تغيير النفس والمجتمع
تغيير النفس والمجتمع عملية تكاملية تبدأ من الداخل؛ فإصلاح الفرد لعقليته وسلوكه (تزكية النفس) هو اللبنة الأساسية لتغيير المجتمع نحو الأفضل، استناداً للقاعدة القرآنية "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". يتطلب ذلك مواجهة صدقة للذات، التخلص من العادات السلبية، والإيمان بالقدرة على التغيير
إن أولى خطوات التغيير الحقيقي هي مواجهة الذات بصدق. لا مجال للهروب أو الاختباء؛ عليك النظر مباشرة إلى أكبر مخاوفك، والحفر عميقًا بداخلك لمواجهة كل ما يجعلك تشعر بالتعاسة أو الأسى. الأهم من ذلك، يجب عليك تحدي معتقداتك المقيدة وطرق تفكيرك العقيمة التي تعيق تقدمك.
بعد المواجهة، يجب أن يتحول التغيير من مجرد أمنية إلى إيمان صادق بأنه ممكن. يتطلب هذا تغييرًا جذريًا في العقلية والاستعداد الذهني للمهمة. إن تحدي العادات القديمة ليس سهلاً، فغالبًا ما ستشعر وكأنك “تسبح ضد التيار”، وهنا يكون إيمانك وذهنك هما وقودك للمواصلة.
يجب أن تكون يقظًا تجاه دور العقل الباطن الذي غالبًا ما يشعرك بصعوبة المهمة، محذراً من أن خروجك من دائرة الراحة سيعرضك للقلق والمشاكل. هذا التحذير قد يدفعك إلى حالة من الإنكار للتغيير لتجنب مشقة وجهاد النفس المستمر. لكن تذكر أن الانصياع لهذا الإنكار هو هدم لمشروعك نحو التحول إلى الأفضل.
في سياق إدارة الذات، تجنب الحرب ما بين ذاتك الحقيقية وذاتك المثالية. هذا القتال الداخلي يستنزف الطاقة التي تحتاجها للتحول. بدلًا من ذلك، اقبل نفسك. كما أنت الآن بكل ما فيها من نقاط قوة وضعف، فهذا القبول هو نقطة الانطلاق للعمل نحو أن تصبح الشخص الذي تطمح إليه.
التغيير ليس وجهة نهائية تصل إليها، بل هو عملية مستمرة لا خط نهاية لها. ابدأ رحلتك خطوة بخطوة ويومًا بعد يوم، من خلال إحداث تعديلات بسيطة على أفعالك اليومية. في كل فترة زمنية، توقف وقارن بين “نفسك اليوم” و”شخصية الأمس” لترى مدى التقدم الذي أحرزته. هذا النهج التدريجي يضمن الاستدامة ويبعدك عن الإحباط.
فإذا وثقت النفس أنها بدأت تستوي على الطريق الصحيح؛ فإنها تكون مهيئة حينئذٍ للإصلاح ودعوة غيرها انطلاقاً من قاعدة: (أصلح نفسك وادع غيرك).
• كن أنت قدوة لأهلك وجيرانك وأصحابك، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى والقدوة الحسنة لأمته في كل شيء.
إن من شروط الفعالية حدوث شعور للإنسان أنه يملك شيئًا يمكن أن يقدمه للآخرين وهم بحاجة إليه. فحدوث هذا الشعور عنده يكون سببًا لفعاليته ونشاطه. ويمكن أن يتضح ذلك إذا نظرنا إلى العكس.
قد تصلح النفوس وتتغير مقبلة على خالقها، مدبرة عن المعاصي تواقة للعبادات، تنعم في لذة الطاعات… وكأنها حققت المقصود من الآية الكريمة بتغيير ما بالنفس حسب التفسير السطحي للآية، فما بال العذاب من الله يطال عبدا زاهدا قائما لم يعص الله تعالى طرفة عين، وقد غير ما بنفسه، بل وساق نفسه يجرها إلى باب الله تعالى متذللة منكسرة بين يدي المولى سبحانه؟ وقد جاء في الحديث القدسي عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم:
“أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا عَلَى أَهْلِهَا. قَالَ: فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ فِيهِمْ عَبْدَكَ فُلانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، قَالَ: فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ فِيَّ سَاعَةً قَطُّ”. عقاب من الله تعالى لعبد لم يتمعر وجهه في الله ساعة. أي لم ينكر منكرا ولم ينه عن المعصية قومه، بالنصح والدعوة والتوجيه. ولم يألم لحال قومه البؤساء المبتلَيْن بالبعد عن الجادة ولم يأس عليهم. فوجه متمعر في الله متهمم بأمر أمته ملتاع على حاضرها ومستقبلها مقبل على إصلاح شأنها مساهما في نهضتها ملبيا لواجب النصح والدعوة والخدمة خير عند الله تعالى من قاعس متخاذل، نكرة في أمته، سلبي العطاء، أناني الطلب، لما أقبل يصلح ذاته ويغير ما بها تناسى هم أمته تغافل عن دوره في مد يد العون للمجتمع الذي يتعافى كلما رفعته أياد حانية متهممة بأمتها ملتاعة لمصيرها. وقد جاء في حديث آخر:“…
فإن وجهه لم يتمعر فـِيَّ غضبا لمحارمي”. فأي المحارم أعظم عند الله تعالى من تقاعس متقاعس عن مد يد العون لفقير أردته الحتوف بئيسا حزينا الدهر، لا يرتوي من فتات الدنيا حينا إلا وتخاطب سواد قلبه جموع الكفر المتربص؟ أي المحارم أعظم من تخاذل من عافاه الله من كل بلية عن خذمة المرضى والهلكة من أبناء مجتمعه الذين هزتهم ملمات الدهر هزا وأطاح بمعاني الحياة مصابهم حتى كأنهم أشباح نتنفر من ذكرهم الناس، فكيف بالقرب منهم وخذمتهم؟
تغيير ما بالنفس يبدأ أولا بمقاومة القساوة القلبية وموت معاني الأخوة الإنسانية وتبلد الإحساس العاطفي عند جموع الناس المدعوين إلى المشاركة في التغيير والبناء، حتى تصل رحمة الله تعالى العالمين، تطل عليهم من قلوب حانية، عرفت الرحمة وتذوقت حلاوتها، وجسدت للعالم فروض الولاء للانتماء الانساني الذي يجمع كل الأجناس والأطياف والانتماءات في قرية العالم التي جعلت نزلا ومحطة تمر منها الانسانية ساعات أو سنون أو قرون.
حين تقر النفوس بحق الآخرين عليها، وتطلق عنان الاستجابة لفطرتها التي روضتها إرادة التغيير الصادقة عودة إلى سجيتها الرحيمة، لا شك تزهر بعد ذلك عطاء في المجتمع، وتثمر إيجابية تنتفع بها الإنسانية عامة، فيغذو التطوع أصلا بعد أن كان استثناء وتصير المبادرة والمشاركة الجماعية للشعوب قوة تعضد مساعي التغيير التي أزهر ربيعها في شعوب أمتنا العربية الاسلامية هذه الأيام.
أما منهج التغيير في التنمية البشرية فيشمل: البرمجة اللغوية العصبية؛ وهي من أهم ما يمكن أن يستفاد من التنمية البشرية من مجالات، كونها وضعت برامج دقيقة في تدريب النفس على اكتساب العادات الحسنة والتخلي عن العادات السيئة، ويشمل: الذكاء العاطفي، وهو محاولات عملية للسيطرة على انفعالات النفس الشعورية، انتقالاً للسيطرة على مشاعر الآخرين وفهمها والتعامل معها بأسلوب كسبي يجمع القلوب ولا يفرقها،
ويشمل: مخططات التغيير، ولا يخفى ما للتخطيط من دور مهم ورئيسي للوصول إلى الهدف المطلوب، لذا كان لمخططات تغيير النفس أثراً بارزاً وحاجة لا يستهان بها في تحقيق التغيير.
إن التغير الاجتماعي إنما يبدأ من الداخل، أي من النفس، وذلك بتغيير الأنماط العقائدية، والمعيارية، والقيميّة، والفكرية للإنسان؛ فإذا ما تغيّر ذلك، فإنه ينعكس على السلوك الخارجي للفرد والمجتمع على السواء
أما المُبررات التي من أجلها يتم التغيير فكثيرةٌ جداً، وتختلف باختلاف الحالات والظروف والزمان والمكان، إلا أن من أبرزها ما نُلاحظه ونراه ونسمعه ونتفق جميعاً عليه، ويتمثل في أننا نعلم أن هناك الكثير من الطاقات البشرية (المُهدرة) التي لم يُفد منها أصحابها، ولا المجتمع من حولهم لأنها طاقاتٌ مُعطلة وقدراتٌ غير مُفعّلة، وخير دليلٍ على ذلك تلك المواهب المدفونة عند الكثيرين في مختلف مجالات الحياة،
وتلك الأوقات الضائعة التي نهدرها جميعاً (إلا ما ندر) على مدار اليوم والليلة فيما لا فائدة فيه، ولا نفع منه سواءً أكان ذلك من الأقوال أو الأفعال. إضافةً إلى مشكلة الخضوع والاستسلام لمختلف لعادات والتقاليد الخاطئة في المجتمع، وعدم بذل أي محاولة إيجابية لتغييرها أو تعديلها أو تصحيحها أو التخلص منها.
