الاثنين ٢٣ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

أحلام في حصالة

كان المسكن الذي يعيش فيه مالك صغيرا للغاية، سقفه مثقوب، جدرانه متهالكة تفرض على أشعة الشمس الإنحناء للدخول،...كل ركن فيه يشهد مدى صموده سنوات القصف، أثاث مهترئ، فرش بالية، أواني صدئة.....

كلما نظر مالك إلى كل هذا يطلق تنهيدة بريئة براءة سنه ثم يحول بصره إلى ذلك الرف الصغير الذي علقه في زاوية و الذي يضع فيه حصالته التي تحمل أحلامه....حصالة مصنوعة من الفخار يودع فيها بيتا واسعا مرتبا، ملابسة لائقة،....دراجة جميلة...و الأهم من كل ذلك...تأمين دواء والده المصاب في القصف.

كان يعمل بجد ليساعد سكان الحي، يحمل ركام الأحجار الكبيرة بحثا عن بقايا أهاليهم أو أشياء لها قيمة.... يملأ دلاء الماء من الصنبور العمومي و يحملها إلى بيوتهم حتى تتورم يداه الصغيرتان مقابل مبلغ زهيد، كانت الدلاء ثقيلة و المسافات طويلة، لكن كل قطعة نقدية يحصل عليها كانت تعني خطوة جديدة نحو حلمه الكبير.

كل مساء يفتح كفه الصغير و ينظر إلى القطعة النقدية التي كسبها ثم يضعها في الحصالة، و عندما يسمع رنينها يبتسم و يهمس : *اقترب البيت الكبير *.

و في أحد الأيام، عاد مالك إلى البيت مبكرا، دخل الغرفة فتوقف فجأة.

كانت الحصالة مكسورة على الحصير و القطع النقدية متناثرة.

نظرت إليه والدته نظرة حزم ممزوج بخجل و هي تجمع النقود بيدين مرتجفتين،... قالت بحزن:

* والدك في حالة حرجة....و نحن بحاجة هذا المال لشراء الدواء *

تجمد مالك في مكانه، نظر إلى الحصالة المكسورة طويلا و كأن جزء من حلمه انكسر معها.

شعر بوخزة صغيرة في قلبه، لكنه لم يقل شيئا.

جمعت الأم النقود بسرعة، و خرجت لتأمين الدواء.

بقي مالك وحده في الغرفة.

جلس أمام بقايا حصالته، مرر أصابعه على شقوقها، تذكر كل يوم حمل فيه حجرا أو دلو ماء، و كل قطعة نقدية وضعها فيها، و كل حلم خبأه داخلها.

تنهد قليلا.... ثم ابتسم ابتسامة هادئة و قال في نفسه:

*لا بأس...عليّ الآن أن أدخر مالا لأشتري حصالة جديدة...*

في تلك اللحظة، لم يكن يفكر في البيت الكبير و لا الدراجة الجميلة...بل كان يفكر في أن الأحلام الحقيقية لا تنكسر بانكسار الحصالات.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى