الاثنين ١٦ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم عادل عامر

اعتراف إسرائيل بارض الصومال العربي

ما هى الأثار السياسية والأمن القومي العربي الأفريقي باعتراف إسرائيل بارض الصومال العربي

يعد اعتراف إسرائيل بـأرض الصومال (صوماليلاند) في ديسمبر 2025 سابقة خطيرة تهدد الأمن القومي العربي والأفريقي، حيث يهدف لتعزيز الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر وباب المندب. هذا الاعتراف يمثل اختراقاً استراتيجياً يهدف لتطويق النفوذ العربي، ومواجهة الحوثيين، وتهديد سيادة الصومال، مع مخاوف من تداعياتها على الملاحة الدولية ومصر.

لكن يمكن القول إن السياسة الإسرائيلية في المنطقة استغلّت بذكاء "الفراغ الاستراتيجي" الذي خلّفه تراجع الدور العربي وتخبّط السياسة الأميركية.

فبينما انشغلت الدول العربية بصراعاتها الداخلية، نجحت إسرائيل في تقديم نفسها شريكاً أمنياً وتنموياً موثوقاً لدول المنطقة، مستثمرةً في المخاوف من "الإسلام السياسي" والإرهاب التي اندلعت عقب ثورات الربيع العربي عام 2011، حتى الأن .

التوقيت والدلالات

يتجاوز الحديث عن الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" في عهد حكومة اليمين المتطرّف أنه مجرّد مناورة تكتيكية؛ إنه يعكس تحولاً في العقيدة السياسية الإسرائيلية من "إدارة الصراع" إلى "حسم الصراع" عبر إيجاد وقائع جيوسياسية جديدة.

ويمكن تفكيك هذا التوجه عبر ثلاثة محاور:

أولًا: يأتي هذا التوجّه في لحظة تعاني فيها إسرائيل أزمة شرعية دولية غير مسبوقة بسبب حرب غزّة. يرى نتنياهو في اختراق القرن الأفريقي فرصةً لـ"الهروب إلى الأمام"، وتشتيت الانتباه الدولي، وتسجيل نصر دبلوماسي يكسر طوق العزلة.

كما يتزامن ذلك مع صعود التنافس الدولي في البحر الأحمر، فتسعى إسرائيل إلى حجز مقعد لها في ترتيبات الأمن الإقليمي الجديد قبل أن تفرض قوى أخرى (الصين، روسيا، إيران) معادلاتها.

نجاح إسرائيل في اختراق الأمن القومي العربي ليس نتاج قوة ذاتية فحسب، بل انعكاس لفشل في صياغة رؤية موحدة للقرن الأفريقي

ثانياً: تعمل إسرائيل على تحويل "أرض الصومال" قاعدةً استخباريةً وعسكريةً متقدّمةً لمراقبة مضيق باب المندب واليمن. النظرية الأمنية الإسرائيلية تفترض أن الوجود المباشر في بربرة سيوفّر عمقاً استراتيجياً في مواجهة التهديد الحوثي والإيراني. ومع ذلك، قد تكون هذه الرؤية قاصرةً وخطيرةً؛

إذ إن عسكرة المنطقة واستجلاب الصراع الشرق أوسطي إلى القرن الأفريقي قد يؤدّي إلى نتائج عكسية، ما يجعل المصالح الإسرائيلية أهدافاً مباشرة وسهلة للجماعات المعادية، ويزيد من حدّة الاستقطاب بدلاً من توفير الأمن.

ثالثًا: تتجاوز المصالح الإسرائيلية الجانب الأمني لتشمل طموحات اقتصادية واسعة. ميناء بربرة ليس مجرّد محطّة عبور، بل هو بوابة لسوق شرق أفريقيا الصاعد (إثيوبيا، أوغندا، كينيا). تسعى الشركات الإسرائيلية إلى الهيمنة على قطاعات الزراعة والمياه والتكنولوجيا في "أرض الصومال".

لكن الخطير في هذا التوجّه هو تحويل "أرض الصومال" إلى "اقتصاد تابع" يعتمد كلياً على الخبرات والتمويل الإسرائيلي، ما يرهن قرارها السياسي المستقبلي، ويحوّلها إلى رأس حربة للمصالح الإسرائيلية في مواجهة النفوذ الصيني والتركي المتصاعد في المنطقة.

تداعيات وتبعات

يفيد التحليل الاستشرافي بأن الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" سيكون بمثابة "فتيل تفجير" لسلسلة من التحوّلات الجيوسياسية الخطرة:

أولاً: "بلقنة" القرن الأفريقي. اعتراف حكومة يمينية إسرائيلية منبوذة عالمياً بـ"أرض الصومال" لن يكون حدثاً معزولاً، بل سابقة خطيرة قد تشجّع حركات انفصالية أخرى في المنطقة (مثل بونتلاند، جوبالاند، أو أقاليم في إثيوبيا والسودان) على المطالبة بتقرير المصير، ما يهدّد بتفكيك الدول الوطنية الهشّة أصلاً وتحويل القرن الأفريقي إلى مجموعة من الكيانات المجهرية المتناحرة التي يسهل على القوى الخارجية السيطرة عليها.

ثانياً: عسكرة البحر الأحمر وحروب الوكالة. دخول إسرائيل لاعباً معترفاً به رسمياً سيستفز القوى المنافسة. من المتوقّع أن ترد إيران بتكثيف دعمها الحوثيين وجماعات داخل الصومال، بينما قد تسعى تركيا إلى تعزيز قاعدتها في مقديشو. هذا سيحوّل البحر الأحمر من ممرّ مائي تجاري إلى ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة، ما يهدّد سلاسل التوريد العالمية ويرفع تكاليف التأمين والطاقة.

"التجاهل الاستراتيجي" العربي والأفريقي لقضية "أرض الصومال" دفعت هرجيسا نحو خيارات يائسة ثالثاً: وأد مشروع الدولة الصومالية. الاعتراف بـ"أرض الصومال" سيسحب البساط نهائياً من تحت أقدام الحكومة الفيدرالية في مقديشو، ويفقدها ما تبقّى من شرعية وهيبة. هذا الانهيار المعنوي والسياسي قد يعيد الصومال إلى مربّع الحرب الأهلية الشاملة، حيث تتصارع الأقاليم والقبائل على الموارد والنفوذ من دون وجود مركز ناظم.

رابعاً: انكشاف الأمن القومي المصري والخليجي. إن وجود نفوذ إسرائيلي-إثيوبي مشترك يتحكّم في منافذ البحر الأحمر الجنوبية يمثّل تهديداً وجودياً للأمن القومي المصري (قناة السويس) والسعودي. هذا التحالف قد يستخدم ورقة ضغط في ملفّات أخرى (مياه النيل)، ما يضع دول المركز العربي في موقف استراتيجي بالغ الضعف. وربّما هذه الخطوة

قد وفّرت للسعودية هامشاً للمراجعة والتخطيط الاستراتيجي قبل الانخراط في التطبيع مع إسرائيل ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية، لأن وجود قواعد عسكرية إسرائيلية في خاصرتها الأمنية الجنوبية يعرّضها لمخاطر أمنية واقتصادية واستراتيجية،

وهو ما يدفعها إلى إقامة تحالف عسكري مع دول الإقليم لتشكيل محاور ردع لمواجهة محور إسرائيلي-إثيوبي يتشكّل في المنطقة، وعلى نحو متسارع.

خاتمة

تضارب المصالح والمبادئ

يكشف التحليل المقارن لردّات الفعل المحلّية والإقليمية والدولية حجم التناقضات التي تحكم العلاقات الدولية في المنطقة، حيث تتصادم المبادئ القانونية مع الواقعية السياسية الفجّة. دولياً، يواجه الغرب موقفاً مزدوجاً محرجاً. فبينما يتمسّك رسمياً بـ"سياسة الصومال الواحد" لعدم تشجيع الانفصال وزعزعة الاستقرار الهشّ، ينظر بعين الرضا إلى الاستقرار الديمقراطي في "أرض الصومال" ويعتبرها شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب. الاعتراف الإسرائيلي قد يضع واشنطن في حرج؛ فإمّا أن تدين خطوة حليفتها وتخاطر بمصالحها الأمنية، أو تصمت وتواجه اتهامات بازدواجية المعايير وتقويض القانون الدولي، ما قد يدفع الصومال الفيدرالي نحو المعسكر الصيني- الروسي.

إقليمياً، يكشف هذا الاختراق الإسرائيلي وهن المؤسّسات الإقليمية. الاتحاد الأفريقي مكبّل بميثاقه الذي يقدّس الحدود الموروثة، لكنّه عاجز عن تقديم حلول عملية لأزمة "أرض الصومال" المستمرّة منذ ثلاثة عقود. أمّا الدول العربية فتبدو ردّات فعلها تقليدية وتفتقر إلى الخيال السياسي؛ إذ تكتفي ببيانات الإدانة والتمسّك بوحدة الصومال من دون تقديم حوافز تنموية أو سياسية تقنع "أرض الصومال" بالبقاء ضمن الفضاء العربي. هذا الفراغ العربي هو ما يمنح إسرائيل وإثيوبيا الفرصة للتمدّد.

ليس الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" مجرّد حدث دبلوماسي عابر، بل هو مؤشّر على انهيار النظام الإقليمي القديم وتشكّل نظام جديد يتسم بالفوضى وسياسات القوة. قد تكون استراتيجية "الأطراف" الإسرائيلية، رغم براعتها التكتيكية، استراتيجية "قصيرة النظر" تجلب عدم الاستقرار للمنطقة بأسرها، بما فيها إسرائيل نفسها، من خلال إشعال حرائق لا يمكن السيطرة عليها. وفي المقابل، يتحمّل النظام العربي والأفريقي مسؤوليةً تاريخيةً عن هذا المآل. إن سياسة "التجاهل الاستراتيجي" لقضية "أرض الصومال" وعدم تقديم حلول إبداعية تجمع بين الحفاظ على المصالح العربية

وتلبية طموحات سكّان الإقليم، هي التي دفعت هرجيسا نحو خيارات يائسة. الواقعية السياسية تقتضي من الدول العربية الكبرى (السعودية، ومصر، وقطر) والاتحاد الأفريقي، والدول المهتمة بالصومال مثل (تركيا والولايات المتحدة)، التحرّك العاجل لطرح مبادرة شاملة تحتوي "أرض الصومال" تنموياً وسياسياً ضمن إطار لا يهدّد الأمن القومي الجماعي، بدلاً من ترك الساحة خالية للاعبين يسعون لتوظيف تناقضات المنطقة لمصالحهم الضيقة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى