أشكال سرد الحداثة وما بعد الحداثة
أشكال سرد الحداثة وما بعد الحداثة (التجريب، سرديات الهامش، اللايقين السردي)
رواية (المتشائل) لإميل حبيبي نموذجاً
((الفترة التي تغطيها الرواية من عام النكبة 1948 وحتى ثلاثة عقود بعدها))
ما لا شكَّ فيه أن رواية (المتشائل) قد حققت سبقاً إعلامياً ونقدياً لم يُتح إلا للندرة النادرة من المسرودات العربية منذ نشرها عام 1974 وحتى اليوم، ولم يأتِ تصنيفها كأفضل رواية من مائة رواية عالمية عبثاً، بل لأسباب كثيرة تتعلق بموضوعة مناهضة الكيان الإسرائيلي وحواملها النضالية والعقائدية الوطنية والسياسية، وتتصل بفذاذة الأسلوب السردي وبجدَّة الشكل الفني المغامر، وهو لبُّ الموضوع. (الحداثة شكلاً ومضموناً ورؤيةً).
موجز عن الرواية
الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس/المتشائل (1974)
ترصد الرواية حياة الشعب الفلسطيني بعد نكبة 1948 في ظل الاحتلال الإسرائيلي، خلال العقود الثلاثة الأولى تحديداً، والشخصية المحورية فيها (سعيد أبي النحس) ترمز إلى الشعب الفلسطيني ومعاناته مع سياسة التهويد والتشريد وإلغاء الهوية وطمس التاريخ والثقافة والتراث العربي الفلسطيني. وكل أشكال الظلم والفقر والتجويع والاضطهاد التي تُمارس بحقه. وتفضح الرواية فكرة إمكانية التعايش مع الكيان الجائر فضحاً عقائدياً وفكرياً وإيديولوجياً تعرويَّاً يستحق الإشادة والفخر، سيما وأن الكاتب يحيا في الأراضي الفلسطينية (عرب الداخل)، حالهُ حال الشعب الفلسطيني الذي تمسَّك بالأرض وبالوطن وتحمَّل كل شيء في سبيل التجذر فيه، ومن هنا استمدت الرواية حظاً كبيراً من الإجلال والإكبار؛ فهي حالة نضالية تعانقَ فيها الصدق الواقعي مع فنيَّات الكتابة المعاصرة في أحدث تمَظهُراتها.
ملامح التجريب في رواية (المتشائل)
اعتبرَها سميح القاسم (إلياذة فلسطينية)، ورأى فيها كثيرون رواية ملحمية، وخلقت (أزمة تجنيس)؛ فلا هي بالقصة القصيرة ولا هي بالرواية ذات الأسس والقواعد الفنية المعروفة.
ولكي نقف على جوهر المغامرة السردية في الرواية، والتي منحتها سمة التجريبية والحداثوية بامتياز، لا بد من تحديد مفهوم الحداثة وما بعدها في الأدب.
انتفى وجود تعريف نموذجي للحداثة، يقوم مقام المرجع، لأنها «سيرورة من التحولات والتجديدات ذات طابع لا تاريخي نسبي، والحداثةُ في الرواية هيَ النزوع المتواصل نحو التدمير الشكلي الأقصى، حيث يستبدل النصُّ الروائيُّ الحديثُ العالمَ الذي تحكمه القوانين والمعيارية والشمولية بعالم يفتقر إلى مركز للتوجيه، ويخضع إلى مراجعة دائمة لليقينيات التي ضربت طوقها المحكم على رقبة الإبداع الروائي لعقود طويلة.
ومن أهم ملامح السردية الحداثية:
• شعريَّة العنوان.
• التحرر من أُحادية الصوت المهيمن على منظومة السرد.
• تفتيت المكان الروائي.
• تحطيم مفهوم الشخصية الروائية باللا شخصية.
• كسر خطيَّة الزمن الحكائي، لصالح نسق الَّلعب الزماني.
• النزوع إلى الغرائبية.
• الارتهان إلى التعدد الخطابي والأسلوبي.
• استلهام تقنيات المسرح، والسينما، والصحافة، والأنواع الفنية الأخرى.
• مُباغتة المتلقي، وجعلهِ طرفاً في العالم التخييلي. (التفاعلية)
ومن هنا يمكن القول: إن الرواية الحديثة – «هي رواية الحرية، إذ تؤسس قوانينها الذاتية، وتنظِّر لسلطة الخيال، وتتبنى قانون التجاوز المستمر، ولذلك ترفض أية سلطة خارج النص، وتخوّن أية تجربة خارج التجربة الذاتية، فالنص الروائي يجب أن يعبِّر عن الحداثة بالمكونات الداخل نصية، وليس بواسطة المكونات الخارج نصية، ولذلك لا يمكن للحداثة الروائية أن تتحول إلى شيء جاهز، أو إلى وصفات يمكن الاسترشاد بها، لأن لكل نص روائي مظاهر حداثته المؤسس عليها، ولكل روائي مفهومه الخاص للحداثة، وآليات تجسيدها إبداعياً.
وأولى ملامح التجريب الشكلاني تجلَّت في كون (المتشائل) نصاً إبداعياً تسوده روح الحس الجماعي في الكتابة، ويُشاكل التراث العربي ومسروداته الأنيقة الملحمية من حيث تقسيم الرواية إلى ثلاثة كتب، تركَ فيها الكاتب الأحداث تتطور وتتنامى بنفسها، وحشدَ فيها طاقات ثقافية هائلة ومعاناة كبيرة وفن رفيع الطراز. وبرزت فيها تجليات البناء السردي المحدَّث من خلال عدة مؤشِّرات أبرزها:
غرائبيَّة وفرَادة العنوان والمسميَّات الفرعية
(الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس) المتشائل:
فـ (الوقائع) جمع للواقعة أو للحدث أو للواقع، وبالتالي نتلقَّفها بالحواس وبالعقل، و(الغريبة) من الغرابة، التي لا تخضع إلى الحواس وإلى العقل والمنطق، بل مردُّها إلى الميتافيزيقيات والغوامض والفانتازيَّات.
و(سعيد) هو نقيض (أبي النحس)!
و(المُتشائل) لفظة مشتقة من التفاؤل والتشاؤم، يسجَّل للروائي الأسبقية في ابتكارها.
ومن حيث المدلول، فالوقائع هي ما جرى مع بطل الرواية سعيد من أحداث صادفته في حياته.
والغريبة تتمثل في شخصية رجل الفضاء في الرواية، (أو في الحلول الخيالية المتوهَّمة) لمشكلة الشعب الفلسطيني مع الاحتلال، وفي بعض الأحداث المتناقضة تناقضاً لا يحط من قيمة العمل الفنية بل يرتقي بها إلى أعلى الدرجات.
وسعيد (بطل الرواية) هو شخص متعاطف مع الناس ومتعاون حتى مع سلطات الاحتلال (مُكرهاً) لضمان بقائه في وطنه وتسليك مصالحه، فهو صاحب حظوة عندهم.
وأبي النحس: طفرة تسمويَّة تشير إلى قيود الماضي العربي العتيق التي رأت في تغيرات الشروط الاجتماعية سبباً لضررها، كما تشير على الصعيد الشخصي إلى عدم رضا البطل عن تحولات حياته ومحاباته للمستعمر.
والاختفاء: هو لفظة رامزة إلى التناقض بين شقّي الاسم: (سعيد) و(النحس)، والتناقض بين الواقع والحلم
ازدواجية الشخصيات، وسيادة البطولة السلبية
فشخصية البطل (سعيد أبي النحس) شخصية مركَّبة، تتَّسم بأنها ثابتة ونامية في آنٍ معاً، وهذا تجديد في الرؤية والطرح لأبطال الروايات العربية الذين يلتزمون في العادة جانباً واحداً، سلبياً أو إيجابياً أو محايداً.
وتأتي الازدواجية من الرسم الكاريكاتوري الساخر للبطل، فهو: غبي/ذكي، مثقف/جاهل، وطني/عميل، مُقدم/مُحجم، ورغم ذلك نجدها شخصية مقنعة، تعكس حال المثقف التنويري الرازح تحت طغيان الاحتلال، حيث لا تفيده تنويريَّته في شيء إلا في الرضوخ للقمع بانتظار الأمل القادم بالتحرر.
والبطل السلبي هو النموذج السائد في الروايات الما بعد حداثية كما أوردنا سابقاً.
ورأى النقاد أن شخصية البطل (سعيد) ليست واقعية، بل ترتقي فوق الواقع بسبب عبقرية خيال المؤلف، حيث يجد كل قارئ صورة منه فيها، فهي شخصية توليفية، ثرية، مبتكرة تجريبية.
فشخصيته شخصية مركبة (مناضل وطني، وعميل متخاذل، ثنائية: الاستقواء والجبن)
وهناك الرجل الطويل ذو القامة القصيرة... (متنفِّذ إسرائيلي يظلم الفلسطينيين ويخاف منهم، ثنائية: الاستقواء والجبن)
يُعاد: رمز للفلسطينيين العائدين، لكنها تغادر ولا تعود (ثنائية الأمل والهزيمة)
باقية: رمز للعرب الباقين، لكنها تختفي ولا تظهر من جديد (ثنائية البقاء والاختفاء)
فتحي: الذي يتغير اسمه إلى (ولاء)، يشير إلى محاباة حركة (فتح) للكيان الإسرائيلي (ثنائية المقاومة والخنوع)
وهكذا تتعدد الشخصيات التي باطنُها شيء وظاهرها شيء مناقض، في تركيبة عجيبة تسخر من الواقع السياسي برمَّته، ومن الدَّرك الذي آل إليه الفلسطينيون!
نستشهد بهذا المقطع الذي يُبرز تذبذب الحالة المصيرية لدى كل عرب الداخل في فلسطين من خلال شخصية سعيد التعميمية:
(عشتُ في الدار الخارجة، خارج الدياميس، عشرين عاماً وأنا أريد أن أتنفس فأعجز كالغريق عن التنفس، ولكنني لا أموت.
وأريد أن أنطلق فأعجز كالسجين عن الانطلاق، ولكنني أبقى حراً)
كتابة الشخصيات الروائية من الداخل
نجد (إميل حبيبي) في (متشائله) يتغلغل إلى أعماق الشخصية ويضيء جوانبها المختلفة وفق رؤيته للأحداث، ووفق منطق فني مقنع، ويرصد انفعالاتها: الأحلام والاعترافات، والهواجس النفسية، والأشواق التي تتصارع في وعي الشخصيات بالتلميح وليس بالتصريح. كقول البطل في محاولته تبريرَ سبب تذبذبه بين قطبي التفاؤل والتشاؤم:
"فأسأل نفسي، من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمدهُ على أنه لم يقبضني في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي، أحمدهُ على أن الأكرهَ منه لم يقع، فأيهما أنا؟ المتشائل أم المتفائل؟"
ونأخذ مثالاً شخصية (الرجل الكبير ذو القامة القصيرة) التي لا اسم واضح لصاحبها، إنه متنفِّذ إسرائيلي، تعكس تصرفاته وهواجسه مدى قمعهِ للفلسطينيين، وفي ذات الوقت عدم قدرته على قتل روح النضال والتشبث بالوطن لديهم.
التوسُّع والتفنُّن في التوظيف المدلولي والترميزي لأسماء الأشخاص والأماكن
وظَّف الراوي أسماء العلم توظيفاً ناجزاً وحداثوياً في رواية (المتشائل)، بحيث أغناهُ اختيار الأسماء والألقاب عن الوصف الجسدي والحسيّ للأبطال الفرعيين، والهدف من ذلك تعميم هذه الشخصيات كنماذج إنسانية تدل على الجماعة أكثر مما تدل على الأفراد. ومن أمثلة ذلك:
(الرجل الطويل ذو القامة القصيرة): رمز لجهاز المخابر ات الإسرائيلي العام، فهو جهاز كبير، لكنه قصير الباع في التعامل مع المشاكل والتحديات التي يواجهها مع الفلسطينيين.
(يُعاد) رمز للمرأة الفلسطينية المبعدة خارج فلسطين (عرب الشِّتات) التي تتمسك بحلم العودة وتناضل من أجله، ويُلفت النظر بناء الصيغة الإسمية للمجهول كناية عن عدم تحديد وتبلور الجيل الفلسطيني الصاعد الذي سيحرر فلسطين.
(باقية) رمز للمرأة الفلسطينية التي لم تهاجر، وفضلت تحمل كل أنواع الضغوط من سلطة الاحتلال على الهجرة.
(ولاء) ابن (سعيد): الذي أرادَ له الاحتلال أن يكون موالياً له، فتحوَّل إلى صف الفدائيين.
(الرجل ذو القامة الفارعة، والعباءة الملكية الأرجوانية): كناية عن الفدائي السجين.
وثمة رمزية (دياميس عكا) وسواها من الأسماء غير الحقيقية التي خلعها الكاتب على الأمكنة والأشخاص، لا يتسع المقام لذكرها.
الحداثة في التعامل مع الزمان والمكان
انتفى في (المتشائل) مفهوما الزمان والمكان التقليديان، وحلَّ محلَّهما الزمن المنعكس في الوعي، وتصوير الأحداث النفسية والأحاسيس القوية بدلاً من الأحداث الخارجية. فعكست (المتشائل) الزمن وفق تيار الوعي الذي لا يعنيه تسلسل الأحداث وترابطها التقليدي، بل انعكاس الوقائع على الوعي الذي مزجَ فيه المؤلف مفهومي الزمان والمكان، ومزجَ الماضي بالحاضر، فزمن المؤلف المبتكر هو زمن ذاتي خاص ببطل الرواية، متداخل، متخبط، ليس تياراً تجري فيه الموجة إثر الموجة، بل عاصفة تجتاح العمل الروائي.
مثال على التناول الحداثي الاسترجاعي للزمان، بهدف تفسير الحاضر والحثّ على تنضيجهِ وتثميره لصالح تحرير فلسطين:
التداعي بالزمن إلى الوراء: بالعودة إلى تاريخ عكا الماجد، والحروب الصليبية المندحرة، وعهد الانتداب البريطاني الآفل، وربط التعبير عن الحاضر بالتعبير عن الماضي، حتى على مستوى الإبداع، بالعودة إلى الجاحظ وأمجادهِ السردية، وإبداعاتهِ الفكرية القيِّمة، و(رحلة ابن جُبير) وسواها.. من متعلِّقات التراث الإسلامي الجميل، وهناك أمثلة معكوسة لاستدعاء الحاضر إلى الماضي (الهجرة الزمنية المضادَّة)، بهدف الحوكمة وتمثُّل العِبَر الوطنية والتاريخية والقيمية.
نموذجٌ عن تماهي الحاضر بالماضي، واتّحادهما في لاوعي الكاتب:
حادثة تحقيق مدير المدرسة في غراميَّات سعيد مع الطالبة يُعاد، وقد وشى بهما طلاب المدرسة، فعكَّا مدينة محافظة... وهنا (يعقِّب الكاتب مستعيداً أمجاد عكا):
"فتذكرتُ المغفور له الرحالة أبا الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الأندلسي، الشاطبي، البلنسي، الذي باتَ ليلتين في خان عكاوي، في زمن صلاح الدين، فكتبَ عنها أنها تستعر كفراً وطغياناً، وأنها مملوءة كلها رجساً وعذرة...إلخ"
والمكان في الرواية ليس بقعة جغرافية محددة، بل لها دلالتها الرحبة التي تشمل الأرض، الناس، التقاليد، الآمال والمصائر.
فالمكان مفهوم زاخر بالحركة يؤثر ويتأثر، والكاتب ينظر إلى المكان من حيث تأثيره في المتلقي. فالمكان في (المتشائل) هو مستودع الذاكرة الجماعية، وقد صنعَ الكاتب نصباً تذكارياً لمدن وقرى فلسطين المندثرة والباقية عندما أكثرَ من ذكرها.
والمكان عنده ليس ميتاً بل زاخراً بالذكريات والحركة الاسترجاعية الإحيائية، وهذا ملمح فني حداثي في رسم المكان.
ومن أمثلة ذلك العناية بالتفاصيل وبالدقائق الجغرافية والبيئية والمعمارية والتراثية وظلالها الوجدانية والنفسية، كما في وصف الروائي لـ (دياميس عكا) و(نهر الزرقاء) و بيتهِ القديم، ومشهد دخول البطل إلى جامع الجزَّار وقد امتلأ بالمهاجرين، والكل يسأل عن قريته التي تركها.
يقول في وصف قرية جسر الزرقاء:
"وأمر هذه القرية أمر عجيب، فكيف صمدت لدواهي الحرب والترحيل، مع أختها فريديس، الفردوس، المجاورة؟ لما قبضَ الريح بقية القرى العربية على الساحل ما بين حيفا وتل أبيب ــــ الطيرة، وأجزم، وعين غزال والطنطورة وعين حوض وأم الزينات، وهي أعمق منها جذراً وأصلب عوداً؟"
الطبيعة الازدواجية المُخاتلة للسرد وللحوار (إيحائيَّة وإلهاميَّة السرد والحوار)
تناوبت في رواية (المتشائل) تقنيتان سرديتان هما: عرض الرسائل التي يتلقاها الراوي من المؤلف الأصلي المزعوم (السرد)، والتعليق عليها (عرض). واختلاط السرد بالعرض ميَّز الرواية بالطابع التجريبي، الما بعد حداثي. وقد استخدمَ الكاتب عدة أساليب فنية في سرده (التذكر، الاسترجاع، المقابلة، النجوى...)، وجاءَ الإيحاء اللفظي قوياً جداً بحيث أن كل عبارة حملت معها في الغالب معنىً جديداً ، فوجبَ على القارئ التيقظ والتنبُّه إلى سياقات الكلام، وعدم استسهال الأسلوب اللغوي الذي يبدو للوهلة الأولى بسيطاً، ولكنه يغدو مخادعاً مزدوج المعاني والوظائف الدلالية حتى لكأنك تقرأ قصيدة شعرية ما بعد حداثية!
ويغلب على النثر في الرواية الطابع البلاغي الذي لا يُعيق تدفُّق الحدث لأنه قائم على مشهديات ولوحات متتابعة، وليس على أساس الحدث الواحد والحركة الواحدة. ويغلب على اللغة الكلمة الموحية والرؤية المكثفة واستعمال الرمز، وهي لغة شعرية حداثية كسرت قواعد اللغة الروائية. العبارات قصيرة متلاحقة، غنية بالاقتباسات الشعرية والنثرية، والأسلوب فيه مزجٌ متفوق بين سمتيّ الأصالة والمعاصرة، إنه أسلوب سردي لغوي غير جامد، بل مرتبط بالتراث الشعبي وبالحس الجماهيري، مُستوحى من المدوَّنات البلاغية العربية الكبرى (ألف ليلة وليلة)، بل فيه ما فيها من استخدام مكثف لضروب البلاغة وعلم البديع مثل: (الجناس والطباق والكنايات، والتشابيه ...)
ومن أمثلة الجناسات الكثيرة التي لا تكاد تغادر فقرة من فقرات الرواية إلا وتتبعها أخرى:
"عادَ معلِّمي واتكأَ حيث كنتُ متكئاً على المزولة، وقد زاولَني القلق"
"مع أن شعبي كلَّه يهيمُ على وجهه مشرداً ، فإذا لم يَهمْ، هيَّموه"
ومن أمثلة الأسلوب السردي التراثي:
"هبطتُّ الهوينا درجات الباب الشمالي، فملأتُ طاسة ماء من سبيل الطاسات، فارتويتُ وترحَّمت على أحمد الجزَّار، ثم سرتُ في سبيلي، فإذا أمامي الطريق العريض حيث المسار شمالاً، إلى رأس الناقورة، فلبنان، ... فركبنا سيارة الأجرة حتى قبيل رأس الناقورة، ثم انحرفنا يميناً سيراً على الأقدام بين كروم العنب، فهبطنا وادياً عميقاً، فأظلمت السماء، فلما أخذنا نصعد على كتفه المقابل، أنهكَنا التعب وألهبَنا العطش، فاستحثَّني الآخران، فبكيت..."
وتُنبئ الرواية بمقدرة الكاتب على صوغ حوار مقتضب مكثَّف قصير العبارات مُتلاحقِها، يشكِّل نمطاً حديثاً متأنياً في تصوير وإخراج المواقف الدرامية المتصارعة. ونسوق مثالاً هذا الحوار بين البطل "سعيد" وبين رجل المخابرات الإسرائيلي الذي يعكسُ العقائد والتوجُّسات لدى كل منهما:
ـــ بأي شيء تعاقبون العرب المذنبين يا سيدي؟
قال: هذا هو ما يحيِّرنا. ولذلك قال الوزير إن احتلالنا هو أرحم احتلال ظهرَ على وجه الأرض منذ تحرر الجنة من احتلال آدم وحواء.
خُذ لك مثلاً عقاب الإبعاد إلى ما وراء النهر، فنحن ننزلهُ بهم وهم خارج السجن، فإذا دخلوا السجن ثبتوا فيه ثبات الاحتلال الإنجليزي.
قلت: ما شاء الله!
قال: ونهدم بيوتهم خارج السجن، أما في داخلها فيعمِّرون وينشئون.
قلت: ما شاء الله! ولكن ماذا يعمِّرون؟
قال: سجوناً جديدة، وزنازين جديدة في السجون القديمة..."
التنوع في أساليب السرد: ما بين ضمائر المتكلم، المخاطب، الغائب
كقول الكاتب:
"وحين اجتمعتُ بأقراني لنعلن إضراباً، قالوا لي: احترسْ بكلامك. وكنتُ أدندنُ في الحمام، فصاحَ بي أبي: إنَّ للجدران أذناً، فاحترسْ بكلامك!
أريدُ ألا أحترس بكلامي مرة واحدة!"
وتكثر الأمثلة على تنوُّعات السياق السردي وتلاقُحاته وتعدديَّته، بما يُغني النص بالإثارة وبالإدهاش!
الاستنباط اللغوي الرشيق
إنَّه من أجمل سمات لغة رواية (المتشائل)، فقد استطاع المؤلف تطوير القاموس الأدبي العربي، وذلك باشتقاق و(نحت) بعض المسمَّيات والمفردات التي وظَّف من خلالها التراث توظيفاً عصرياً يُلائم تطور قضايا المجتمع العربي والإنسان المعاصر.
ولنا في إيراد هذه الألفاظ الاشتقاقية خير مثال، ما أضفى روح السخرية والتهكم والظرافة على أجواء الرواية:
شكسَبرني جعلني مثل شكسبير
استبطخنا أكلنا البطيخ
الببرسة نسبة إلى بيبرس المملوكي
القطَّارين من يركبون القطار
نابليونية نسبة إلى نابليون
العكيُّون أهل عكا
الحيافِنَة أهل حيفا
أُمشئِلُ أقول: ما شاء الله!
اليَعاقبة نسل يعقوب
الفَرادِسة: أهل قرية الفردوس
علاوةً على ذلك، فقد طعَّم الكاتب لغة الرواية بأسماء وبكلمات عبريَّة، أضفتْ صدقاً واقعياً
وإثارةً ذهنيةً على مسرودهِ الجميل. وهذا من ضروب التحديث الأسلوبي.
فالكاتب يضمّ أحياناً إلى لغته بعض كلمات عبريَّة، وهذا له ما يبررهُ داخل النسيج الروائي، ومن الأمثلة:
(أدون) ومعناها: (السيد)
(كيبوتسات) ومعناها: (القرى الزراعية)
(مدينا) ومعناها: (دولة)
(قادش) ومعناها: (مقدسة)
(ما هشاعا) ومعناها: (كم الساعة؟)
استلهام التراث العالمي كما العربي
تأثَّر الروائي (إميل حبيبي) تأثراً واضحاً بأمهات الإبداع الغربي وروائعه ومنها رواية (كنديد) لـ (فولتير)، حيث ربطَ بين شخصية البطلين (سعيد) الفلسطيني
و(كنديد) في تحولات الوعي والشخصية والمصير. كما برزَ التأثر الواضح بـ (الكوميديا الإلهية) لدانتي، وبكتاب (الفتوحات المكيَّة) لمحي الدين بن عربي، وبقصة (الإسراء والمعراج) القرآنية. ولا مجال هنا لإيراد التقابل والمقاربات بين أحداث (المتشائل) ومُشابهاتها في الروايات والمسرودات الأخرى كلها، ونكتفي باستحضار مثاليْن تتلاقى فيهما (المتشائل) مع (كنديد):
من أوجُه المقاربة بين الروايتين وحدة موقفهما من إدانة الظلم والديكتاتورية والاستعباد. في كنديد إدانة للنظام الإقطاعي القمعي والجائر بحق الفلاحين، وفي المتشائل إدانة لاستعباد اليهود للعرب وإذلالهم.
وفي كنديد يهاجم بضعة رجال البطل لأنه يتنزَّه على قدميه، وفي المتشائل يهاجم الإسرائيليون بضعة أطفال لأنهم يتنزهون على شاطئ بحر!
التجديد على الصعيد الرمزي
من سمات التجديد في الرمز في رواية (المتشائل) أنه يحقق تواصلاً جيداً بين المبدع والمتلقي، فلا يتمنَّع الرمز بمدلوله وغايته عن القارئ، فوسائلهُ واضحة لدى الطرفين. ولكن الجديد في رمزيات (المتشائل) هي أنها حملت بين طياتها أكثر من دلالة وتأويل، وهنا برزت عبقرية المؤلف وابتكاراته غير المسبوقة في التعاطي مع الرمز وإيحاءاته.
وللترميز تجلِّيان في رواية (المتشائل): الترميز بالأسماء، والترميز بالأحداث.
وقد سبق وأوردنا أعلاه أمثلة على الترميز باستخدام الأسماء، أما الأحداث فقد تناولها الراوي بأسلوب ابتكاري ذي مغازٍ متنوعة، بحيث لا يمكن للمتلقِّين الاتفاق على مدلول واحد لها، ومن أمثلة تعدُّدية المغزى الترميزي في الحدث الروائي والوقائع الموصوفة: مشهد جلوس البطل سعيد على الخازوق في ختام الرواية:
ويتخذ الكاتب من الشخصية فوق الخازوق، رمزاً لوضع سعيد في الحياة، فهو يجلس على خازوق ينحني به إلى الأمام وإلى الخلف، ما يعادل التوتر والقلق، وقد جسَّد الكاتب هزيمة يونيو على شكل خازوق بلا رأس، يثير في نفس الراوي النفور والقلق، موحياً بالوحشة وكآبة الظلمة. ومثلما أحاطت الهزيمة واقعنا بالكآبة والنظرة القاتمة، كذلك كان الرمز مجسداً لما في النفس من شعور بالإحباط واليأس بعد هزيمة يونيو، حيث يجلس سعيد على هذا الخازوق، وقد تدلَّى برجليه (كما تدلَّى الليف في الخريف)، وهذا رمز الرعب الرهيب الذي يعيشه الكاتب، بحيث لا يعرف ما النهاية؟ كما أن غرابة الرمز في المشهد حالة مركبة من الغربة والاغتراب، غربة الإنسان نفسه، واغترابه عن الواقع، وهي بذلك غرائبية معقدة تكشف في جوهرها عن وقوع الحواس المتيقظة تحت تأثير المشاعر الضاغطة، بحيث يتَّجه الروائي إلى التعبير عما يعتمل في مكنونه النفسي من خلال استخدام اللاوعي في السرد، بسبب قسوة المؤثرات الواقعية وآلامها.
ومثال آخر على (اللايقين الرمزي) ـــ إن جازَ لنا تسميتهُ بهذا الاسم ــــ مدلوليَّة (رجل الفضاء)/ البطل المُوازي لسعيد، التي لم يتَّفق عليها النقاد والقراء حتى الآن، واحتاروا في تأويلها.. هل (الفضائيون) رمز لـ (الفدائيين الفلسطينيين) الذين تكمن حلول التحرير في تضحياتهم؟ أم يرمز (رجل الفضاء) إلى الهروب من قسوة واقع الاحتلال إلى رحابة الحلم، والاستعاضة بالتخيُّل وبالحلول الفانتازية عن إفلاس الحلول الواقعية؟ أم... أم..
الاتكاء على السخرية والفكاهة والنقد والجرأة، والإسراف فيها
أتخمَ الكاتب روايتهُ بأفانين السخرية وبتفرُّعاتها... التي تؤسس لروح النقد الجريء ولرفع سقف الرقابة على الإبداع الملتزم المقاوم، وحقَّق من خلال هذا السلوك سبقاً روائياً نهضوياً كفاحياً قلَّ نظيرهُ بين الروايات العربية التي حوَّلت القلم إلى سُلطة عُليا تُحاكم المستعمر وتفضَح غشامته، رغم أن الكاتب يقطن داخل الأراضي المحتلة.
ونسوق بعض أمثلة:
"كان العرب حين يفكرون ـــــ قال الأستاذ المغضوب عليه ـــــ يعملون ثم يحلمون، لا كما يفعلون الآن، يحلمون ثم يظلون يحلمون"/سخرية من الواقع العربي الراكد حضارياً
"فطردَنا من مكتبه، وكتبَ إلى أهلها، فأرسلوا مَن ضربني في المحطة، فازددتُ هياماً بها، فضربتُ زميلي الذي وشى بنا، فوقعنا من القطار على رملِ الشاطئ فلم نتأذَّ، وعُدنا إلى حيفا مشياً على الأقدام بعد أن اغتسلنا في البحر..."/فكاهة وتندُّر
"فقال يعقوب: هذا رجل كبير، وجاءَ ليُحادثكَ على انفراد، فلا تُخفِ عنه شيئاً"
وتركَنا وحدنا
فما أنْ أطبقَ علينا الباب، حتى انتفضَ الرجل الكبير واقفاً، فلم يزددْ طولُه سوى شبر"/سخرية من رجل المخابرات الإسرائيلي الذي لا يزيدهُ منصبه قيمةً.
وحينما يتَّهم يعقوب الشيوعيين بتحريض الفلسطينيين على الإضراب، وبأنهم يُفهمونهم أن اللغم الذي انفجر بالأولاد الفلسطينيين وأمهاتهم هو لغم إسرائيلي، ويريد يعقوب نفي هذه التهمة عن الإسرائيليين، يقول:
"بما أن جمعيَّتنا، اتحاد عمال فلسطين، هي منظمة ديموقراطية، في دولة ديموقراطية، فأنتم أحرار في أن تعلنوا أن اللغم هو من بقايا الإنكليز، أو أن اللغم هو من بقايا العرب"/سخرية من انتفاء الحريات في دولة الكيان
"أو أن أهبَّ مع الفجر، فأنطلق إلى هؤلاء، الواقعين في براثن المقاول، فأنقذهم من براثن الشيوعيين، كما أنقذتْ عجائزُ النصارى لحية الخوري من المَعط وهو قائم فوق المحراب يصلي"/ جرأة دينية، وتسمية الأشياء بمسمياتها ورفع سقف الرقابة
المتشائل واللايقين السردي
وفقَ توصيفنا السابق لمفهوم اللايقين السردي، يمكننا إدراج (متشائل) إميل حبيبي في خانة أبرز الإبداعات السردية التي تنتفي معها القدرة على التجنيس الأدبي والفصل بين تخوم الفنون الأدبية بعناصرها ومكوناتها وركائزها المحددة في القاموس النقدي الأكاديمي. إنها رواية (شعرية) بامتياز، تكرِّس مفهوم (القصة الشاعرة) و(الرواية الشاعرة) بسبب لغتها المكثفة الموحية الزاخرة والمشبعة بروح البلاغة وجمالياتها، وفيها تطعيم بالحوار المسرحي، وتأثر بارز بالإثارة وبالأكشن (الأحداث المتتابعة) التي تحبس الأنفاس على غرار الأفلام السينمائية، ونلمس فيها أساليبها كالخطف خلفاً على المستوى الحدثي والزماني والمكاني والتحولات المصيرية للبطل الأساسي، وكل حدث فيها مبني على حبكة، فهي مجموعة قصصية باذخة بالجمال والأناقة الفكرية والثقافية واللغوية الأسلوبية، وهي مجموعة قصائد شعرية تُحاكي القصيدة الحداثية بتدفقاتها الوجدانية والترميزية، وهي الفن السينمائي الحاضر بمشهدياته البصرية الواقعية والميتافيزيقية المُلهمة والمحفِّزة على التصور والتأمل، وهي قصيدة الومضة وقصة الومضة، المؤسِّسة للسخرية وللنقد البنَّاءين.
فالنسيج اللغوي السردي بالمحصلة يصعبُ تجنيسهُ والتيقُّن من هويته، وهو لو لم يَطُل قليلاً لما كان بإمكاننا أن ننسبهُ في النهاية إلى فن الرواية القصيرة. بل إنه يقف بين تخوم القصة الطويلة والرواية القصيرة، ويشكِّل خلطة متجانسة فنياً من كل الفنون الكتابية.
وتطعيمُ السرد بالأبيات وبالمقطوعات الشعرية دليلٌ على دمج الأجناس، مثال:
"والبروة هذه هي قرية الشاع الذي قال، بعد 15 سنة:
أهنئُ الجلادَ منتصراً على عينٍ كحيلة
مرحى لفاتحِ قريةٍ، مرحى لسفَّاحِ الطفولة
ومثلها تصديرُ الرواية بمقطع لمَّاح من قصيدة سميح القاسم (قرآنُ الموت والياسمين)
سرديَّات الهامش
لقد سدَّد (إميل حبيبي) كُراتهِ في مرمى المهمَّشين وشخصيات القاع الاجتماعي، وأحرزَ لهم أهدافاً قوية في مرمى الإشهار والانتصار لقضاياهم الوطنية والنضالية والإنسانية، فلا نجد احتفاءً إلا بفئة مشرَّدي الشعب الفلسطيني خارج حدود الوطن المحتل، وداخله في القرى والبلدات والمدن والمزارع التي ترزح تحت وطأة الفقر المدقع والإذلال والتهويد والتجويع وهدم البيوت ومصادرة الأملاك، فـ (المتشائل) انتصار للذات الفلسطينية المشيَّئة ولنماذج المغلوبين على أمرهم، بدءاً من بطل القصة سعيد وزوجتيه وابنته وابنه والفدائيين المسجونين والملاحقين والمحاصرين، والفلاحين وصغار الكسبة، الذين أعاد الراوي الاعتبار لهم بإبراز معاناتهم بصدق وبعمق، وأقامَ جسراً قوياً من التعاطف مع قضاياهم حاضراً وماضياً بأقوى الحجج والأساليب والبراهين، وبأنضج شكل فنِّي كتابي مُستحدث تعرَّفْنا في الأسطر السابقة على سَيمائه وملامحه الحداثية وما بعد الحداثية.
مصادر البحث:
(باسم علي خريسان) بعد الحداثة - دراسة في المشروع الثقافي الغربي- دار الفكر، دمشق سوريا، ط أولى 2006
(سبيلا محمد)، الحداثة وما بعد الحداثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب، ط2 2007
د (مرشد أحمد)، الحدثة السردية ــ ملحق الثورة الثقافي ــ 2/3/2010
د (أسامة محمد البحيري) الحداثة وما بعد الحداثة في الرواية العربية المعاصرة
(أبو بكر عبد الرزاق محمد) ــ الطابع ما بعد الحداثي للرواية ما بعد الكولونيالية، رواية موسم الهجرة إلى الشمال نموذجاً
(برادة. صلاح) ـــ "الرواية العربية ورهان التجديد" ــ دبي: دار صدى للصحافة والنشر والتوزيع، 2011
د. (هويدا صالح) ــ الهامش الاجتماعي في الأدب، قراءة سوسيوثقافية - دار رؤية للنشر والتوزيع بالقاهرة ـ 2015
(فيصل غازي النعيمي) ــــ اللايقين السردي وتقويض المركزيات في رواية «بوز الكلب»
شعريَّة القصة وموقعها في نظريات السرد ـــ مقال ـــ ملحق الخليج الثقافي ــ اسم الكاتب مغفل
سعيد يقطين (مقال)
ما بعد السرديات: المرحلة الوسطى
موقع (لكم) من هنا تبدأ الحرية
رواية (المتشائل) لإميل حبيبي+ مقالة د. محمد بكر البوجي/ موقع دنيا الوطن
