السبت ١٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم أمينة شرادي

هموم نسائية

جنون الفقر

تنتمي فاطمة الى أسرة فقيرة، تتكون من ستة أفراد. الأب مريض لا يستطيع العمل، بثرت يده يوما لما كان يشتغل بإحدى الشركات.

واضطرت الأم العمل بالبيوت. بيت جد صغير في احدى الأحياء الشعبية. لا نوافذ ولا نور يدخل اليه حتى يعيد اليه بهجة الحياة. يظل باب البيت مفتوحا طوال اليوم، حتى تزوره الشمس والرياح وتنظفه من بواقي النوم. الحياة عند عائلة فاطمة، صعبة وشاقة ولا تعاش بسهولة. في يوم غائم، لا شمس فيه ولا مطر، غيوم ورياح تدق طبولها بقوة كأنها تعلن حالة حرب على الفقراء. زارهم رجل يطلب الزواج من فاطمة. كانت فرحة كبيرة خيمت على البيت الغائم، كأمطار الخير بعد سنة جدباء. وحمدوا الله على هذه الفسحة التي أعادت إليهم نور الحياة ولو قليلا. تزوجت فاطمة، ورحلت الى بيت آخر تسكنه. مرت الأيام تتسارع كشلال في أعالي الجبال، أنجبت فاطمة ولدا وبنتا. كانت تساعد في مصروف البيت بالعمل في البيوت كأمها. فهي لم تستطع اكمال دراستها. خانها التفوق، وتاهت في سراديب الحياة تصارع من أجل البقاء. جاءت يوما تبكي حالها لأمها، وتصرخ وتطلب حلا لعيشتها. سألتها عن السبب. قالت فاطمة وهي تصرخ" زوجي رجل أحمق. يحتاج الى طبيب." حاولت الأم أن تهدئ من روعها وأن تشرح لها بأن كل الرجال يشبهون بعضهم بعضا. وأضافت "انظري الى أبيك، هل تعتقدين أنه رجل سوي؟ ومع ذلك أنا صبرت." انتفضت فاطمة وصرخت بكل قوتها الكامنة بجسدها وروحها وقالت "انه مجنون يا أمي. صرت أخاف منه. لا أستطيع العيش معه."

حاول والدها أن يضع حدا لحالتها لأنه يعلم أنه لم يعد لها مكان في البيت. فقد احتلت أختها الصغيرة مكانها. قال لها بصوت صارم" ممنوع الطلاق يا فاطمة. يجب عليك أن تساعدي زوجك حتى يعود الى حالته الطبيعية." تارت ثائرتها وانزوت في ركن من الغرفة، وقالت لهما بصوت حزين "إذا عدت الى البيت، سيقتلني.." استوطن البيت صمت ثقيل كصمت الكهوف تدفقت من عيني أمها وأبيها، نظرات خائفة، تائهة ومترددة. فقامت فاطمة وخرجت لكنها لم تعد.

الجفاف

كان يوما حارا شديد الحارة، رغم أن فصل الصيف غادرنا منذ شهور، فصول السنة أصابها الجنون. عطشت الأرض وقل الزرع وانتشرت الريح في كل حي من الأحياء كأنها سيد من أسياد الزمن البعيد. استيقظت أمل كعادتها باكرا، هي من عشاق الصباح الباكر، تقول دائما لمن يسألها لماذا تنهضين باكرا، بأنها تعشق نقاء هواء الصباح وصفاءه الخالي من كل الشوائب.

اشعر بأنني أتجدد به وأن روحي تستعيد شبابها رغم تراكم السنين على جسدي. لكن هذا الصباح لم يكن ككل الصباحات، رغم جفاف الجو وقلة المطر، كانت تمني النفس بأمل قريب. اذ غاب زوجها عن البيت دون سابق انذار. خرج بالأمس دون أن يخبرها. حاولت أن تتصل بأصحابه لكنها تراجعت عن الفكرة. منذ مدة، وهو متغير. حديثه قليل، حضوره باهت ويغضب لأتفه الأسباب. حاولت أن تتمالك أعصابها وترتب أفكارها وتكلمه. لكن حائط الصمت الذي يضعه حوله منعها من التواصل. اكتفت بذكريات الأمس القريب لما كان حنونا معها ويمطرها بكلام الهوى كلما اتيحت له فرصة. وكانت تمزح معه وتقول له: "أخاف من كلامك هذا ربما أصاب بالغرور". تمضي الأيام، وتتبدل الفصول، ويرحل حنانه تماما ويرفض ان يخرج الكلمات من فمه كلما عاد للبيت. تحول الى غريب لم تفهم ولم تدرك بأن عاطفته تحولت عنها. بعينين حزينتين، غائرتين، ظلت يومها معلقة بالنافذة تنتظر هطول الأمطار التي تحدثوا عنها في كل الأخبار. كأنها ضيف عزيز طال غيابه والكل مشتاق الى رؤيته، وتنتظر أمسها القريب الذي كان يملأ عليها حياتها.

دموع المساء

جلست والحزن يعصر كل جزء من جسمها، كأنه لعنة آتية من زمن بعيد. ابتسمت بشكل آلي، وعدلت من قميصها ووضعت حقيبة اليد جانبا ونظرت بعيدا امامها. زفرات متتالية وسقوط دمعات على خدها المتورم من شدة البرد، قالت دون سابق انذار: "لقد تحولت حياتي الى جحيم. لم أعد أستحمل. الابن والأب معا. حياة مستحيلة."

انحبس الكلام في حنجرتها، كانت تدفعه دفعا حتى يخفف عنها آلام الآهات والدموع. سألتها بشكل عفوي:" ماذا حصل؟"
صمتت كأنه زمنا، تجولت بعينيها بدون هدف، قالت:" أنت تعلمين كل الحكاية لكن الجديد هو أن الابن الذي هو حياتي، قال لي اليوم وبكل ثقة بأنني أنا السبب في فشله في حياته، وعدم استقراره في عمله..."

ذهلت من كلام كبير مثل هذا، لم أستطع فعل أي شيء سوى طلب قهوتين، ربما تعملان مفعولهما وتلطفان الجو المشحون. سألتها من جديد وكلي توتر:" لماذا سمحت له أن يكلمك هكذا؟ لقد تجاوز معك كل الحدود."

اختبأت وراء دموعها وتاه منها صوتها، حتى قهوتها تركتها دون أن ترتشف منها رشفة. قامت دون أن تسلم علي، لم تلتفت، ولم أفهم سبب ذهابها ولا سبب حضورها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى