يا أمّهاتِ العهد
ترنيمة للولد الذي تأخّر عند الباب
يا أمّهاتِ العهد،
أعرنني خيطاً أزرقَ
من أطرافِ أثوابكنّ،
أربطُه حولَ معصمي
كي لا أضيعَ
حين تنطفئُ أسماءُ الشوارع.
يا أمّهاتِ العهد،
أشعلنَ في النافذةِ ضوءاً صغيراً.
لا أريدُ معجزةً كبيرة،
يكفيني أن أعرفَ
أنّ أحداً لم ينم
قبل أن أعود.
أنا الولدُ الذي تأخّرَ عند الباب،
يحملُ المطرَ في حذائه،
والليلَ في جيبه،
وقلباً لم يعرفْ
أهو عصفورٌ
أم بيتٌ احترقَ وبقي واقفاً.
يا أمّهاتِ العهد، لا تسألنني:
أين كنتَ؟
مَن أحببتَ؟
ولماذا عدتَ بهذا الوجه؟
افتحنَ فقط.
افتحنَ
كأنّ العودةَ حقّ،
وكأنّ الابنَ لا يفقدُ اسمه
لأنّ العالمَ أخافه،
وكأنّ الحبَّ لا يحتاجُ شاهداً
كي يكونَ بريئاً.
في وسطِ الغرفة
مقعدٌ صغيرٌ لا يجلسُ عليه أحد.
لا ملكٌ،
لا كاهنٌ،
لا أبٌ غاضب،
لا أمٌّ تقولُ:
أنا صنعتُكَ،
إذن أنتَ لي.
المقعدُ للغائب،
للطفلِ الذي لم يقدرْ أن يقولَ لا،
للذي قالها
ولم يسمعهُ أحد،
للذي نامَ مبكراً
كي تمرَّ العاصفةُ
من فوقِ سريره.
كلُّ ليلةٍ
تضعُ أمٌّ تحتَ المقعد
قطعةَ خبز،
وتضعُ أخرى كأسَ ماء،
وتتركُ الثالثةُ البابَ
بلا مزلاج.
لا يقلنَ إنّه لن يأتي.
الأمُّ الحقيقيةُ
لا تجعلُ الغيابَ ذنباً،
ولا تجعلُ الانتظارَ فخّاً.
يا أمّهاتِ العهد،
هل تضحكنَ أحياناً
حين يخرجُ الوعّاظ؟
هل ترفعنَ أكمامكنّ،
وتغسلنَ وجوهكنّ من الهيبة،
وتجلسنَ حافياتٍ
فوقَ بلاطِ المطبخ؟
هل تقلنَ بينكنّ:
لقد تعبنا من الهالات.
تؤلمُ الرأس،
وتمنعُنا من الانحناءِ
لنلتقطَ طفلاً
سقطَ تحتَ المائدة.
هل تشربنَ القهوةَ ببطء،
وتتكلمنَ عن الغضب
لا كخطيئة،
بل ككلبٍ جريح
يجبُ تضميدُه
قبل أن يعضَّ الصغار؟
لن أفضحكنّ.
سأقولُ فقط
إنّ القداسةَ كانت في المطبخ،
تغسلُ الصحونَ
وتُخفي سكيناً صدئاً
كي لا يلمسهُ الطفل.
سأقولُ إنّ الرحمةَ
لم تكن ناعمةً دائماً.
كانت أحياناً
يداً تمنعُ البابَ
من أن يُغلَق.
كانت صوتاً يقولُ للرجل:
لن تدخلَ وأنتَ غاضب.
كانت أمّاً
تحبُّ ابنها الميت
لكنّها ترفضُ
أن يُطعَمَ الأحياءُ لموتِه.
يا أمّهاتِ العهد، غنيّنَ لي بهدوء.
ليس عن الطاعة.
غنيّنَ عن الطفلِ
الذي يحقُّ له أن يكبرَ
من دون أن يسدّدَ ثمنَ ولادته.
عن البنتِ
التي لا تصبحُ مقدسةً
لأنّها صبرت.
عن الابنِ
الذي أحبَّ ابناً آخر،
ولم تنشقَّ السماء،
ولم تسقطِ النجوم،
بل مرَّ طائرٌ صغير
فوقَ السطح
كأنّ الأمرَ كان معروفاً
منذ بدايةِ الضوء.
غنيّنَ عن الجسد
حين يعودُ إلى صاحبه.
عن الاسم
حين يُغسَلُ من العار.
عن اليدِ التي تُمسَك
ولا تُقيَّد.
عن الحضنِ
الذي يعرفُ متى يفتحُ ذراعيه،
ومتى يتركُ الطريقَ خالياً
لمن يريدُ الرحيل.
كنتُ أظنُّ أنّ الأمَّ
هي التي تعرفُ كلَّ شيء.
ثم كبرتُ،
وعرفتُ أنّ الأمَّ العادلة
هي التي تستطيعُ أن تقول:
لا أعرف.
تعالَ واجلسْ.
أخبرني من البداية.
لن أحوّلَ ألمَكَ
إلى قصةٍ عن فضيلتي.
لن أطلبَ منكَ أن تسامحَ
كي أنامَ مرتاحة.
لن أسمّي صمتَكَ سلاماً.
لن أقولَ إنّ ما حدثَ
كان لا بدَّ أن يحدث.
سأبقى هنا
حتى يجدَ جسدُكَ
الوقتَ الذي سُرِقَ منه.
يا أمّهاتِ العهد،
في الخارجِ رجالٌ
يبنونَ أقفاصاً
ثم يسمّونها بيوتاً.
يضعونَ فوقَ الأبوابِ آياتٍ،
وفوقَ الأسرّةِ صوراً،
وفوقَ الخوفِ اسماً جميلاً،
ثم يقولونَ للطفل:
أنتَ آمن،
فلماذا ترتجف؟
لكنكنّ تعرفنَ:
قد يكونُ السقفُ ثابتاً
والبيتُ يسقط.
قد تكونُ المائدةُ ممتلئةً
والطفلُ جائعاً.
قد يكونُ الرجلُ حيّاً
وتعيشُ عائلتُه حولَ قبره.
قد تقولُ الأمُّ أحبُّكَ
وتقبضُ على عنقِ مستقبلِكَ
من شدّةِ خوفها.
لهذا كتبتُنَّ العهدَ
لا بالحبر،
بل بالمفاتيح.
مفتاحٌ للغرفة.
مفتاحٌ للطعام.
مفتاحٌ للاسم.
مفتاحٌ للجسد.
ومفتاحٌ أخير
يبقى في يدِ الطفل،
كي لا يستطيعَ أحدٌ
أن يسمّي السجنَ حمايةً.
يا أمّهاتِ العهد، أنا متعب.
لا من الطريقِ وحده،
بل من شرحِ الطريق.
من عرضِ جراحي
كأوراقِ هوية.
من الوقوفِ أمامَ أبوابٍ
تقولُ إنّها مفتوحة
ولا تتحرّك.
من الذين يريدونَ دمعي
لكنّهم يخافونَ غضبي.
من الذين يحبّونَ الطفلَ فيَّ
ما دامَ لا يتكلّم.
خذنَ عن كتفي
هذا الليلَ قليلاً.
ليس كلَّه.
أعرفُ أنّ بعضَ الأحمالِ
لا تحملُها عنّا أمٌّ
ولا سماء.
لكن ضعْنَ أيديكنّ
حولَ الارتجاف،
لا حولَ إرادتي.
اتركنَ لي مساحةً
أكونُ فيها ضعيفاً
من دون أن أصبحَ مملوكاً.
اتركنَ لي مكاناً
أحبُّ فيه
من دون أن أعتذرَ
عن شكلِ الحب.
وعندما أموت،
لا تقلنَ إنّ موتي كان جميلاً.
لا تزيّنَّ القبرَ
حتى ينسى الناسُ
أنّني أردتُ البقاء.
لا تجعلْنَ وجعي سلّماً
يصعدُ عليه الواعظ.
لا تقلنَ للأطفالِ
إنّ السماءَ اختارتني
لأنّها أحبّتني أكثر.
قولوا الحقيقة:
كان بيننا.
كان يضحك.
كان يخاف.
كان يحبُّ الرجال.
كان يريدُ عمراً أطول.
كان يتركُ الطعامَ للقطط.
كان يفتحُ النوافذَ
حتى في البرد.
كان يخطئ.
كان يعود.
وكان البابُ،
حين عادَ أخيراً،
مفتوحاً.
يا أمّهاتِ العهد،
أبْقينَ ذلك الضوء
في النافذة.
ليس لي وحدي.
للرجلِ الذي نسيَ
كيف يطلبُ الحنان.
للبنتِ التي تحملُ حقيبتها
وتنتظرُ سيارةً لا تأتي.
للطفلِ الذي يراقبُ وجوهَ الكبار
كي يعرفَ أيَّ وجهٍ يجبُ أن يرتدي.
للغريبِ الذي ما زالَ يحملُ
مفتاحَ بيتٍ هُدم.
لمن عادَ إلى الله
فوجدَ الحرسَ عند الباب.
لمن خرجَ من الدين
وبقيَ قلبُه يبحثُ
عن مكانٍ يركعُ فيه
من دون أن يُؤخذَ أسيراً.
أشعلنَ الضوء.
ضعنَ الماء.
اتركنَ المقعدَ فارغاً.
وإن سألَ أحدٌ
لمن هذا المكان،
قُلنَ:
لمن يصلُ متأخراً.
لمن لا يعرفُ بعدُ
كيف يروي ما حدث.
لمن يجيءُ باسمهِ كلّه،
وبجسدِه كلّه،
وبحبّه كلّه،
ولا نطلبُ منه
أن يتركَ شيئاً عند الباب.
يا أمّهاتِ العهد،
أنا في الطريق.
لا تغلقنَ.
لا تغلقنَ.
لا تغلقنَ.
