السبت ١٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم آداما موسى جالوا

الإنسان الذي لا يعرف نفسه

الإنسان الذي لا يعرف نفسه: هل نعيش وفق اختياراتنا أم وفق ما ينتظره الآخرون منا؟

ليس أصعب على الإنسان من أن يمضي سنوات طويلة في بناء حياته، ثم يكتشف أنه لم يكن يبنيها لنفسه، بل كان يبني الصورة التي يريد الآخرون أن يروه بها. قد يبلغ ما تمنّوه له، ويحقق ما صفقوا من أجله، ويحصل على المكانة التي طالما أشاروا إليها باعتبارها دليل النجاح، لكنه حين ينفرد بنفسه، بعيدًا عن أصوات الإعجاب وأحكام الناس، يجد سؤالًا لم يفكر فيه طويلًا: هل هذه الحياة التي أعيشها هي الحياة التي اخترتها حقًا؟

تبدأ الحكاية مبكرًا، حين يتعلم الطفل أن بعض التصرفات تجلب الرضا، وأن غيرها يثير الغضب أو خيبة الأمل. فيكبر وهو يربط قيمته بمدى استحسان الآخرين له، ويتعلم تدريجيًا أن يكون مقبولًا قبل أن يكون صادقًا مع نفسه. لا يعود السؤال: ماذا أريد؟ بل يصبح: ماذا يريدون مني؟ وما الذي ينبغي أن أكونه حتى لا أخيب ظنهم؟

ومع مرور الوقت، تتسع الدائرة. فالأسرة ترسم صورة معينة للنجاح، والمجتمع يضع معاييره الخاصة للإنسان الجدير بالاحترام، والأصدقاء يملكون تصوراتهم عن الحياة التي تستحق أن تُعاش. ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف إلى ذلك جمهورًا لا ينتهي، يجعل الإنسان يشعر بأنه مطالب بعرض حياته وتبرير اختياراته وإثبات أنه يسير في الاتجاه الصحيح. وهكذا قد يتحول وجود الآخرين من مصدر للتواصل والتعلم إلى مرآة دائمة يقيس الإنسان نفسه من خلالها.

لكن المشكلة ليست في الاستماع إلى الآخرين، ولا في احترام آرائهم، فالحياة لا تُبنى في عزلة، والإنسان يتعلم من تجارب من حوله. المشكلة تبدأ حين نفقد القدرة على التمييز بين النصيحة والوصاية، وبين الاستفادة من خبرات الناس والتنازل لهم عن حقنا في الاختيار. فليس كل ما يرضي الآخرين يناسبنا، وليس كل ما يثير استغرابهم خطأ، كما أن مخالفتهم لا تجعلنا بالضرورة أكثر استقلالًا أو حكمة.

إن معرفة النفس ليست اكتشافًا سحريًا يحدث في لحظة واحدة، بل هي عملية طويلة تتطلب شجاعة النظر إلى الداخل دون تجميل. أن يعرف الإنسان نفسه يعني أن يتساءل عن دوافعه، وأن يميز بين ما يريده فعلًا وما تعلّم أن يريده، وبين طموحه الشخصي ورغبته في إثبات شيء للآخرين. فقد يسعى المرء إلى منصب لا لأنه يحب العمل الذي يقوده إليه، بل لأنه يخشى أن يبدو أقل شأنًا من أقرانه. وقد يختار مسارًا لا يشبهه، لا اقتناعًا به، بل هربًا من نظرة المجتمع إلى الخيارات الأخرى.

والأخطر أن الإنسان قد يعتاد هذا النمط حتى يفقد الإحساس بأنه يعيش وفق إملاءات خارجية. يصبح الدفاع عن اختياراته أسهل من مراجعتها، لأن الاعتراف بأنه أخطأ في فهم نفسه قد يفرض عليه مواجهة سنوات من الجهد والتوقعات. عندئذ لا يعود الخوف متعلقًا بخسارة رضا الآخرين وحده، بل بخسارة الصورة التي صنعها عن ذاته، وهي صورة قد يكون قد أنفق عمرًا طويلًا في حمايتها.

ومع ذلك، فإن التحرر من سلطة التوقعات لا يعني أن يجعل الإنسان مخالفة الآخرين غاية في ذاتها. فهناك فرق بين من يختار طريقه بعد تفكير ومسؤولية، ومن يرفض كل رأي مخالف لمجرد إثبات استقلاله. الحرية ليست أن نفعل كل ما نشاء، بل أن نفهم لماذا نريد ما نريد، وأن نتحمل نتائج اختياراتنا دون أن نجعل الآخرين مسؤولين عنها. وقد تكون بعض النصائح التي نتلقاها أكثر صدقًا من رغباتنا العابرة، كما قد تكشف لنا اعتراضات الآخرين جوانب لم ننتبه إليها في أنفسنا.

لذلك، لا ينبغي أن يتحول اكتشاف الذات إلى رحلة أنانية تنتهي عند حدود الفرد، بل إلى وسيلة لفهم علاقته بالعالم على نحو أكثر نضجًا. فالإنسان الذي يعرف نفسه أقدر على احترام اختلاف الآخرين، لأنه لا يحتاج إلى فرض صورته عليهم كي يطمئن إلى وجوده. وهو أقدر كذلك على الاعتراف بحدوده، وتغيير رأيه حين تظهر له أسباب مقنعة، والاعتذار حين يخطئ، دون أن يرى في ذلك انتقاصًا من قيمته.

وربما كان السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه الإنسان على نفسه ليس ما إذا كان الآخرون راضين عنه، بل ما إذا كان قادرًا على تفسير اختياراته بعيدًا عن خوفه من أحكامهم. لماذا يسلك هذا الطريق؟ ولماذا يرفض ذاك؟ هل يستند إلى قناعة واضحة، أم إلى رغبة في القبول؟ وهل سيظل متمسكًا باختياره لو لم يكن هناك من يصفق له أو يراقبه؟

لا توجد حياة تخلو من تأثير الآخرين، ولا توجد ذات تتشكل بمعزل عن الأسرة والثقافة والتجربة. لكن النضج يبدأ حين ندرك أن التأثر ليس هو التبعية، وأن الانتماء لا يقتضي إلغاء الذات، وأن احترام المجتمع لا يعني تسليمه حق تقرير كل تفاصيل حياتنا.

في النهاية، قد لا تكون المأساة أن يفشل الإنسان في تحقيق ما أراد، بل أن ينجح في تحقيق ما لم يرده أصلًا، ثم يقضي عمره في الدفاع عن نجاح لا يشبهه. فكم من إنسان وصل إلى المكان الذي رسمه له الآخرون، ولم يسأل نفسه يومًا إن كان يريد الوصول إليه؟ وكم من حياة تبدو مكتملة في أعين الناس، بينما يظل صاحبها عاجزًا عن الشعور بأنها حياته؟

إن معرفة النفس لا تضمن لنا طريقًا سهلًا، لكنها تمنحنا فرصة أن نسير فيه بوعي. وبين حياة نختارها بعد تفكير، وحياة نعيشها استجابة لتوقعات الآخرين، تقف مسؤوليتنا عن أن نكون شركاء في تشكيل مصائرنا، لا مجرد منفذين لصور لم نرسمها بأنفسنا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى