطيع تسميته.
ما الذي يجمع هؤلاء؟ في تقديري الشخصي، ما يجمعهم هو الحالة وليس الموضوع (حب، ذاكرة، انتقام)، بل حالتهم كلهم يقفون على حافة الانهيار.
ما شدّني في هذه النصوص هو أن الواقع فيها غير مستقر. لا شيء مؤكّد: هل القطار انفجر حقًا؟ هل الذاكرة صادقة؟ هل الخنازير هي الفاعل؟
كأن الكاتب يقول لنا: ليست المشكلة فيما يحدث، بل في قدرتنا على فهم ما يحدث.
فالإنسان، حين يفقد المعنى، يبدأ في اختراع تفسيرات—أسطورية، نفسية، أو حتى جنونية— لحالته، فقط لأجل حماية نفسه من الفراغ.
ونجد أيضاً العنف في القصص الثلاث بكافة أنواعه، الجنسي، الاجتماعي، النفسي.... لكنه فيها ليس مجرد فعل خارجي، بل مسار: يبدأ من العالم، يدخل إلى النفس، ثم يعود لينفجر. في "حكاية مجنون"، يتحطم الحب. في "ذاكرة رجل هش"، يتآكل الداخل بصمت. في "عند الربوة"، يتحول الحزن إلى رغبة في الإبادة.
وكأن النصوص تقول: حين لا يُفهم الألم، يتحول إلى عنف.
أما أكثر ما لمسني شخصيًا، فهو صورة الإنسان في هذه القصص. فنحن لسنا أمام أبطال تقليديين، بل أمام: عاشق لا يحتمل حبه، رجل لا يحتمل ذاكرته، صيّاد لا يحتمل خسارته. وهذا، برأي، هو جمال هذه الكتابة:
أنها تعيد الإنسان إلى هشاشته الأولى. هشاشة لا تُدان، بل تُكشف.
وأيضاً هي كتابةٌ تطلب من القارئ صبرًا، وتأملاً، واستعدادًا للدخول في الغموض، لأنها تربكنا… لكي تجعلنا نرى أنفسنا بشكل مختلف.
ماذا يحدث للإنسان حين لا يستطيع أن يفهم ما يعيشه؟
هل يحب حتى الجنون؟ أم يتذكر حتى الانكسار؟ أم ينتقم حتى الوحشية؟ ربما الجواب ليس في النصوص، بل فينا نحن. "وأنا ككاتبة/ أو كإنسانة، أشعر أن هذه النصوص تضعني أمام مسؤوليتي في فهم الإنسان لا الحكم عليه، وأتمنى أن يكون هذا الفهم مسؤولية القارئ والمثقف العربي أيضاً .
